عوني الدونكيشوتي

كلما قرأنا مقالاً للسيد عوني الكعكي يحاول بين ثنايا سطوره حشر اسم الدكتور جعجع فيه من خارج زمان الانهيار ومكان التعطيل، حتى تتبادر الى ذهننا فوراً قصة دون كيشوت مع طواحين الهواء. فهذا الرجل الذي بدأ حياته كجنتلمان مثّقف عاد وانهاها كمختّلٍ غير سوي، وذلك بعدما قادته قراءاته وتحليلاته الى الهذيان والخيال والتهيؤات واوهام العظمة. لذلك وحتى يبقى السيد عوني بنظرنا وبنظر قُراءّه الدون كيشوت الجنتلمان في بداياته، لا بُد من تصويب البوصلة له مرة تلو مرة، بعدما زاد من شطحاته اخيراً، فأثار قلقنا عليه جدياً.

اولاً) من اختلف مع من في 7 ايار 2008 حتى دُمرّت جريدة المستقبل واحرقت، وحتى قُصفت بيروت وقُتل العشرات من ابنائها وابناء الجبل؟ ومن اختلف مع من في 14 شباط 2005 حتى اغتيل رفيق الحريري وتم تدفيع البلد تداعيات هذه الجريمة النكراء حتى هذه اللحظة؟ ومن اختلف مع من حتى اغتيل وليد عيدو ومحمد شطح وووسام عيد ووسام الحسن؟ ومن اختلف مع من حتى انتشرت القمصان السود في بيروت عام 2011 ؟ ومن اختلف مع من حتى جرى استقدام الامونياك وتخزينه ومن ثم انفجاره بسكان بيروت وتدميرها في 4 آب ويُصار رغم ذلك الى محاولة اعاقة التحقيقات وكشف الملابسات؟ ومن اختلف مع من حتى اُرهقت خزينة الدولة واسُتنزفت مقدرات اللبنانيين وسُرقت ودائعهم تباعاً اعتباراً من العام 1990 وحتى اليوم؟ لا نحسب يا استاذ عوني، ان الدكتور جعجع كان احد اطراف هذه “الاختلافات”، اللهم الا اذا كنت ترى فيه طاحونة هواء اسوة بالدون العظيم ولكن في نهاياته. عد الى توازنك سريعاً رأفةً بحالك!

ثانياً) ثم من تفاهم مع من في التحالف الرباعي- ربيع 2005 حتى جرى تفريغ التحقيق الدولي في جريمة اغتيال رفيق الحريري ورفاقه من محتواه، واستطراداً تقزيم احكام المحكمة الخاصة بلبنان، بحيث جرى بالتوازي تعويم الظاهرة العونية في المناطق المسيحية ضمن لعبة بينغ بونغ ثنائية الأطراف باتت مكشوفة مع مرور الأيام والسنين والاستحقاقات، فساهم الواحد من هذا الثنائي المُستتر في تقوية وتعويم وضعية الثاني، حتى يستفيد هو من هذا الواقع لاحقاً في شد عصب وضعيته المهترئة بفعل بهلونياته المتتالية؟!

ثم من تفاهم مع من اعتباراً من 20 تشرين الأول 2016 في ما عُرف بالتسوية الرئاسية، حتى جرت انهر الفساد والسمسرات والسرقات والصفقات في الكهرباء والسدود والاتصالات وغيرها، تحت ارجل الحكومة وامام اعين الوزراء، موقعة لبنان واللبنانيين في العتمة والفقر والجوع والعوز والذّل، قبل ان يندم احد النادمين بالأمس… ولا ينفع الندم.

إن ارادة المسيحيين في تفاهم معراب كانت بانتخاب المرشح الأكثر تمثيلاً من بينهم حينها، تحقيقاً للشراكة والتوازن في السلطة، ولم تكن ابداً في عقد صفقات الكهرباء والسدود والمحاصصة بمعناها الفاسد والضيّق. تفاهم معراب كان في السياسة والميثاق والتوازن والشراكة، اما التسوية الرئاسية فكانت في الصفقات والسمسرات ومرقّلي تا مرقلّك…وشتّان ما بين التوجهين. فتوقف اذاً عن اتخاذ اتفاق معراب ساتراً ومطيةً وحجّة لما جرى لاحقاً في التسوية الرئاسية من فسادٍ وهدر وصفقات.

ايضاً وايضاً، من تفاهم مع من في باريس عام 2013 لتقديم رئاسة الجمهورية الى 8 آذار على طبق من فضّة، ثم انتقل بعدما باءت محاولته بالفشل الى خيارٍ رئاسي رديف ادى الى شرذمة قوى 14 آذار بما تمثلّه من حصن أخير للسيادة اللبنانية؟

من ساوم على دم رفيق الحريري، ومن فرّط بصلاحيات الطائفة السنّية وقوتها، من ساوم وتنازل وتنازل يميناً ويساراً حتى ملّت المساومات من مساوماته؟ من تشدد الى اقصى الدرجات مع حلفائه الطبيعيين في 14 آذار، واولهم القوات اللبنانية، ولكنه تراخى وتراخى الى ابعد حدود مع اخصامه الستراتيجيين حتى اوصل اللبنانيين واوصل نفسه الى هذا القعر؟ من انتقل من الحضن السعودي الى الحضن العوني كمثل قصة القفص الذهبي الشهيرة، ثم الى احضان حزب الله، وما زال بحثه المضني متواصلاً للارتماء في اي حضنٍ يؤمن له منصباً متقدماً خصوصاً الحضن الأعجمي؟ من ضيّع في تنقلاته ارث الطائفة السنية الكريمة وابعدها عن عمقها العربي فأضعفها واضعف كل الوضعية السيادية والاقتصادية والمعيشية اللبنانية؟ من جعل اللبنانيين، وابناء الطائفة السنية خصوصاً يترحمون اكثر فأكثر على الرئيس رفيق الحريري الذي تعامل مع الملوك ورؤساء الدول بنديّة تامة، فيما هو لم يستطع التعامل مع اصغر مستشار في القصر على هذا النحو؟ هل سمير جعجع الذي قدّم كل التسهيلات الوطنية طيلة سنوات وسنوات هو من منعه ان يكون بحجم والده؟ تذكر يا استاذ عوني ان عدّو الإنسان الأول هو نفسه، وليس سمير جعجع ولا هي طاحونة الهواء، ولا تنسى ابداً ان من يجلس في احضان المتهمين باغتيال رفيق الحريري ويسعى لفرض نفسه في توازن القوى اللبناني بعضلات هؤلاء، هو آخر من يحق له اسداء النصائح وتوجيه الانتقادات واعطاء المواعظ لا لسمير جعجع، ولا لأصغر مواطن في الجمهورية اللبنانية.

ثالثاً) تقول يا استاذ عوني بأن العائق الأول لتعطيل الحكومة وتوقيف الانتاج كان الخلاف بداخلها بين عون وجعجع، والحقيقة يا سيد عوني ان هذا الخلاف كان ينطلق من مقاربتين مختلفتين: الأولى تقوم على ما يُسمى “التسوية الرئاسية” وتعتمد على مبدأ مرقلي تا مرقلك وحارة كل مين ايدو الو، والثانية تقوم على القواعد الاصلاحية السليمة المنصوص عنها لاحقاً في شروط صندوق النقد الدولي، وتسعى لتسيير عجلة الحكومة ومضاعفة انتاجيتها، لكن بعيداً عن كل سلوكيات “التسوية الرئاسية” المشبوهة وغير الشفافة والمريبة، والتي عادت وادّت الى تعطيل الحكومة وتعطيل التأليف بالمرّة. وحبذّا لو ان القوات تمكنّت بتعطيل كل تلك السلوكيات الحكومية المشبوهة لوفرّت على اللبنانيين هذا الانهيار الكبير، ولكن حجمها الوزاري الصغير نسبةً لحجم ركني التسوية الرئاسية مع حلفائهم الوزاريين حال دون ذلك.

رابعاً) بعد كل ما تقدّم، حري بعنوان مقالتك يا استاذ عوني ان يكون “اذا اتفقا سرقا البلد، واذا اختلفا عطّلا الحكومة واوصلا الوطن الى الخراب”.

خامساً) اما بالنسبة “للانجازات” التي تنسبها للرئيس الياس الهراوي ابّان حقبة الاحتلال السوري للإيحاء بأنه النموذج المثالي لما يجب ان تكون عليه الزعامة المسيحية في كل حين، فلا بد من تذكيرك يا استاذ عوني بأنه لولا انخراط القوات اللبنانية في تسوية الطائف وتأمينها مع البطريركية المارونية الغطاء المسيحي للاتفاق، لما اُتيح لا للهراوي ولا لغيره “الإعمار والبناء”. ولو كان زرع ذلك الزمن حقيقياً ومباركاً لما حصد اللبنانيون الشوك والعوسج تباعاً من ذلك الحين. فكفاك بكاءً على اطلال زعاماتٍ مسيحية بائدة، لا لشيء إلاّ لأن زعيمك لم يعرف المحافظة على زعامته، وكفاكً تشدقاً بزمن الاحتلال و”رجالاته”، لا لشيء الا لأنك لم تعرف انت واصدقائك المحافظة على زمن الحرية والسيادة والاستقلال ولا على رجالاته الأوفياء الكبار.

خامساً) اذا كان مقالك يا سيد عوني يُعبّر عن موقفك الشخصي فحسب، فردّنا عليه يُعبّر عن موقفٍ شخصي ايضاً، اما اذا كان يُعبّر عن رأي تيار المستقبل فرّدنا عندها يُعبّر عن موقف القوات اللبنانية… والشيء بالشيء يُذكر…والبادي اظلم.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل