إنتخابات 2022: إقتراع عقابي عقلاني

كتب شارل جبوّر في “المسيرة” – العدد 1719

إنتخابات 2022: إقتراع عقابي عقلاني

… حتى لا يذهب تصويت «الغاضبين» هدرًا

 

لكل إنتخابات نيابية نكهتها وظروفها السياسية التي تنعكس على توجهات الرأي العام التي تبدلّت بين استحقاق وآخر، ففي العام 2005 خيضت الانتخابات على قاعدة الإنتقال من مرحلة الإحتلال السوري إلى ما بعده، وفي العام 2009 كان الإنقسام العمودي بين 8 و14 آذار طاغيًا، وفي العام 2018 شكلت الانتخابات خليطاً من العناوين واعتُبرت بمثابة الإنطلاقة الفعلية لهذا العهد، إلا انها أطلقت العدّ التنازلي لنهايته. ماذا عن إنتخابات 2022؟

قد تكون الإنتخابات المقبلة الأهم والأبرز مقارنة مع ما سبق من إستحقاقات على هذا المستوى لثلاثة أسباب أساسية:

السبب الأوّل يتعلّق بانتفاضة 17 تشرين التي أظهرت تحولاً كبيرًا في مزاج الرأي العام اللبناني الذي قرر أن يخرج عن صمته، والأهم أن يتخلى عن سياسة النأي بالنفس التي كان يعتمدها حيال كل ما يتصِّل بالحياة السياسية وصراعاتها وانقساماتها، والإنخراط في المواجهة تعبيرًا عن توجهاته الوطنية.

السبب الثاني يرتبط بالإنهيار المالي غير المسبوق في لبنان الذي انعكس على كل أفراد المجتمع، وبدّل للمرة الأولى في نمط عيشهم الذي يشكل آخر ما كان تبقّى لهم، وخط دفاعهم الأخير تجنبًا للهجرة. هذا النمط العيش الذي نجحوا في الحفاظ عليه حتى في زمن الحرب سقط وانهار وسقط معه أبرز ما يتحصنون به ويمثِّل مصدر أمان لهم.

السبب الثالث يتصلّ بشعور «القرف» من كل شيء في ظل الشعور العارم أن لبنان لم يعد مساحة قابلة للعيش مع دولة فاشلة وخلافات سياسية من طبيعة وجودية وتهديد دائم بالحرب وفساد معظم الطبقة السياسية، وجاء الإنهيار المالي ليشكل قطرة الماء التي أفاضت الكأس.

الغضب الشعبي من كل شيء يكاد يكون غير مسبوق في لبنان، وهو غضب عابر للطوائف والمناطق، والمكبوت منه يفوق المعلن، ما يعني أن الإقتراع العقابي سيكون سيِّد الموقف، ولكن هل الأوضاع الكارثية ستدفع الناس إلى المشاركة الكثيفة في الإنتخابات تعبيرًا عن غضبها وسعيًا لقلب الطاولة، أم ستدفعها إلى مزيد من الإنكفاء والإحباط على قاعدة أن الوضع ميؤوس منه والتغيير شبه مستحيل؟

وعلى رغم أن كل التقديرات والترجيحات والإستطلاعات تؤكد بأن نسبة الإقتراع ستكون مرتفعة نسبيًا، إلا أن العامل الذي يستدعي التركيز عليه يكمن في طريقة تصويت الناس التي معها كلّ الحقّ في أن تعاقب باقتراعها القوى السياسية التي أوصلتها إلى هذه الكارثة والمأساة، ولكن الإقتراع العقابي سيف ذو حدّين:

الحدّ الأول منه مفعوله إيجابي من زاوية الناس المعبأة والمستنفرة التي قررت أن تحشد قوتها من أجل التصويت ضد فريق سياسي تحمِّله مسؤولية ما أصاب البلد وأصابها، والتعبئة أكثر من ضرورية على هذا المستوى كونها ترفع منسوب المشاركة والتصويت وتفتح باب التغيير والتأثير، لأنه بقدر ما ارتفعت نسبة الإقتراع بقدر ما زادت إحتمالات التغيير.

الحدّ الثاني مفعوله سلبي لناحية الجانب الغرائزي في الإقتراع العقابي الذي يريد أن يصوِّت أولا ضدّ الجميع من دون أي تمييز، فيشمل الصالح بالطالح، وأن يصوِّت ثانيًا مع كل من هو ضد الجميع من دون تمييز أيضًا بين من هو صادق ومستقيم ومبدئي، وبين من هو كاذب وانتهازي ومتلوِّن ومتقلِّب ومزايد وراكب موجة.

فالجهد يجب أن يتركز باتجاهين: الإتجاه الأول تشجيع الناس أكثر فأكثر على المشاركة في الإنتخابات النيابية المقبلة، والإتجاه الثاني على عقلنة اقتراعها، أي تحويله من إقتراع غرائزي إلى إقتراع عقلاني، وذلك من أجل الناس ومصلحتهم، لأن خطورة الوضع الذي انزلق إليه لبنان لم تعد تحتمل تضييع الوقت والفرص من خلال إنتخاب من يزايدون بالشعارات ويمارسون عكسها، وانتخاب من يضللهم مجددًا على غرار تسونامي العام 2005 الذي أخذهم من الطرح السيادي إلى التحالف مع «حزب الله»، ومن إنقاذ الدولة من الفساد إلى إنهاء الدولة عن بكرة أبيها.

فغضب الناس مفهوم ومبرّر، وعصف هذا الغضب يجب أن يطيح بالفريق الحاكم، ولكن ليس من أجل إستبداله بفريق أسوأ منه أو من الطينة نفسها، ومن الموجة التي شربت وتشرب من المياه ذاتها، حيث تستغل وجع الناس وتعمل على تخديرها بشعارات طنانة تعدها بغد أفضل، وعندما يحين وقت الإمتحان تظهر على حقيقتها المخادعة، وهذه الفئة من الناس أخطر من الخصم المعلن، لأن التموضع حيال الأخير وفي مواجهته واضح ولا لبس فيه، فيما هذه الفئة تعمد إلى غش الناس، فيما لا الناس ولا الوضع يحتمل الإستمرار في سياسة الغش والخداع، لأن البلد والناس في حاجة لحلول جذرية لا ترقيعية.

وهذا الجانب يجب أن يحظى بمتابعة حثيثة من أجل أن تطيح العاصفة بالفريق الحاكم لمصلحة فريق آخر قادر على تحمُّل المسؤولية وإخراج لبنان من أزمته السيادية والمالية، وفي حال تركت الأمور من دون معالجة فإن العاصفة الآتية ستخلِّف دمارًا، وأقصى تمنيات الفريق الحاكم أن يترك العاصفة تأخذ مداها لسببين: بغية أن تنفِّس الناس احتقانها، ومن أجل الإتيان بمجموعة جديدة هزيلة من دون مشروع سياسي وكل همها المزايدات والشعبويات.

لا شك فيه أن الإنتخابات المقبلة تشكل فرصة حقيقية، ولا يجب تفويتها كون احتقان الناس بلغ مستويات غير مسبوقة، ولكن لا يجب التعامل مع الفريق الحاكم وكأنه يعيش على كوكب آخر، لأنه على بيِّنة من هذا الأمر وخطورته عليه، وسيعمل المستحيل لحرف الإندفاعة الشعبية عن المسار الذي يجب أن تسلكه وتصبّ فيه إنقاذاً لنفسه وإبقاء الوضع اللبناني في قبضة محور الممانعة.

ولأن الفريق الحاكم يدرك بأن الخسارة واقعة لا محال، فسيعمد إلى التخفيف منها عن طريق إختياره السيئ على الأسوأ، أي إفساح المجال أمام انتخاب من لا يشكلون خطرًا عليه وعلى مشروعه، بل يشكلون حاجة لتجميل صورته أمام الخارج بأنه ديموقراطي ومؤيد للتعددية، وإقفال الطريق أمام الفريق الوحيد والجدي الذي يشكل نقيضًا لمشروعه، وهذا ما يفسِّر التقاطع غير المباشر بين هذين الفريقين ضد الفريق الجدي الوحيد: الفريق الحاكم يستطيع أن يهضم سريعًا خسارة لا تؤثِّر على مشروعه، والفريق المستجد يريد الوصول بأي ثمن، والخصم المشترك للفريقين هو «القوات اللبنانية» التي يجب بعرفهما إضعافها، الأول لأسباب سياسية من أجل إبقاء الوضع على ما هو عليه، والثاني لأسباب سلطوية كون إضعاف «القوات» يمنحه المقاعد والكراسي، ولكن الخسارة هذه المرة ستكون على الناس والبلد، وتعويضها قد يكون متعذرًا، ومن هنا الحاجة الملحة للثلاثية الآتية:

أولاً: دفع الناس من أجل أن توفِّق بين التصويت ضدّ وبين التصويت مع، أي التصويت ضد المنظومة الحاكمة، والتصويت لمصلحة الفريق القادر على إخراجها من الأزمة كي لا يذهب تصويتها هدرًا.

ثانيًا: تحويل الانتخابات إلى محطة مفصلية لتسديد ضربة موجعة للفريق الحاكم يفقد بموجبها قدرته على مواصلة الإمساك بمفاصل السلطة.

ثالثاً: تعرية الإنتهازيين والإستغلاليين وأصحاب الشعارات التي تتناقض مع الممارسات، لأن خطورة هذه الفئة لا تقلّ عن خطورة المنظومة كونها ستتحوّل في مرحلة من المراحل، كما تحوّل «التيار الحر»، إلى غطاء لهذه المنظومة سعيًا وراء هدفها الوحيد.. السلطة.

 

شارل جبور – رئيس جهاز الإعلام والتواصل في «القوات اللبنانية»

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل