بلد المياه عطشان والطاقة المائية “منشْفِة”

ما كان ينقص لبنان فعلاً، غير التحذير الذي أطلقته منظمة “يونيسيف” منذ أيام قليلة، من انهيار شبكة إمدادات المياه العامة في خلال شهر، جراء الانهيار الاقتصادي المستمر وما يترتب عليه من انقطاع للكهرباء وشحّ في المحروقات.

الانهيار لا يتعلق فقط بمشكلة لبنان المزمنة مع هدر المياه في البحر، وحاجة غالبية اللبنانيين لمضخات كهربائية لإيصال المادة الحيوية إلى منازلهم، ولا بالسدود المثقوبة التي فشلت بمعظمها بتأمين ما هو مطلوب مائياً، إنما باتت مرتبطة بتأمين المازوت والكهرباء و”الفريش دولار” للمواد الكيميائية المُستوردة.

في قراءة سريعة لواقع الأرقام المائية، يهدر لبنان سنوياً نحو 1.2 مليار متر مكعب من مياه الأنهار والسيول الشتوية، كما أن خطة بناء السدود، افتقدت الى الدراسات العلمية، ما أدى الى تسرب المياه من بعضِها، والقضاء على التنوع الايكولوجي في أخرى، كما وبناء سدود على فوالق صخرية تهدد السكان في حال وقوع أي زلزال.

وعلى الرغم من أن موازنة المالية العامة للعام 2020، خصصت مبلغ 60 مليار و800 مليون ليرة لبنانيّة للإنشاءات المائيّة، منها حوالي 38 مليار ليرة لبنانيّة لإنشاءات مياه الشفّة، تبقى التحذيرات الأممية أكثر من جدية في بلد يتميز بفائض مائي، لم تتمكن الحكومات المتعاقبة بعد إقرار الخطة العشرية لإدارة الموارد المائية العام 2020 والتي لحظت مبلغ 1.3 مليار دولار مموّلة من الموازنات العامة ومن القروض المسيّرة، من ابتكار أفكار منتجة تحول دون الشح والأزمة في بلد الذهب المائي.

يؤكد الخبير في الهندسة الجيولوجية والمائية الدكتور جهاد غنّام أن تحذير الـ”يونيسيف” أكثر من جدي وهو نابع من أمرين، الإمدادات والتلوث، لافتاً الى أن معاناة اللبنانيين من شح المياه على الرغم من امتلاكهم كميات كبيرة منها، مردّه أيضاً الى تلويث وإفساد مواردنا المائية التي تتجدد سنوياً، وعدم استغلالها بشكل صحيح.

يشير، في حديث لموقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، إلى أن الخطة الأساسية التي يتم العمل عليها بإنشاء السدود ليست كاملة، ولا تزال الحلول جزئية، إذ من الممكن وجود عناصر إضافية يمكن الاستفادة منها، ولم نفعل أو نبادر حتى الساعة، موضحاً أنه إذا لم تنفذ كل البنى التحتية المتعلقة بالسد، فهذا يعني كأنه لم يُنجز.

يلفت الى أن الفكرة التي تحدثت عنها الـ”يونيسيف” تضمّنت إضافة الى ما سبق وذُكر، وجود عامل إضافي، يتعلق بمحطات ضخ وتكرير المياه على الأراضي اللبنانية التي ستتوقف، لأن لا مازوت لتشغيل الموتورات، ولا صيانة لأن قطع الغيار والمواد الكيميائية مستوردة، ولا متابعة، إذ بتنا نعاني من مشكلة مياه إضافية، تختلف عن تلك المزمنة التي لطالما عانينا منها لجهة الشح، وبات الموضوع مُركباً.

 

يتوقف غنّام عند تلوث الموارد المائية، لافتاً الى ضرورة إخضاع المياه التي توزع على المنازل للمعالجة، مضيفاً، “فلنتخيل توقف محطة ضخ أو معالجة مياه! توقف الضخ بقساطل بحاجة الى صيانة، يعني وجود ضغط سلبي في القساطل، ما يؤدي الى تسرب من المياه الجوفية المحيطة، وهي متسخة بطبيعة الحال”. يطمئن الى أنه تمّ تأهيل البنى التحتية منذ حوالي 25 عاماً، ما يعني أن احتمال وجود بعض التسرب أو الاهتراء في الإمدادات ممكن، ويتابع، “باختصار المشكلة على الشكل الآتي: موارد لا تُستثمر بالشكل المناسب، تلوث بيئي وشعاعي، محطات ضخّ ومعالجة لا تخضع للصيانة، ومحطات تكرير بحاجة لمواد كيميائية مستوردة بـ”الفريش دولار”، ما يعني كارثة صحية وحيوية في القريب العاجل”.

يلفت غنّام الى أن إنشاء السدود كلّف الدولة اللبنانية مبالغ طائلة، ومن الضروري صيانة وإصلاح تلك الموجودة، مع التركيز على الحلول والخطط البديلة الكثيرة، التي تتضمن تجميع المياه في برك حتى تلك السطحية منها، وهذا ما فعله على سبيل المثال المشروع الأخضر الذي أنشأ 5 برك في كل المناطق اللبنانية لتجميع مياه الشتاء، مشدداً على أن الفكرة ليست فقط بتأمين المياه إنما بكيفية استثمارها.

يطرح فكرة استعمال الـvirtual water، أي إدخال المياه في الإنتاج الزراعي والصناعي، عبر دورة اقتصادية محورها المياه، تماما كما تفعل الدول النفطية بإنتاجاتها النفطية التي تصبح محور اقتصادها. يضيف، “الثروة المائية الموزعة على اللبنانيين بالتساوي تقريباً، من شأنها أن تحل أزمة اقتصادية كبيرة، اذ لا يعقل أن يملك لبنان ثروة بهذا الحجم، تفوق حاجته أو الدراسات المعمول عليها، من دون استغلالها. فإسرائيل تستعمل 110 بالمئة من انتاجها المائي، علماً أن معدّل المتساقطات لديها لا يتجاوز الـ300 مليمتر بينما يبلغ معدل متساقطات لبنان 1500 مليمتر، أي أكثر بـ7 مرات، من دون ان نستغل هذه الثروة او إدخالها في جزء من اقتصادنا”.

أي عملية نسخ من دون ذكر المصدر تعرض صاحبها للملاحقة القانونية.​

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل