Site icon Lebanese Forces Official Website

الهروب إلى الزواج في الأزمات… الورطة أكبر

في شباط الماضي، أعدت “الدولية للمعلومات”، دراسة حول انعكاس الأزمة الاقتصادية وتفشي كورونا على الأوضاع في لبنان، فخلصت الى تراجع نسبة الزواج على التوالي، الى 13,5 في المئة و17,9%.  لكن ما نراه في الفترة الأخيرة، يدحض هذه الأرقام، إذ نلاحظ طفرة غير مسبوقة على الارتباط، من شبان وشابات لم يتجاوزوا أوائل العشرينات، في ظاهرة تعيدنا فعلاً الى ماضي خلا، يوم كان معدل أعمار الزواج يتراوح بين 18 و25 عاماً.

قد يكون للأزمة الاقتصادية التي ضربت بنا بعض المنافع، إذ تخلى معظم العرسان الجدد عن حفلات البذخ والترف والأعراس الكبيرة، وارتضوا بزواج صغير “ع قد الإمكانيات”، بوجود أعداد محددة من المدعوين تقتصر على الأهل والأصدقاء المقربين. لكن اللافت، الاستعجال في إتمام الزفاف والدخول الى القفص الذهبي، الذي يصبح الخروج منه معقداً وصعباً، “طالما ان تأخير المراسم عاماً أو أكثر، لن يحل المشكلة، إذ ربما تزداد حدة الأزمة الاقتصادية ولن يكون في التأجيل ما يفيد”.

يضاف إلى الأزمة الاقتصادية عوامل نفسية تتعلق بالاستقرار وتجاوز الصعاب كثنائي، بدل الوحدة. يقول جو، ابن الـ21 عاماً، الذي حدد موعد زواجه الأسبوع المقبل، إنه سيقدم على هذه الخطوة على الرغم من المسؤوليات المحيطة بها، لأنه يفضل أن يتشارك الهموم والمسؤوليات مع زوجته المستقبلية، إذ يكون التعاون الحياتي والانسجام العاطفي عنوان حياته الزوجية. يعترف أنه يتزوج باكراً وكان بإمكانه الانتظار وقتاً إضافياً، ويخشى ألا تدوم حياته في مؤسسة الزواج طويلاً، لكنه يؤكد أنه سيبذل كل الجهود لإنجاح زواجه.

“لن يكلفني العرس كثيراً، سأسكن مع أهلي في بيتنا المفروش الذي تربيت فيه، وسيقتصر زفافي على الـ40 شخصاً”، يقول جو، الذي يعتبر أن الحياة الزوجية ليست بهذه الصعوبة طالما “كاس وبدنا نشربو”. وعن عروسه ومتطلباتها، يلفت الى الا متطلبات لديها، وهي من عمره وتعرف جيداً أن ظروف الحياة تغيرت وهي مقتنعة تماماً بحياتنا التي سنبدأها بتواضع”.

تتفق ريتا التي تبلغ 28 عاماً كثيراً مع جو، تؤكد أن ما كانت تطلبه الفتيات سابقاً في الزواج تغيّر اليوم. “لا يمكن في هذه المرحلة التركيز على الماديات، المهم، الاحترام والقناعة”. لا تريد ذهباً وفخفخة وعرساً مترفاً، “سنكتفي بحفلة صغيرة لا يتجاوز المدعوون اليها الـ50 شخصاً، وسنكمل سوياً منزلنا الذي اقتصر فرشه على الضروريات، وبدل أن يعيش كل واحد في منزل أهله، يجمعنا زواجنا تحت سقف واحد في رحلة العمر”.

فكيف يقرأ علم النفس هذه التعليقات، وهل من خطر في الانفصال بعد زوال الازمة ومرحلة النضوج؟

تؤكد الأخصائية في علم النفس العيادي السريري ريتا حسون عطاالله، أن اللبناني غير مستعد لكل الخضات والأزمات التي عاشها، من الأزمة الاقتصادية الى فيروس كورونا فانفجار مرفأ بيروت، ما جعل العائلة اللبنانية تعاني على الأصعدة كافة، بدءًا من الفرد الى التواصل العائلي، لافتة الى أن الحجر المنزلي زاد الاضطرابات والمشاكل العائلية، وخير دليل على ذلك، تفاقم العنف الأسري ودعاوى الطلاق التي تزايدت سنوياً في السنوات الأخيرة.

ترى، في حديث لموقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، أن صحة اللبناني النفسية غير مؤهلة لاستيعاب كل هذه المشاكل التي وقعت عليه كلها فجأة، ما يدفعه الى البحث عن نوع من الهروب، يترجمه إما بالإدمان وإما بالارتباط “غير الناضج”، ظناً منه أنه يتمكن من تلافي المشاكل العائلية.

تتوقف عطاالله عند مقومات الزواج، إذ كيف لشخص يريد تأسيس منزل أن يفعل، إن لم يكن المنزل موجوداً أصلاً، علماً الا قروض إسكان ولا تسهيلات ولا أموال، وتسأل، “هل مَنْ أمّن السكن وحاجاته الضرورية لزواجه، جاهز وناضج حتى يكون ربَ أسرة، وزوجة وأم؟”، مشددة على أن من يرغب بالزواج أن يكون ناضجاً عاطفياً ومستقلاً مادياً، “وأبرز ما نعاني منه في المحاكم الروحية، لا سيما عند الصغار في السن ممن ارتبطوا، يُترجم بعدم النضوج العاطفي الذي يؤدي الى التفكك الأسري”.

تشدد على أن ما يحصل مع اللبناني اليوم يُلخص بأن المشكلة التي يعاني منها، باتت تولّد مشكلة إضافية، إذ يهرب بقرارات ما علّه يرتاح، فيجد نفسه متورطاً بما هو أكبر، مؤكدة انه لا يجب إغفال أن الزواج يحتاج الى استقلالية مادية ومنزل وحب صادق وتواصل، بعيداً من الهروب والطمع، لأن غياب هذه العناصر سيؤدي حتماً الى اضطرابات عائلية.

ترى أن زواج الفئات العمرية العشرينية ينجح إذا كان مبنياً ومؤسساً بطريقة صحيحة، وتنصح الثنائي بمتابعة العثرات التي قد يتعرض لها في علاقته مع أصحاب الاختصاص الذي بإمكانهم مساعدته، متوقفة عند النضوج الاجتماعي المتقدم الذي سببته وسائل التواصل الاجتماعي، التي تجعل من الفرد أكثر وعياً. لكنها تشرح في المقابل، أن الأشخاص في عمرهم البيولوجي باتوا يختلفون كثيراً بين اليوم والأمس، ما يجعل الأمر سيفاً ذو حدين، “لأنه ان تكون واعٍ شيء وأن تكون واع بما يفوق قدرتك البيولوجية شيء آخر”.

تتأسف لأن هذا الجيل يهرول نحو تحمل المسؤولية، بينما تكون الأمور سطحية وغير عميقة بالنسبة اليه، لأن البنية البيولوجية لا تؤهل فهم معنى التواصل المباشر وأهميته، وتتوقف عند ظاهرة التقليد المجتمعي الذي تحدث عنه العالم النفسي باندورا، الذي لفت الى أن المجتمعات ترتكز بشكل كبير على التقليد، وبالتعلم بالنَمذجة، إذ كلما كان النموذج بشرياً كلما كان التقليد أسرع، ما بات يخلق في مجتمعنا اللبناني مشكلة إضافية، لأن لا عمق في الأمور.

تتوقف عطاالله عند زيادة العدائية والانفعالية وانعكاسهما على نفسيتنا وآثارهما في أبسط أمورنا اليومية، إذ بات اللبنانيون يبالغون بهاتين الصفتين بعدما فقدوا التحكم بانفعالاتهم، كما ان هناك الكثير من القرارات التي تكون وليدة اللحظة.

وإذ تنوه بالدور الكبير الذي تلعبه الكنيسة بالإعداد للزواج، والجلسات التي تُعقد مع الثنائي، تلفت الى أن أحد الكهنة نصح ثنائي بالتروي وتأجيل الخطوة ريثما تكون نضجت أموره، فما كان منه الا أن قصد كاهناً ومعالجاً نفسياً آخر، مبدية أسفها للعناد غير المبرر. تضيف، “لا سلطة على الثنائي لإيقاف الزواج إلا في حالات معينة، والكنيسة تقوم بعمل جبّار في هذا الموضوع”.

​أي عملية نسخ من دون ذكر المصدر تعرض صاحبها للملاحقة القانونية.​

Exit mobile version