سمير جعجع تفوَّق على سَجّانيه

مّن كان عَروفاً بأزمنةِ الصَّدَأ والظّلم، والتي امتدَّت على مَدًى لا حَدَّ له، وطاولَت خيرةَ الناسِ، يعرفُ، تماماً، كيف تُقلَبُ المقاييس، وتُمسَخُ المفاهيم، لتُجهَضَ الثقةُ في مَنْ يؤمنون بأنّ الشمسَ تعودُ باستمرار. لقد ظنَّ المارِقون بأنّ عصرَ الغُروبِ وتَضييعِ الحقّ، سوف يرجحُ في الكفَّة، وأنّ مواسمَ ازدهارِ الهرطقاتِ، والعبثِ، والتّهويل، سوفَ لن تُسَدَّ، في وجهِها، إمكانيّةُ الدَّوام. لكنّهم غفلوا عن أنّ مَن تَرَبّى على ثقافةِ المواجهة، هو، وحدَه، يحدِّدُ الورقةَ المُحَبَّرةَ بالوطنيّة، مَحمِيّاً بقناعةٍ جَسورةٍ بأنّ الأَشداقَ التي تُمعِنُ في افتراسِ العدالةِ، وقِيَمِ الحقّ، وفي تَعميقِ بصماتِ الانتداب، وتدميرِ مداميكِ الكيان، ستُسحَقُ بالنّضال، ولو بعدَ إحدى عشرةَ سنة.

عندما يرتدي بعضُ الذين ينصِّبون أنفسَهم زعماء، لُبوسَ التَّمويهِ أو الأَقنعة، يُطلُّ علينا رجلٌ مسؤولٌ من دونِ قِناع، يطوفُ بمواقِفَ جريئة، يمزِّقُ جَبانةَ المُتَلَطّين بالشّيطان، ويُبَلبِلُ المُتَحَصِّنينَ بِفَرطِ القوّة، فالحالُ معهُ كَمَنْ ينفردُ عن سِواه، ليكونَ قَدَرُهُ قَدَرَ الرُوّادِ الذين عَدُّهم عَدُّ الأصابع، وفاعليّتُهم فاعليّةُ جبابرة. سمير جعجع، الذي هاجمَتِ العتمةُ أنفاسَه، ليقعَ ركاماً فيطمرَهُ وحلُ اليأس، لم يستطعِ الخوفُ أن يكسرَ جبينَه، وأُعْطِيَ قوّةَ الصّمودِ، وإنْ في شبهِ قَبر، ليُصبحَ قَلَقاً يهزُّ راحةَ مَنْ ظَنّوا أنّ البلدَ في جَيبِهم، ومفاجأةً غيرَ سارَةِ، وغيرَ مُنتَظَرَةِ، تقضُّ اطمئنانَ الواثِقينَ بِإِطباقِهم على الحَجَرِ والبَشَر.

إنّ زمانَ لبنان، وفي مَفارقِه المصيريّة، يلتقي وُجوهاً صَلبَةً مُسَّتْ بِجَناحِ المُواجَهَة، فزالَتْ عن طريقِها حَيثيّةُ الاستحالة. في مُقًدِّمِ هؤلاءِ الطليعيّين سمير جعجع، رَجُلٌ كُوِّنَ بالعنفوانِ، وجُبِل بالنِّضال، لأنه سَليلُ الأَصلابِ التي كَتبَت عليها الالتصاق بالأرضِ، والدِّفاعَ عن كرامةِ الوطنِ، ولا تَراجُع. فإذا كان الآخَرونَ، قد أَسَرَهُم تَدَرُّجُ الرُّتَبِ زَحفاً، خرجَ هو عن هذه الوُصولِيّةِ الرَّعناء، لِيُعانِقَ القضيّةَ التي تَفوقُ كلَّ الرُّتَب. لقد عَلا صوتُهُ بالحَقّ، لأَنّ هَمَّهُ أن يَحملَ أعباءَ الوطنِ وأهلِه، وهي ليسَت يَسيرَة، فبلغَت به نفسُه الغَضبى، والتّائقةُ الى الحريّةِ، والى استعادةِ بوصلةِ الكرامةِ، الى إنتاجِ قيادةٍ شجاعةٍ، ورشيدة، فما تَضاءلَ عزمُه أمام شِدَّة، ولا خَفَتَ نبضُهُ الثّوريُّ أمامَ تَرهيب، فكان كالبطلِ الذي له، من الرَّفعة، حَجمٌ يفوق حَجم المعركة.

سمير جعجع المُنتَمي وجدانُهُ الى صوتِ الوطن، هو رَجُلٌ مَجبولٌ بالعِزّة، مُقتَحِمٌ منحى النّضالِ بالمَوقف، في وقتٍ يَقْبَعُ غيرُه في كهوفِ الرّياءِ الشَّعبَويِّ المَقيت. ولمّا كان كلامُهُ ثابتاً لنُصرةِ العنفوانِ، والنُّبل، كما الكِبار، لم يتجاوَز مُمتَهِنو العملِ السياسيِّ تَقَمُّصَ تَمثيلِ الرِّيادةِ المزيَّفَة، بشعاراتٍ يبتغون، منها، الابتزاز، والمنفعةَ، والمردودَ النُّفوذِيّ. ولمّا كان ثباتُهُ، في مواقفِهِ، تأكيداً على وحدةِ الوتيرةِ في الالتزام، كان همُّ المُضَلِّلينَ المُستَديرين، أصحابِ الحناجرِ النَّمَطيّة، زيادةَ رَصيدِهم التَّصفيقيّ، وهذا، وحدَه، فولكلورُهم المأنوس، والذي يحوِّلُهم دُمًى بائسةً لا تُتقِنُ غيرَ الخطاباتِ الخشبيّةِ المُلَفَّقَة.

يومَ تَفَرَّقَت سُبُلُ الوطن، وتعارضَت أهدافُه، وتمزَّقَت جوانبُه، وباتَ شعبُه تَعِباً، مَنهوكاً، حُمِّلَ أثقالاً، ولم يَقْوَ إلاّ على الأنين، ويومَ كادَ لبنانُ أن يحتفلَ بِمَأتمِ الوطنيّة، طَلَعَ صوتٌ يتعهَّدُ الوطنيّةَ، ويفتحُ لها قلبَه، لِتُعاوِدَ المَسير. ويومَ تَآمَرَ بعضُ قُطَّاعِ الطُّرُقِ، مُفَكَّكي الكرامةِ، على شَطبِ الدَّولة، ونَهبِ حضورِها، وتَلَطَّوا خلفَ عناوينَ رفضَها حاكِمُ الإيمانِ بالوجودِ السَيِّد، بَرَزَ سمير جعجع، خَياراً له مَذاقٌ خاص، عَرّى عِصابات المَحمِيَات، مُعلِناً، وبِجُرأةٍ عاليةِ النَّبرة، عن وُجوبِ عودةِ الوطنِ الى كَنفِ سيادته، وهي جُرأةٌ شكَّلت صَدمةً، كان لا بُدَّ من أن نتوقَّعَ، في إثرِها، رصاصةً، أو تفخيخاً، لكي تَتَجانسَ ردَّةُ الفِعلِ، هذه، معَ سابِقاتِها السَّافِكَةِ للدَم. لكنّ الاعتقال الكَيدِيَّ في مساحةٍ مُقفِرةٍ، كان بانتظارِ الولاءِ المُخلِص، هذا الولاءِ الذي، وحدَه، كان في أساسِ اندفاعِ سمير جعجع الى افتداءِ الوطن، يومَ تآمرَ عليه الجميعُ، في الدّاخلِ وفي الخارج. وإنِ استطاعَت أيدي السفّاحينَ، بانتقامِهم الشَّرِسِ، أن تطالَ جسمَ سمير جعجع، لكنّ قبضتَهم لم تَنَلْ من رحلتِهِ في زمنِ العنفوانِ والكِبَر، فحَسبُنا أن نأخذَ العِبرة.

سمير جعجع، جبينُكَ من الشُّموخِ مُنَدّى كأنّما مُسِحَ بلبنان، هنيئاً للطّالِعِ من أجيالِ لبنانِك، فقد كُتِبَت له، بِكَ، الحياةُ المُطَعَّمَةُ بالكرامة.

 

 

 

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل