26 تموز 2005 تسعة إلاّ ربع… سمير جعجع فوق سابع أرض

كتب أنطوان مراد في “المسيرة” – العدد 1719

26 تموز 2005 تسعة إلاّ ربع… سمير جعجع فوق سابع أرض

حر من أجل تحرير الدولة من معتقِليها

في النسخة المبنية طبق الأصل في معراب للطبقة التي اعتقل فيها سمير جعجع في سجن وزارة الدفاع في اليرزة، وتضم زنزانته وما يحيط بها من زنزانات أخرى، يبدأ مشوار الزائر بمعرض لأبرز المقالات والتقاريرالصحفية التي كتبت عن مرحلة الإعتقال، وكان لي شرف المساهمة في إعدادها، وبينها عدد مما كتبتُه في جريدة «الديار» ومجلة «الدبور» حيث كنت أنقل أحاديث له من خلف القضيان أثارت غضب سلطة الوصاية والأجهزة الأمنية. وبعد المرور بنموذج فعلي عن وسائل التعذيب إنتقالا إلى الزنزانات، ينتهي المشوار بلوحة كُتب عليها:

«في تمام التاسعة إلا الربع من صباح الثلثاء 26 تموز 2005 ، وبعد إحدى عشرة سنة وثلاثة أشهر، خرج سمير جعجع من الإعتقال لتكتمل بحريته ثورة الأرز.»

الواقع أن لبنان في حينه، ومع إستعادة الحكيم حريته الكاملة، إكتمل انعتاقه من نير الوصاية السورية، لتكتمل بذلك إنجازات إنتفاضة الإستقلال الثاني.
اليوم وللأسف، تحاول الوصاية البديلة إستكمال وضع اليد على لبنان الدولة، بالتحالف مع منظومة الفساد، ويصدف أن سمير جعجع هو أيضًا في طليعة من يتصدى لهذه المحاولات، وسط التخبّط الذي يسود قوى السلطة والممانعة وانكفاء الثورة الشعبية التي يبحث بعض راكبي موجتها وأدعيائها عن إنتصارات وهمية أو محدودة، مع إنفراط العقد الشعبي والخيبة نتيجة أدائهم واستنسابيتهم.

لقد دخل سمير جعجع إلى السجن في 21 نيسان 1994 بقرار سياسي وخرج منه بقرار سياسي، كما قال وكما كانت تردد زوجته ستريدا، التي عرفت مع مجموعة من الكوادر الوفية للقضية كيف تهيئ خروج الحكيم بخوضها الانتخابات النيابية والفوز بكتلة من ستة نواب، وهي الكتلة التي عملت بما تمثله من شرعية دستورية وسياسية وشعبية على تسريع خروج سمير جعجع من المعتقل بالتعاون مع الحلفاء في 14 آذار ولا سيما تيار المستقبل والحزب التقدمي الاشتراكي وسائر الأحزاب والقوى والشخصيات السيادية.

وفي الواقع كان سمير جعجع رقمًا صعبًا وقائدًا صعبًا في الحرب كما في السلم بمختلف مراحله وما زال. وقد عجز الأخصام وحتى العديد من الحلفاء عن فهمه أحيانا أو احتوائه، لأنه كان دائمًا في موقع متمايز أو متقدم، فكثيرًا ما كانت وما زالت مواقفه تتخذ طابع ثورة أو إنتفاضة أو طابع الخروج عن التقليد والمداهنة والمهادنة، مع الحفاظ على قدر من الواقعية السياسية.

ففي الحرب وُصف بالمتمرد حتى في بيئته أو حزبه أو في القوات قبل تسلّمه القيادة، وكان دائمًا رجل المهمات الصعبة أو المستحيلة التي كانت تلاحقه كالقدر، لكنه كان يتصدى لها ولا يتردد في تنكّب المسؤولية عندما يتعلق الأمر بقضية شعب وأرض وحرية.

واعتقد كثيرون أنه في مرحلة السلم بعد الطائف سيكون مطواعًا أكثر وسيصبح جزءًا من التركيبة السياسية التي تتماهى مع الأمر الواقع، لا سيما بعدما تبيّن أن المسيحيين خسروا الحرب نتيجة الرهانات الخاسرة للعماد ميشال عون آنذاك والتي أسقطت الخطوط الحمر حول ما كان يُعرف بالمناطق الحرة، ما أنتج معادلة جديدة استغلها النظام الأمني اللبناني السوري أسوأ إستغلال.

ولذلك اقتيد سمير جعجع إلى الإعتقال بإرادته لأنه رفض أيضًا الهروب أو التملّص، لكنه استمر من خلف قضبان الزنزانة في معركته القاسية مع قدره ومع سلطة الوصاية، فلم يخضع لتهويل أو لابتزاز أو لإغراء، مدركاً أن الحق لا بد أن ينتصر في الجولة الحاسمة وهكذا كان.

وعلى الرغم من قسوة ظروف الإعتقال وما رافقها من تنكيل وقمع ومنع، أطلّ حرًا بلغة تسامحية من دون أن يتخلى عن المبادئ وقناعاته، وللأسف كانت في انتظاره حلقات دموية أخرى في إطار إستهداف رموز إنتفاضة الإستقلال، حيث تم اغتيال أربعة من بين مستقبليه آنذاك في المطار، جبران التويني الذي قدم له وشاح ثورة الأرز بالأحمر والأبيض وبيار الجميل وأنطوان غانم ووليد عيدو، وكان واضحًا أن عودة سمير جعجع إلى الحرية أربكت فريق 8 آذار وورثة النظام الأمني المشترك فتصاعدت وتيرة الإغتيالات.

الأهم في ذكرى خروج سمير جعجع من المعتقل منذ أحد عشر عامًا، وبعد اعتقاله مدة أحد عشر عامًا، هو أنه أراد منذ لحظة إستعادته الحرية وضع حد لأحقاد الماضي، وفتح صفحة جديدة عنوانها إستعادة الدولة، وكان سعيدًا بالإحاطة التي حظي بها من قوى سياسية من مختلف الأطراف، بين متحمس ومؤيد وموافق من دون ضجة ومن نأى بنفسه من دون أن يعارض، علمًا أن بعض من أيد وساهم في إعداد أكثر من عريضة وفي إعداد قانون العفو، بدا وكأنه يريد التعويض عن تقصير أو عن عجز ما في مواجهة سلطة الوصاية يوم كان شريكاً في الحكومات ولو من باب المعارضة من الداخل.
ولذلك كان العفو عفوًا في القانون والشكل، لكنه كان عمليًا أقرب إلى عودة عن خطأ متمادٍ بحق سمير جعجع والقوات اللبنانية، لأنه تمايز عن سائر السياسيين برفضه الخضوع لقواعد الوصاية. فقد أقر المجلس النيابي العفو بالإجماع بعد شموله عددًا من موقوفي الضنية ومجدل عنجر، في ظل إنسحاب نواب الثنائي الشيعي والقومي والبعث وغياب وليد جنبلاط وميشال عون، علمًا أن من وقّع القانون كان رئيس الجمهورية آنذاك إميل لحود.

أحد عشر عامًا على خروج الحكيم من المعتقل، ومع ذلك «لم يأخذ حقه بعد»، على غرار الكثير من كبار المعتقلين السياسيين المحررين في العالم، لأن وصاية السلاح تتحكم بالكثير من جوانب القرار، على خلفية الحلف بين الدويلة والسلطة الفاسدة، في موازاة تخلي بعض من أبرز أركان 14 آذار عن روح 14 آذار ومبادئها لمصلحة التسويات والصفقات، على الرغم من فوز 14 آذار مرتين بالأكثرية في الانتخابات النيابية في ال2005 وال2009 .

أكثر من يعرف قيمة وجود دولة فعلية سيدة هو من اضطُر لملء فراغ الدولة يوم تخلت عن واجباتها في الحرب، ومن أصرّ على تصحيح مسارها بعد الحرب، فتعرض للإعتقال، وما زال البعض يسعى إلى استهدافه بحجة ولو واهية أو كاذبة أو من دون حجة، لأن مشروعه هو مشروع وطن ودولة، وليس مشروع مزرعة وفدرالية محاصصة ومصالح.

وهذا الواقع يجعل البعض في إرباك حيال كيفية التعاطي مع سمير جعجع والقوات اللبنانية، بدلاً من أن يبحث هذا البعض عن كيفية تغيير مقاربته للقضايا المطروحة. فسمير جعجع لم يسمِّ سعد الحريري مرتين لرئاسة الحكومة بعد الثورة، وسعى مرارًا إلى إقناعه ووليد جنبلاط بالإستقالة من المجلس كي يكون للإستقالة وقع فعلي، وهو نفسه الذي شجع جمهور القوات على رفد الثورة شعبيًا فكان في أساس قوتها وزخمها في المناطق المسيحية من دون أن يطلب شيئا لنفسه أو للقوات، وهو نفسه الذي قال لا للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون. إنه سمير جعجع الذي ما زال يناضل في الموقف والكلمة وعند اللزوم في الميدان لإخراج لبنان من الإعتقال، وهذه المرة بقرار سياسي شعبي وليس من فوق، بخاصة من خلال صناديق الإقتراع.

ذاك الصباح في قاعة المطار، كان الجميع في حالة بين الدهشة والفرح، ولا أنسى «البريزيدان» أنطوان الشويري رحمه الله، وكان المرض قد بدأ ينال منه، كيف جلس على إحدى الكنبات وهو يضرب كفيه على ركبتيه متأثرا ويقول لي: «مين كان بيقول بيطلع من الحبس، شو هالحلم». أنطوان الشويري الذي عرف من خلال كرة السلة كيف يُبقي جذوة الأمل والعنفوان لدى الشباب اللبناني وأن يعوّض جانبًا من تغييب القوات ونبضها عبر مقاومة إيجابية على قاعدة الوفاء المشترك بينه وبين سمير جعجع.

اليوم سمير جعجع حر لكن حرية لبنان لم تكتمل بعد، والمثال الذي يقدمه يسمح بالأمل في خروج لبنان إلى فسحة الخلاص، فالثورة لا تكون في الصراخ والشعارات فحسب، بل في مراكمة الفكر والنضال والتخطيط الواعي للخروج من رحم المعاناة إلى رحاب إنقاذ وطن طال مخاض استقلاله الثالث.

انطوان مراد – مستشار رئيس حزب «القوات اللبنانية» لشؤون الرئاسة

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل