قصة نضال روت أرض الأرز

كتب ميشال يونس في “المسيرة” – العدد 1718

وحدها علاماتُ أزمنة الرب تتعاهدُ فيها أسماءُ ذوي  القُربى على ذاتِ قِيَمِ الأفعال، وتتألَّقُ فيها لمعاتُ التواريخ حتّى داخلَ دائرة الجغرافيا، وتتنامى فيها الأهدافُ المرفوعةُ كالصلبان فوق أكتافٍ يعتصمُ  مالكوها بشجاعةٍ ليست من هذا العالم !

مِن هذه العلامات سيرة عاصيَينِ قاد كلٌ منهما إنطلاقا مِن موقعه ونذرِه فاصلاً تاريخيًا من مسيرة عُصاةِ أب المقاومة اللبنانية يوحنا مارون مُنطلقينِ من بشرّاي مدينة الأرواح المتمردة ومِن هامتَينِ موقوفَتينِ لجلجلةِ شعبٍ كُتِبَت على إسمِه دروبُ صلبان حاملي وديعةِ الأيمان والحرية مِن قورش ووادي العاصي وكفرحَي ويانوح وإيليج وقنوبين شهادةً للرب والأمم !

سيرتانِ ما أصدقَ أن تُدوّنا بريشةٍ كشوكِ تاجِ يسوع النّاصري وبحبرٍ مُستخرَجٍ مِن خَلِّه ومُرِّه بعنوان: أفرام وسمير !!

 

حنا طنوس ملحم جعجع

ولد في بشراي في 21 أيلول 1821 وينتمي فرعُه العائلي إلى الطبقة الفلاّحية في عشيرة الجعاجعة البشراويين .

مِن نوافذ كتفِ قاديشا المفتوحة على السماء سمع حنا جعجع نداء الرب يدعوه إلى اعتناق السيرة الرهبانية فغادر بيته وعائلته ومهد طفولته وصباه قاصدًا دير مار أنطونيوس قزحيا بعمر 18 سنة. لبس ثوب الإبتداء يوم عيد القديس بولا أول النسّاك وشفيع محبسة الدير في 5 كانون الثاني مُتخليًا عن إسمه العلماني حنّا مُتخِذًا شفيعه وإسم أفرام السرياني مُستلهِمًا علاقة أمه محبة رحمة المُميّزة بأمه مريم. بعد إتمامه سنتَي الإبتداء نذر الأخ أفرام نذوره الرهبانية الأولى في 10 كانون الثاني 1841، ومن دير قزحيا انتقل إلى مدرسة دير كفيفان تلميذًا للأب المعلم نعمة الله كسّاب الحرديني. ولأنّه كان من تلاميذه المتفوّقين بالنذور الرهبانية والفكر المُتّقِد أختاره قديس كفيفان ليكون من بين الإخوة السبعة المُنتَخبين ليُكمِلوا علومهم في مدرسة الآباء اليسوعيين في إكليركية غزير المارونية التي دخلها عام 1846. هناك برز تفوّقُه في علم اللاهوت والفلسفة الكنسية وأتقن اللغات اللاتينية والأيطالية والفرنسية معطوفةً على العربية والسريانية!

وفي العام 1853، وُسِم الشماس الأخ أفرام جعجع بوسمِ ميرون الكهنوت على رتبة ملكيصادق بوضع يد المطران بولس الجزيني. وبعد سيامتِه تم تعيين الأب الكاهن الجديد خادمًا لدير سيدة حوقا التاريخيّ ثم رئيسًا على دير مار أنطونيوس الجديدة  منطقة الزاوية في 15 تشرين الثاني من العام نفسه. وبتاريخ 15 تشرين الثاني 1856 تم تعيينه رئيسًا على دير سيدة ميفوق .

17 آذار 1863، إنعقدَ المجمع الرهباني العام في دير سيدة طاميش وعند نهاية الإجتماع تم إنتخاب رئيس دير سيدة ميفوق الأب أفرام جعجع البشراوي وبأكثرية الأصوات رئيسًا عامًا على الرهبانية اللبنانية المارونية !!

 

الراهب المقاوم الثائر

عام 1860 كان الزلزال المسيحي الأكبر، وما كان من الأب أفرام جعجع  إلا أن فتح أبواب دير سيدة ميفوق لاستقبال واحتضان رهبان أديرة الشوف والجبل والأهالي الناجين من جحيم تلك المجازر. وتشاء الصدف أن يكون هذا الدير نفسه الذي قصده صيف العام 1978 قائد ثوار الشمال سمير جعجع لتكوين نواة المقاومة اللبنانية وتحصين وضع الأهالي الناجين من مجازر خورشيد باشا البعثي!

ومن دير مار شليطا القطّارة إنطلق سمير جعجع  شتاء 1983 إلى أرض الجبل ليدافع مع رفاقه الأبطال عن جبلِ الكيان اللبناني ليُذبَحَ معه «خليلٌ كافرٌ» بشراويٌ آخر خلَّع مصاريع الأبواب العالية لآلهةِ المسيحية اللبنانية المُنزَلين!

ركنان من أركان الكنيسة والرهبانية المارونية كانا السّند الأمتن والظّهير الآمن لقائد المقاومة اللبنانية خلال القرن التاسع عشر يوسف كرم، هما الزائر الرسولي المطران يوسف جعجع البشراوي والأب العام أفرام جعجع البشراوي.

أول كانون الثاني 1875 وصلت أوامر «روما من فوق» بوصول المفوّض السامي الفاتيكاني المدعو لودفيكس بيافي شبيه المونسنيور بابلو بوانتي زمن الإحتلال السوري، ففرض المونسنيور لودفيكس تعيين الأب مرتينوس سابا الغوسطاوي رئيسًا عامًا بناءً لإلحاح البطريرك بولس مسعد والمطران يوحنا الحاج وبإلغاء الحق الإنتخابي الذي كان سيُعيد إنتخاب الأب العام أفرام جعجع بأكثرية أصوات رهبانيته. وقُبَيلَ انعقاد المجمع تم حجز الأب العام أفرام مع نائبه الأب لورنسيوس الشبابي ليُعتَقلا يوم 31 كانون الأول 1875 داخل السفارة البابوية حريصا!

 

أفرام جعجع الراهب الشريد

إرضاء للبطريرك بولس مسعد وللمتصرفين العثمانيين داود باشا ورستم باشا، أصدر الأب العام مرتينوس سابا الغوسطاوي حكمًا مبرمًا بطرد أخيه الرهباني الأب العام أفرام جعجع من الرهبانية مع عدد من الرهبان الثائرين على الإحتلال التركي ونفيهم إلى جزيرة قبرص بتهمة مساندة ثورة عصيان يوسف كرم على «شرعية» الحكم المديد لسلاطين بني عثمان لجبل لبنان. وما أشبه يوم النفي الرهباني 1878 بيوم النفي من غدراس في 21 نيسان 1994، وبذات غسلِ أيادٍ كثيرة من بيلاطسية لبنانية!

وزنات الكيان العلمي والمدرسي التي ضاعفها الأب العام أفرام في بناء مدرسة دير سيدة بصّا كفور العربي عام 1862 ومدرسة أنطش أبلح ومدرسة مار يوسف بان ومدرسة مار يوسف المتين، ثم إعادة فتح بناء وترميم دير مار سمعان العمودي أيطو عام 1863 الذي انطلقت منه الراهبة رفقا الريس الحملاوية إلى أسمى مراتب الصلب والقداسة. لم تشفع هذه الوزنات الأفرامية الرهبانية الوطنية الراهب البشراوي الثائر كما لم تشفع مؤسسة التضامن الإجتماعي للحكيم البشراوي الثائر لدى بعضِ جحود الرعية المهزومة الروح والذاكرة!

15 عشرة عامًا عاشها الأب أفرام جعجع في منفاه القبرصي مُترفِّعًا ببطولة طوباويةٍ عن تقسيم رهبانيّته المؤيدة بأكثريتها له ولثورته، رافعًا صلوات الغربة والتشرُّد على نية رهبانيته وشعبه ووطنه الذخيرة لبنان !و11 عامًا عاشها سمير جعجع تحت سابع أرض… صدفة ربّانية!

عام 1893 إلتأم المجمع الرهباني الإنتخابي العام، فانتُخب الأب مبارك سلامة المتيني رئيسًا عامًا للرهبانية واتخذ قرارًا رهبانيًا تاريخيًا بإعادة بطل الأساكيم الملائكية إلى الرهبانية اللبنانية المارونية وفاء لضمير ووجدان شعب مار يوحنا مارون وإبراهيم القورشي ودانيال الحدشيتي وجبرائيل حجولا!

ومن منفى ال15 عامًا في قبرص الذي لا يوازيه إلاّ اعتقال ال11 عامًا داخل محبسة زنزانة وزارة الدفاع، عاد الأب أفرام جعجع إلى رهبانيته وأخوته مُختارًا لسكناه ديره الأول دير مار أنطونيوس قزحيا الذي لم يمضِ على عودته إليه 25 يومًا حتى هتف آخر هُتافِ مُعلِّمه المصلوب من فوق قمة الجمعة العظيمة: «يا أبتِ لقد تم كل شئ بين يديك أستودعُ روحي».

في 25 تشرين الثاني 1893، إرتفعَ من وادي كنز الحياة أفرام المقاومة الرهبانية اللبنانية وفخرُ رهبانِها المُقاومين حاملاً لبنانه وشعبه ينذرهما للبقاء والحرية نذرًا أزليًا أبديًا أمام الرب وشهداء وطن أرز الرب حتى يوم القيامة!!!

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل