
قبل شهرين ونيّف، وتحديداً في 22 أيار 2021، نشر موقع القوات اللبنانية الإلكتروني مقالاً بعنوان “منصة الأحلام… حدِّثني عن الدولار في تموز”، تضمَّن رؤية سلبية، لمصادر مصرفية ومالية لموقعنا، عن سعر الدولار المتوقع في المستقبل بظل الأوضاع والمعطيات حينها. يومها كان الدولار بحدود 13.000 ليرة لبنانية في سوق الصرف، وعملية ضخ الأجواء الإيجابية والتفاؤلية بخفضه جارية على قدم وساق، على خلفية إطلاق منصة صيرفة، ليتبيَّن بالفعل بعدما شارف تموز على نهايته عدم صدقية ما كان يتم تشييعه.
اليوم، نشهد عمليات تسريب وضخ أجواء إيجابية وتفاؤلية مشابهة، على وقع تكليف الرئيس نجيب ميقاتي بتشكيل الحكومة، بعد اعتذار الرئيس المكلف السابق سعد الحريري. غير أن هناك علامات استفهام كثيرة وشكوكاً منطقية تثار حول ما شهده سوق الصرف من ارتفاع جنوني لسعر الدولار عند اعتذار الحريري، إذ بلغ أكثر من 23.000 ل.ل، ومن ثم هبط بشكل دراماتيكي خلال 3 أو 4 أيام إلى 16.000 ل.ل بعد تكليف ميقاتي، فيما يراوح منذ يومين عند حدود الـ18.000 ل.ل.
بالتالي، هل نحن بصدد اللعبة القديمة إياها أم أننا إزاء أجواء إيجابية فعلية؟ وهل يقع المواطنون ضحية التلاعب بأعصابهم، ودولاراتهم، مرة من جديد، لناحية تلاعب المضاربين بسوق الصرف، أم أن “المؤمن لا يُلدغ من جحر مرتين”؟ وهل هبوط سعر الدولار فعلي مستند إلى معطيات اقتصادية ومالية، أم أننا إزاء هبوط وهمي سندفع ثمنه في وقت قد لا يكون بعيداً في حال تبيَّن عدم صحة ما يسرَّب عن أجواء سياسية إيجابية؟
الخبير الاقتصادي والمالي وليد أبو سليمان، يقدِّم مقاربة مبسَّطة لحركة الدولار في سوق الصرف، صعوداً وهبوطاً. ويقول، في حديث إلى موقع القوات اللبنانية الإلكتروني، “إذا أردنا تشبيه حركة الدولار بعدّاء رياضي، فالعدّاء يتعب، لذلك هناك محطات يستريح عندها لبعض الوقت في فترات متقطعة، لكنه يبقى على المسار ذاته”.
ويلفت، إلى أنه “منذ نشوء الأزمة في تشرين 2019 إلى اليوم حافظ الدولار على مساره التصاعدي، وكانت هناك محطات جمود أو استقرار نسبي عند سعر الـ6.000 والـ12.000 والـ15.000 ليرة لبنانية”، مشيراً إلى أن “هذه ظاهرة معروفة كما في كل الأسواق المالية، إذ ليس هناك عملة يرتفع سعرها كالسهم من دون نوع من Consolidation أو تهدئة واستقرار ما في محطات معينة”.
ويشير أبو سليمان، إلى “عوامل تتحكم بسعر الصرف وهي من الأسس الـfundamental، أولاً قضية العرض والطلب. وبالطبع نحن اليوم في ظل الخلل البنيوي في وضعنا الاقتصادي والمالي والنقدي، الطلب مستمر على الدولار، إن كان للمحروقات أو الدواء أو المواد الغذائية وغيرها.
وبالدرجة الثانية، هناك مسألة المضاربات والتلاعب التي تأخذ حيّزاً كبيراً، أكان في هبوط سعر الدولار أو ارتفاعه. لأن لا عملة في العالم ترتفع وتهبط بهذه النسب المئوية المرتفعة خلال أيام، إلا إذا كنا بصدد أزمة على غرار 11 أيلول 2001 أو الأزمة المالية العالمية في العام 2008، وما عدا ذلك يكون التأرجح بنسبة 1 أو 2%، لا كما حصل في الأيام الماضية، إذ بلغت نسبة التفاوت بين ارتفاع وهبوط سعر الدولار منذ اعتذار الحريري إلى تكليف ميقاتي، نحو 30%”.
ويحذّر أبو سليمان المواطنين، “من الوقوع ضحية هذا التلاعب”، وينصحهم بـ”عدم الدخول في هذه العملية لأنها ستكبّدهم خسائر. بمعنى الطمع ببيع دولاراتهم على سعر معين ومن ثم العودة لشراء الدولار على سعر آخر، أو العكس، والانخراط في هذه المعمعة”.
ويرى، أن “على المواطن أن يسأل نفسه، هل يمكنه، في ظل هذا الهبوط الوهمي للدولار في سوق الصرف، والذي يُسعَّر نظرياً على سعر وسطي بـ18.000 ل.ل، حتى أمس الأربعاء، شراء الدولار من الصرافين أو السوق على هذا السعر؟ الجواب لا. وكثيرون حاولوا شراء 5.000 أو 10.000 دولار من الصرافين عندما وصل إلى 16.000 ل.ل، ولم يجدوا من يبيعهم”.
ويعتبر، أن “هناك أيضاً مسألة أخرى مهمة يجب على المواطنين الانتباه لها. هل الصراف الذي اشترى الدولار على سعر 23.000 ل.ل حين قام عدد كبير من المواطنين بصرف دولاراتهم على هذا السعر، مستعد لبيع دولاراته بخسارة على سعر 16 أو 17 ألف ل.ل؟ بالتالي سيبقى الطلب أكبر من العرض”.
ويضيف، “بالإضافة إلى ذلك، هل حصلت صدمة إيجابية فعلية وتشكَّلت حكومة وأنجزت إصلاحات بنيوية، وما شابه؟ لم يحصل شيء من هذا عملياً، إذ تم تكليف رئيس جديد بتشكيل الحكومة كما كُلِّف قبله شخص آخر، بمعنى أنه لم تطرأ عوامل وتغييرات جذرية إصلاحية وغيرها ليحصل هذا الهبوط بسعر الدولار”.
بالتالي، برأي أبو سليمان، “في حال لم تدخل دولارات بكميات كبيرة إلى البلد عبر صندوق النقد الدولي أو غيره، ولم تُشكَّل حكومة تكون محط ثقة من وزراء يمتلكون سمعة لامعة ومن أصحاب الخبرة والتجربة الناجحة، فمن الصعب عكس المسار التصاعدي الذي يسلكه سعر الدولار”.
ويعرب، عن أسفه “لأن المواطن هو الضحية في الحالتين: بداية عند ارتفاع سعر الدولار، إذ ترتفع معه أسعار السلع والمواد الغذائية الأساسية وغيرها ولا تنخفض عند هبوطه. ومن جهة ثانية، ضحية المضاربات والتلاعب بالدولار واللعب على العامل النفسي، فيخسر دولاراته إذ يهرع لبيعها خوفاً من هبوط السعر أكثر ولا يعود بإمكانه شراء غيرها بسهولة”.
ويخشى أبو سليمان، من أنه “في حال لم تتشكل حكومة من الآن إلى منتصف آب المقبل، وبدأ المغتربون الذين يمضون إجازاتهم في لبنان بالمغادرة، عندها سنكون بصدد انتكاسة خطيرة، وسنشهد أرقاماً يسجّلها الدولار صعوداً، لم يسجّلها سابقاً”، معتبراً أن “الواقع السياسي لا يزال على حاله وتغيير الأسماء لا يعني تغيير الوقائع، وما يتم ضخُّه من أجواء إيجابية لا يستند إلى عناصر اقتصادية واقعية وفعلية”، ولافتاً إلى أننا “شاهدنا هذا السيناريو خلال الأشهر الماضية وتبيَّن أن كل الحديث عن إيجابيات لم يكن صحيحاً”.
أي عملية نسخ من دون ذكر المصدر تعرض صاحبها للملاحقة القانونية
