
كتب أمجد اسكندر في “المسيرة” – 1719
البُعد الداخلي لجريمة المرفأ، هو رأس جبل الجليد، والتركيز على البُعد الداخلي، ومحاصرة التحقيق بالتحقيق المحلي، يقدمان خدمة كبيرة لـ»حزب الله» كيفما انتهت إليه أحكام القضاء اللبناني. الجريمة جريمة سياسية بامتياز، وهناك من يريد في أقصى حد، توجيه الأحكام نحو جناية الإهمال، أو الجريمة العادية. وحده التحقيق الدولي يُنجّي لبنان من جريمة تضييع أدلة هذه الجريمة السياسية بامتياز. إنها «جريمة العصر» في انفجار العصر، وقصاصها السياسي أهم لذوي الضحايا وللبنانيين وللبنان الدولة، من قصاص قضائي محلي. ورغم الضجيج المحلي تبدو هذه الجريمة كما في جريمة إغتيال رفيق الحريري، ذاهبة إلى إفلات «حزب الله» وبشار الأسد من عقابها المادي والمعنوي والأهم السياسي.
حسناً كان ميشال عون ومجموعة سياسيين وأمنيين يعلمون بقصة الباخرة، وإدانتهم الشعبية قد حصلت، وهي أهم من إدانة قضائية ستكون ملتبسة. ولكن إدانة عون وجبران باسيل، وغيرهما يجب أن تتخذ بُعداً آخر. إنه بُعد الخيانة العظمى، بالتكافل مع «حزب الله» وبالتضامن مع بشار الأسد.
على فداحة قتلى وجرحى ودمار أحياء بيروتية وجوارها، هذه الجريمة السياسية ليست بمعزل عن جريمة قتل الدولة اللبنانية وتدمير الاقتصاد وتشريد اللبنانيين وإسقاط لبنان الى حفرة «الدولة الفاشلة» المنبوذة عربياً وعالمياً. هذا البُعد السياسي يمكن ويجب إعادة تصويبه، وفي ما يأتي تذكير علّ التذكير ينفع.
«سفينة الغموض» روسوس عرّجت على مرفأ بيروت لتشحن معدات مسح ثنائي الأبعاد، كانت تنقّب عن النفط في بر البترون، لصالح وزير الطاقة آنذاك، جبران باسيل. ويُقال إن سبب بقاء «روسوس» في المرفأ، وتفريغ حمولتها لاحقاً، الأعطال والأضرار التي سببتها تلك المعدات، أثناء نقلها. ثمة أسئلة:
ألم ينوجد أي خبير يقارن بين وزن المعدات، ووضع الباخرة، قبل أن «ينبعج» أقسام من هيكل السفينة نتيجة ثقل بعض المعدات؟ وهل التحقق من الوزن ووضع السفينة، يحتاج الى عمليات معقدة، لا تفكها إلا «الناسا» مثلًا؟
في شباط العام 2013 دخلت المعدات الى لبنان أربعة أيام ثم خرجت! ثم عادت في أيلول 2013، وكانت على المرفأ في تشرين الثاني لتصعد على «روسوس». لماذا دخلت معدات ضخمة وخرجت، في المرة الأولى، بعد أربعة أيام؟ طبعاً هناك ذريعة، ولكن هل هذا أمر اعتيادي؟
يقول جبران باسيل بلسان وكيله، أن مهمته انحصرت في «تسهيل» دخول المعدات! وهو غير معني بخروجها! كما لو قال حبيب الشرتوني إن مهمته انحصرت في وضع المتفجرات فوق رأس بشير الجميل ورفاقه، ولم يكن معنياً بمن يضغط على «زر التفجير»!
لكن باسيل لا ينفي أنه طلب «أرخص باخرة» لنقل المعدات. ولماذا أرخص باخرة؟ عندما تُعرض عليك سلعة أرخص، ألا تتساءل عن سبب هذا الرخص؟ باسيل الذي يُدخل أنفه في أمور تافهة، ألم تتفتق عبقريته ليعرف أصل وفصل الباخرة التي تستجيب لشرطه بالرخص؟ مراجع عدة أفتت بعدم صلاحية هذه الباخرة للإبحار، من بينهم جهات إسبانية، ولكن من أعطاها شهادات تقول إنها صالحة؟ أعطتها الشهادات شركة تابعة لمالكها القبرصي!
هذه الباخرة الرخيصة من مميّزاتها أنها ترفع علم دولة تؤجر علمها بالرخص، فمولدوفيا، دولة غير بحرية! وهي رخيصة لأن مالكها القبرصي عنده شركة تؤجر الأعلام المولدوفية للسفن! أي أن مالك السفينة منح نفسه علماً، ثم منح السفينة المعطوبة شهادة صلاحية إبحار، ثم أجَّر السفينة لروسي، لحساب تاجر سلاح برتغالي، ووجهتها موزنبيق، فما قصة هذا المالك القبرصي؟
هذا القبرصي اعتاد الإستدانة من مصرف تنزاني لشراء سفنه. هذا البنك مشبوه جداً، وتتهمه واشنطن بأنه واجهة لغسل الأموال لصالح «حزب الله»، ومن بين عملائه أيضًا شركة سورية تابعة لنظام بشار الأسد، تُسهم في تصنيع الأسلحة الكيميائية السورية! وبسبب روائح تمويل «حزب الله» وغسل أموال المتفجرات وُضِع هذا البنك على اللائحة السوداء. البنك تنزاني، وموزنبيق أخت تنزانيا في الفساد المنظم، فما قصة موزنبيق؟
المالك القبرصي وتاجر السلاح البرتغالي شريكان في شركة موزنبيقية مشبوهة أيضاً ببيع المتفجرات، وهي واجهة لرجال السلطة الفاسدين والمخابرات الموزنبيقية التي تجمعها مع «حزب الله» علاقة تعاون وثيق. وهذه الشركة الموزنبيقية والتاجر البرتغالي إتُهما بأنهما وراء المتفجرات التي انفجرت في محطة قطار في مدريد وأوقعت حوالى 200 قتيل!
والأدهى أن سلطات مرفأ موزنبيق نفت علمها بأن «روسوس» كانت متجهة إليها، وجزمت أن من شروط المرفأ إعلامه بمدة تتراوح بين أسبوع وأسبوعين قبل وصول أي باخرة إليه، و «روسوس» لم ترسل خبراً لأحد. ونقلت مصادر إستقصائية أن وجهة الباخرة قد تكون كانت تنزانيا أو ناميبيا!
يا لها من مصادفات تجمّعت قبل أن يحيل مساعد عون العسكري قصة الباخرة الى المجلس الأعلى الذي رئيسه عون ذاته! باخرة غامضة الملكية بشحنة غامضة الوجهة لشركة غامضة الهوية، تنطلق من جورجيا بقبطان وتتابع من تركيا بقبطان آخر، وهي لا تملك رسوم عبور قناة السويس، وبسبب الرخص يرسل إليها باسيل معدات تكسر ظهرها، وبعدما نقصت الحمولة أكثر من 2000 طن، تنفجر في عنبر مقفل ومهجور!
هنا الجريمة الأساس، أمونيوم لمخلّص جمركي إسمه «حزب الله»، وهو شريك مع بشار الأسد بقَتل الآلاف في سوريا والمئات في لبنان. هذا المخلّص الجمركي قد يكون «خلَّص» على لقمان سليم، الذي أعطى هذا البُعد حقه، حتى لا تُقَيَّد «جريمة العصر» على إسم «الإهمال».
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]