.jpg)
لم يكن أدلّ إلى انقضاء فترة الودّ والمجاملة بين رئيسي الجمهورية ميشال عون والمكلف تشكيل الحكومة نجيب ميقاتي، وانتقالهما الى مرحلة الجدّ وحكّ الركب، من تأخير المدة الفاصلة بين اجتماعاتهما لتصبح 3 أيام (في بلد منهار تماماً، يحتاج حكومة اليوم قبل الغد)، بعدما كانت يومية، بحيث زار ميقاتي القصر الاثنين الماضي عقب تكليفه، ثم الثلاثاء بعد الاستشارات النيابية غير الملزمة، فالأربعاء حاملاً صيغة أولية، والخميس لاستكمال البحث فيها مع رئيس الجمهورية بعد ان يكون الاخير درس تفاصيلها. ومن الخميس، ضُرب موعد الاجتماع الجديد، الاثنين، أي بعد أكثر من 72 ساعة.
وتكشف مصادر سياسية مطّلعة على اتصالات التشكيل لموقع القوات اللبنانية الالكتروني، عن أن الفترة هذه ضرورية للجانبين المعنيَّين بالتأليف، لتجميع أوراقهما وإعداد اقتراحاتهما لتذليل العُقد التي ستطفو قريباً على سطح المحادثات الثنائية.
حتى الساعة، لم يُصَر إلى الغوص في أي تفصيل “مُتعب”، تتابع المصادر، وكل ما حُكي بين الرجلين يتعلّق بحجم الحكومة (من 24 وزيراً) وبالحقائب العادية غير السيادية، إذ تم الاتفاق في شكل أوّلي على توزيعٍ لها. إلا أن الصيغة الحكومية التي سلّمها ميقاتي إلى الرئيس عون، لم تعجب الأخير كثيراً لناحية عدم احترام المداورة في الوزارات “السيادية”. هو صحيحٌ لم يبلغ الرئيس المكلّف بهذا الموقف السلبي مباشرةً او بطريقة فجّة، لكنه اقترح عليه عدمَ تكريس اي حقيبة لأي طرف، فيما تكفّل رئيسُ التيار الوطني الحر النائب جبران باسيل النطقَ بهذا الموقف، علناً وبلا قفازات، في اطلالته التلفزيونية الأخيرة. ففَهِم ميقاتي الرسالة الرئاسية هذه، والهدفُ منها ليس انتزاع المالية من الثنائي الشيعي، بقدر ما هو نقلُ وزارة الداخلية من عهدة الفريق السنّي إلى يد الفريق الرئاسي، شأنها شأن وزارة العدل. فعينُ العهد على وضع هذه الوزارة في “جيبه”، لكونها الاكثر تأثيراً في الانتخابات النيابية المقبلة، والتي يعتبرها التيارُ الوطني الحر “مصيرية” ومسألة “حياة أو موت” بالنسبة إليه وإلى رئيسه.
انطلاقاً من هنا، ستُستَخدم الساعات الفاصلة عن اجتماع الاثنين المقبل، لمحاولة ايجاد “تسوية” لمسألة الحقائب الدسمة، إذ سيقترح ميقاتي إبقاءَ التوزيع على حاله، مع إسناد هذه الوزارات إلى شخصيات حيادية غير استفزازية لأحد، كرشيد درباس للداخلية مثلاً. فهل يرضى القصر بمخرجٍ كهذا؟ أم أنه سيتمسّك بإعطائها إلى مسيحي؟
اثر اللقاء المرتقب، ستبدأ معالمُ الصورة تنقشع، ومعها مصيرُ التكليف والتأليف. فأي تصلّبٍ من قِبل العهد، سيعني أنه لن يسهّل المهمّة على ميقاتي، وأنه تماماً كما رفض رئيس الحكومة السابق سعد الحريري، يرفض أيضاً “الزعيمَ الطرابلسي”، خصوصاً أن الاخير أعلن في مقابلته التلفزيونية، الخميس، أنه امتدادٌ للحريري، وأنه والاخير “شخص واحد”. اما بعد تجاوز عقدة توزيع الوزارات طائفياً ـ اذا تمّ تجاوزها – فسينتقل النقاشُ إلى إسقاط الأسماء على الحقائب، وهنا أيضاً قد يواجه ميقاتي مسألة محاولة العهد انتزاعَ الثلث المعطّل في الحكومة. غير أن الأوضاع المعيشية الخانقة، معطوفة إلى المناخات الدولية الضاغطة، وجديدُها إقرار الاتحاد الاوروبي آلية لفرض عقوبات على المسؤولين اللبنانيين (الفاسدين وممّن يعرقلون الحل السياسي)، قد تفعل فعلها وتزيل العقبات من درب التأليف هذه المرة.
واذ تشير إلى أن ولادة الحكومة مستبعدة قبل 4 آب تاريخ انعقاد مؤتمر دعم لبنان الذي تنظمه باريس والامم المتحدة، في الذكرى السنوية الاولى لانفجار المرفأ، تقول المصادر ان هذه التظاهرة الدولية ستخصَّص لاحتضان الشعب اللبناني والجيش اللبناني، ومدّهما بما يلزم من مساعدات لمواجهة الظروف القاتلة التي يعيشون. وتكشف عن ان الاتصالات الاميركية ـ الفرنسية ـ السعودية التي دارت في الاسابيع الماضية، أفضت “مبدئياً” إلى موافقة المملكة، شأنها شأن الكويت، على المشاركة في الاجتماع العتيد، في خطوةٍ كبيرة ولافتة، تريد من خلالها الرياض القول إنها إلى جانب اللبنانيين وإلى جانب القوى الشرعية اللبنانية، وإنها حريصة على السلم الاهلي والاجتماعي في لبنان، خصوصاً أن المستفيد الاوّل من اي انهيار سيكون حزب الله.
وفيما ستدحض هذه المشاركة المعطيات التي تشيع ان المملكة تخلّت عن لبنان، تعتبر المصادر أن هذا الموقف الايجابي يُعتبر أيضاً موجّها الى مؤلّفي الحكومة، وفحواه: اذا عرفتم كيف تشكّلون حكومة “نظيفة” جديرة بالثقة، تُلاقي معايير المجتمع الدولي، فإن العالم بأسره ودولَ الخليج ضمناً، سيهبّ لمساعدتكم. فهل يلتقط المعنيّون بالتشكيل، هذه الاشارة؟
