استراتيجية قَتلِ الوطن

إنّ كَشفَ الحساب الذي ينبغي، على الحكمِ ومَن وراءَه، تَقديمُهُ الى الشّعب، بعدَ الأهازيجِ البهلوانيّةِ التي أدّت الى السّقوطِ في جهنّم، سيُظهرُ خيبةً عارمةً لدى الذين استفاقوا على وعودٍ عرقوبيّةٍ تُرجِمَت نَهباً، وفساداً، وقَهراً، وتهجيراً، وإفلاساً… ليَعمَّ الظُّلم. فممارسةُ الاستبداد والاستئثار حملَت صورةً لواقعٍ أشدَّ قُبحاً، ووسَّعَت مساحةَ المنافعِ والمصالحِ التي سعى إليها مَنْ صانوا انحطاطَهم، وأرهقوا البلادَ تَخَلُّفاً، وانهياراً، وربطوا الدولةَ، من يَدَيها، ورِجلَيها، وعُنُقِها، الى سلاسلِ التبعيّةِ، والتّهميشِ، وباعوها في سوقِ النّخاسةِ المَنكودة، حيثُ لا يُتاجَرُ بالرَّقيق، بل بكرامةِ وطن.

والحقُّ يُقال، إنّ ردَّ البلدِ الى عصورِ الظّلام، بإِعدادِه الى حالةِ الزَّحفِ، والعجزِ، ليتعَفَّنَ في أقبيةِ الحزنِ، هو تَجَلِّياتُ مَنْ حفروا الذلَّ في قلبِ الوطنِ الذي جعلوه، بِعارِهم الأرعن، رصيفاً يَغمسُ وجهَهُ في كَومةِ الأَرجُل. ولمّا كان من المُفتَرَضِ، في حيثيّاتِ الحكمِ والإدارة، ألّا تُرتَكَبَ الممارساتُ الشَّنيعةُ بحقِّ آمالِ النّاسِ بالعيشِ الرّاغد، جاءَتِ الأَضرارُ، بعكسِ المُرتَجى، تَطوفُ فوقَ سطحِ إدمانِ الحاكمينَ على تُرَّهاتِهم الممقوتةِ، والذي لا يُشبِهُ سوى إِقطاعِ البرابرةِ المُتَلَذِّذينَ بالنّارِ، والدّم، والهَدمِ، وتَشويهِ صفحاتِ التاريخ.

إنّ تراكماتِ تَجاوُزِ القوانين، والقِيَم، وانتهاكَ حقوقِ الناس، والتَوَغُّلَ في التَعَسُّفِ، واستباحةَ الأُصول، والشَّحنَ بالعَزفِ على الوَتَرِ المَذهبيِّ، من جانبِ صُنّاعِ السياسةِ، والمُستَرخينَ فوقَ سُدّاتِ السّلطة، هي، كلُّها، إِطباقٌ على شُعورِ الشَّعبِ بالحريّةِ، والتمَتُّعِ بمواطنيّتِه، وممارسةِ حقوقِهِ التي، على الطَّبقةِ الحاكمةِ المُشَوَّهَةِ والمُستَبِدَّة، أن تُدركَ بأنّ حقوقَ النّاسِ هي قضيّةُ التِزامٍ لا قضيّةُ هِبَة. فالشَّعبُ ليس عِبئاً على الدولة، أو طارِئاً مُستَجدِياً، أو لاجِئاً من غيرِ سُلالةِ لبنان، بل هو عِرقٌ من عروقِ الوطن، من حقِّهِ أن ينعمَ بالعَدلِ، والحريّةِ، والحياةِ الكريمة، إِنفاذاً لمنطوقِ المواثيقِ الدوليّةِ المتعلِّقةِ بحقوقِ الإنسان.

يمارسُ مَنْ في السّلطةِ، وبسلوكٍ سْتالينيّ، استعماراً للوطنِ، بنَهبِ ثرواتِه، وبرَميِهِ في نَفَقِ الفقرِ، والتخلُّفِ، والانحطاط، والجوع، ما يُسهِّلُ لهم هيمنةً نيو ـ إِمبرياليّةً ترمي الى هدمِ مكتسباتِ الانفتاح على الحضارةِ، والرُقِيّ، ما يُعيدُ البلدَ الى نظامِ الخلافةِ والمماليك. إنّ الظّلمَ هو أفضلُ أَوجهِ الشرّ، لكنّ الخَوفَ ليس سوى مُرَبَّعٍ واحدٍ في رُقعةِ شَطَرَنجِ الأوطان، من هنا، يجبُ على الحُكّامِ أن يعلموا بأنّ الكرامةَ تتناسَخُ، وبأنّ الحياةَ تُختَصَرُ بِوِقفةِ عِزّ، وبأنّ الشَّعبَ الذي حَذَفوه الى الهوامش، لن يُجبَرَ، بعدُ، على أن يَقتاتَ من فُتاتِ موائدِهم المَسمومة.

إذا كان الحاكِمُ، بِحَسبِ “ميكيافيللي”، هو الذي يُكسِبُ لَقَبَهُ مجداً، وليس العكس، فحُكّامُنا يسيرون الى الخَلفِ، دائماً، لأنّهم لا يعرفون الحقّ، والجرأةَ، والثَّباتَ في الموقف، والمسؤوليّةَ في الأداء، وينتهكون حدودَ السّلطةِ، ويخونون وفاءَهم بالقَسَم، ويُسَيِّبون الأرضَ لمُغتَصِبيها، ويُبايِعون المتآمِرينَ على السّيادةِ والكيان… وهذا تخطيطٌ مشبوهٌ لتمريرِ خطّةِ تدميرِ الوطن. إنّنا نرفضُ إِحالةَ كلِّ ذلك، الى حالةِ النّوباتِ الهَذَيانيّةِ الصّادرةِ عن إِصاباتٍ في بُنيةِ النفسيّةِ، وعن خَلَلٍ في حسِّ العقل، ما يَقودُ الى أسبابٍ تبريريّةٍ، في مشهدٍ يُشبِهُ دِفاعَ مُحامٍ عن مُوَكِّلِه الذي ارتكبَ جريمةً مُوَثَّقَةً، بالادعاء بأنّه مجنونٌ. كلا، فالذين يتعاطَونَ السلطةَ، عندَنا، عَصَبُهم واعٍ، تماماً، لِما يقترفون، وبنجاحٍ مُنقَطِعِ النَّظير، لذلك، فخطيئتُهم عظيمة، وآفتُهم كبيرة. أمّا المُنقَرِضُ، في ذواتِهم، فهو المَؤونةُ الوطنيّة، ورابطُهم الحَيَويُّ بالأرض، وتَمَرُّسُهم في الدّفاعِ عن حقِّ البلادِ وأَهلِها، ما يستدعي، حُكماً، رَشقَهم بالحَرَمِ الوطنيّ، وخَتمَهم بِلَقَبِ ” مجرمين “.

هذه العصابةُ المُسَمّاةُ سلطة، المُتَلَطِّيَةُ خلفَ ظِلالِ الحُكمِ الباهتة، والمُختَرِقَةُ جدرانَ الدّولةِ بأسلوبٍ مافياويٍّ فاحِش، قد أَتلَفَت، بمخالفاتِها الجُرميّةِ الموصوفة، مبدأ النّزاهة، وشوّهَت، بارتكاباتِها الفاضِحَةِ، مؤشّرَ الشَفافيّة، وأجهضَت، بمراوغاتِها المُفلِسَةِ، صِيَغَ الإصلاح. إنّ ما تأتيهِ المنظومةُ الرَّعناءُ، من اقتصاص مُهينٍ من الوطنِ، مُتَشَعِّبِ التَوَجُّه، ومُنَزَّلٍ في زمنٍ فائقِ الخطورة، يندرجُ تحتَ ماهيّةٍ مؤامراتيّةٍ سافرةٍ هي إستراتيجيّةُ قتلِ الوطن، في وجودِه، وكيانِهِ، وهويّتِه، ونهائيّتِهِ، ووحدتِهِ، وثقافتِهِ، وتاريخِه… ويزجُّ به في حفريّاتِ الأَعراقِ القَرَوَسطيّةِ البائدة، لإِعلانِهِ وطناً منتَهيَةً صلاحيّتُهُ.

أيّها الحكمُ الكافرُ، لن نتقَبَّلَكَ، حتى لَوِ ارتَدَّيت، فالموبوءُ في وجدانِهِ الوطنيِّ لن يَشفى أبداً.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل