أزمة لبنان ولعبة الدومينو بين فيينا وأفغانستان

في 11 أيلول المقبل تستكمل القوات الأميركية انسحابها من أفغانستان ـ وبين شهر آب المقبل وأواخر تشرين الثاني المقبل سيتبين الخيط الأبيض من الأسود في ملف مصير مفاوضات فيينا، خصوصا بعدما بات في حكم المؤكد فشل واشنطن وشركائها الأوروبيين في لجم اندفاعة طهران النووية وكبح جماح التخصيب التصاعدي. ففي خلال هذه الفترة التي نعيشها إقليمياً، والتي يصح فيها وصف “الفترة القاتلة” يقع لبنان عند المفترق الخطير والخطير جداً.

ربى سائل ان كنا نفهم الارتباط العضوي بين مفاوضات فيينا النووية والملف اللبناني، الا ان ما علاقة لبنان بأفغانستان وانسحاب الاميركيين منها؟

الإجابة في هذه الملاحظات:

أولاً: لبنان مفكك وضعيف كما هو الآن، وفي انهياره ساحة مفضلة لتبادل الرسائل الإقليمية، تلك الرسائل المتأتية من المعسكر الإيراني وحلفائه الإقليميين او من المعسكر الأميركي ـ الإسرائيلي الغربي. فمن السهل جدا اختراق الساحة المتوعكة استخباراتيا وامنيا وعسكريا، وقد اثبتت التجارب الماضية سهولة ذلك، خصوصاً ان المنطقة قاب قوسين او أدنى من الدخول في مرحلة مواجهة جديدة.

ثانياً: بدء الرئيس بايدن بتنفيذ وعوده الانتخابية من بوابة أفغانستان يشي بتحول المنطقة الى مرحلة فوضى، إذ ستحاول كل قوة إقليمية الاستحصال على القدر الأكبر من الأوراق والتناتش على اكبر قدر من الحصص التي يخلفها الأميركي برحيله عن المنطقة.

وفي هذا السياق، أفغانستان بوابة جنوب آسيا، والدور الإقليمي لدول الجوار الافغاني هو الذي سيرسم معالم المنطقة غرب آسيا: فباكستان ستتدخل لحماية الباشتون الأفغان وتدعمهم، وروسيا ستتدخل لمنع عودة داعش في الجنوب الاسيوي كما في آسيا الوسطى، وايران المرشحة الأميركية للعب الدور البارز في شرق وجنوبي آسيا لمواجهة التهديد الأمني المتأتي من انفجار الوضع في أفغانستان اذا فشلت مفاوضات السلام واندلعت الحرب الاهلية فيها (من هنا ترتدي الاحتجاجات الشعبية في الاحواز حالياً وصولاً الى مشهد اهمية استراتيجية، اذ تحاصر ايران من الجهتين بزنار من التحديات الداخلية والحدودية الخانقة والداهمة) علماً أن طهران يهمها عدم تنامي قوة الأفغان وبالتالي ستكون مشجعة لحرب أهلية تبعد عنها شبح التهديد الشرقي، فحيث الصراعات والنزاعات والاقتتال الداخلي هناك مصلحة ايران في المنطقة.

ثالثاً: منذ انطلاقة عملية السلام العام 2018، احتلت موسكو وطهران المرتبة المتقدمة في إدارة الملف الافغاني، ما أتاح ويتيح لهما لعب دور الاشراف والتقرير ويسهل على الصينيين التوافق معهما على تأمين طريق الحرير الصيني او ما يعرف بمشروع الحزام والطريق والذي يشمل باكستان.

من هنا، تجد إيران نفسها في وضع محرج ودقيق لكن لا يمنعها من انها تستطيع لعب الدور المساعد والمؤازر لامتلاكها أوراق القوة الإقليمية ولا سيما ورقة احتلالها الدول العربية الأربعة (سوريا ـ لبنان ـ اليمن ـ العراق) الامر الذي سيحملها على التصلب حيال أي طرح تنازلي عن أي من اوراقها، خصوصاً انها سائرة نحو التخصيب وتصنيع القنبلة النووية في غضون أسابيع بموازاة تسلم رئيسي مقاليد الحكم في اب المقبل.

رابعاً: عودة أفغانستان أصولية سنية الى جانب ايران أصولية شيعية يزيد أعباء التعاون بينهما وبين الروس والصينيين اللذين لا ينظران بكثير من الاطمئنان الى بروز تلك الاصوليات الدينية والعقائدية، مجددا جنبا الى جنب معهما على الحدود، إذ ان أي انفجار للحرب الاهلية في أفغانستان سترخي بتداعياتها الحدودية على روسيا والصين، ما قد يضطرهما الى التعاون مجدداً مع ايران القادرة بحكم التجربة مع الأصوليين الدينيين في ضمان الحد الأدنى من مصالح الجبارين الحدوديين.

خامساً: تعثر مفاوضات فيينا بالتزامن مع انسحاب الاميركيين من أفغانستان لا يترك الكثير من الخيارات الإقليمية سوى الفوضى والسباق على تحقيق اكبر قدر من المكاسب في الوقت الضائع لتحسين شروط التفاوض ان عاد، وقد قصف الحشد الشعبي أخيراً في العراق مواقع أميركية ومن ثم اطلقت صواريخ مجهولة من جنوب لبنان باتجاه الحدود مع إسرائيل لتزيد كل هذه الوقائع التأكيد على تقاطع لبنان الإقليمي في حسابات القوى المتصارعة، وصولا الى القصف الإسرائيلي أخيراً لمواقع حزب الله وايران في القصير والمناطق السورية المحاذية للحدود اللبنانية ومحاولة الأسد تغيير قواعد الاشتباك مع إسرائيل فوق لبنان بأجوائه واراضيه.

فالفراغ والفوضى من كابول الى لبنان يرسمان منطقة عمليات وتقلبات يومية يخلفها الفراغ الأميركي السياسي والعسكري والذي قد يتسبب بأضرار أكبر لواشنطن من بقائها، لكن ما كتب قد كتب، وان كانت واشنطن وأوروبا يخشون من عودة التطرف الطالباني الى أفغانستان، فإن مسؤوليتهم كبيرة في عجزهم طوال الفترة الماضية عن إيجاد اليات حل للقضية الأفغانية، فاذا بأحجار الدومينو تتدلى الواحدة تلو الأخرى لتصل الى الشواطئ اللبنانية المنهكة والمنهارة.

ملف الصراع شرق آسيا وجنوبها فتح انطلاقا من أفغانستان ومعه بدا خلط أوراق جديد ستكون انعكاساته شاملة على كل منطقة غرب اسيا ولا سيما لبنان خصوصاً على صعيدي تنامي الإرهاب وتصاعد التشدد. وبالتالي عين واشنطن على الصين وروسيا وايران، مع ان بوتين قادر على المناورة بين بكين وواشنطن، لأنه يأتي في المرتبة الثانية من الصراع بين الجبابرة بعد الصين ولأن امامه مغريات أميركية لا يريد التخلي عنها كلياً (مثل إعادة العمل بخط غاز الشمال المباشر الى أوروبا والتسليم بصعوبة اخراج أوكرانيا من العباءة الروسية)، فيما ايران مستمرة في التخصيب وفي تنامي قدراتها النووية من دون التخلي الى الان عن وكلائها الإقليميين وفي مقدمتهم حزب الله والحشد الشعبي.

فهل يكون انقاذ لبنان في خضم هذه التشابكات الإقليمية عبر سحبه من محيطه المتأزم لوضعه في غرفة العناية الخاصة التي تفترض تدخلا دوليا وامميا باتجاه إما مؤتمر دولي لطائف جديد وإما لإعلان حياده وإما لوضعه تحت الإدارة الدولية، خصوصاً ان كافة معايير الدولة الساقطة والفاشلة باتت متوفرة لديه وهو بات خطراً على نفسه وعلى الاخرين، خصوصاً على الأوروبيين وبالتالي الاميركيين ومصالحهم في المنطقة وحوض شرق المتوسط.

لبنان كما العراق لا يمكن ان يقوم الا على دولة لا على ثورة، وعقيدة الثورة الإسلامية في إيران لم تستطع نفسها ان تبني دولة بل شبه دولة منذ 40 عاماً، وكذلك يأتينا اليوم النموذج الطالباني الذي يقيم حكم الدولة الإسلامية في أفغانستان لاستيعاب ما عجزت عنه الثورة في ايران او ما لم يستطع حكم الملالي من ترسيخه في المنطقة.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل