شاهدة على جريمة العصر

إنها الساعة السادسة، أقود سيارتي متوجهةً من منطقة الحمرا نحو منزلي في زوق مصبح. شبابيك سيارتي مغلقة بالكامل للتنعم ببرودة المكيف في ذاك اليوم الحار والمشؤوم، يوم 4 آب 2020. أستمع الى مجموعة ممتعة من الأغاني أثناء القيادة من راديو السيارة والابتسامة لا تفارق وجهي، فمزاجي قبل الدقائق القليلة من الكابوس كان “عال العال” وحالتي النفسية كانت “تمام”.

وخلال مروري في شارع الحمرا لأتوجه بعد ذلك إلى أوتوستراد الدورة، أي الطريق الموازية تماماً لمرفأ بيروت، عاصفة هوائية فائقة القوة خرجت من المطعم الذي كنت أمرّ بقربه أدَّت إلى تكسير زجاجه وتشلُّع أبوابه وشبابيكه، ورمت المارة الذين كانوا يسيرون بالقرب منه أمتاراً بعيدة.

طبعاً للوهلة الأولى، لم أستوعب ما حصل. اعتقدت في تلك اللحظات أن انفجاراً حدث في المطعم إياه، وأنني عندما أبتعد عن محيطه سأكون بأمان، إلى أن بدأت أسمع صراخ الناس على الطرقات، فتحت نافذة سيارتي لأسأل أحد المارة عما حدث، وعلمت حينها أن عملاً تخريبياً وقع في المنطقة إذ إن دخاناً كثيفاً وردي اللون بدا متصاعداً بالقرب من البحر.

لم أستمع إلى نصيحة أحدهم الذي قال لي، “اتركي سيارتك إلى جانب الطريق وانتظري لبعض الوقت قبل أن تكملي سيرك حتى تتضح الأمور”، بل تابعت طريقي في الذهاب إلى منزلي، من دون أن أدرك طبعاً الكابوس الذي سأعيشه لحظة بلحظة وبكل تفاصيله أثناء تنقلي.

ما هي إلاّ أمتار قليلة حتى بدأ هول الكارثة يتجلى بوضوح. أمتار قليلة كانت كفيلة في أن تجعلني أدخل قلب الحدث، أدخل نفق الكابوس الذي استغرقت رحلتي للخروج منه أكثر من أربع ساعات عشت خلالها رعباً لا يوصف. نعم، لا أبالغ إن قلت ان الساعات الأربع تلك كانت بمثابة وجودي في جهنم بكل ما للكلمة من معنى.

ها أنا أسير باتجاه منطقة الـ Downtown، دمار شامل يحيط بي، ارتجفت من الخوف وتجمَّد جسدي من التوتر والرعب اللذين اجتاحاني، إلى حدِّ شعوري بأنني لم أعد أستطيع التكلم. تابعت سيري جاهلةً ما جرى، واعتقدت حينها أن صاروخاً سقط في المنطقة، وكان اعتقادي هذا يثير الرعب في نفسي، إذ رحت أفكّر أن صاروخاً آخر قد يسقط خلال وجودي على الطريق مما سيؤدي بكل تأكيدٍ، إما إلى وفاتي أو إلى تعرُّضي لجروح خطرة، كفقداني لبعضٍ من أعضاء جسدي أو تشوه وجهي.

هذه الأفكار ظلت ترعبني وتسيطر على عقلي ومشاعري إلى حين وصولي إلى طريق مرفأ بيروت التي كان من المفترض أن أسلكها لأتوجه إلى منزلي، فرأيت منطقة منسوفة عن بكرة أبيها والنيران تتصاعد من كل حدب وصوب. اقتربت من أحدهم لأسأله ما الذي حدث وما هي الطريق التي يمكنني ان أسلكها لأتوجه الى منزلي؟ فأجاب أن “انفجاراً ضخماً حدث في مرفأ بيروت، وأنه يجب أن أسلك طريق الأشرفية لأن طريق الدورة مغلقة”.

ويا لها من ساعاتٍ ثقيلة، مؤلمة، مرعبة، موجعة، عشتها أثناء تنقلي في شوارع الأشرفية. بيوتها وأبنيتها، جميعها من دون استثناء، متناثرة على الطريق العام، والسيارات المركونة إلى جانب الطريق كلها محطمة، والناس يركضون في الطرقات والدماء تسيل من أجسادهم يبحثون عمَّن ينقلهم الى أقرب مستشفى لمداواة جراحهم.

صراخ أينما كان، ووجوه خائفة ومرعوبة ترتجف من هول الصدمة، وأهالٍ يحملون أبناءهم بين أيديهم، بعضهم فارق الحياة والبعض الآخر مصاب بجروح بليغة. بلغت مرحلة رحت أتنفس بصعوبة من شدة الخوف الذي انتابني طوال الساعات الأربع التي قضيتها في شوارع منطقة الأشرفية في ذاك اليوم المشؤوم، إلى أن وصلت الى منطقة الزلقا وتابعت سيري باتجاه منزلي.

إنه الجحيم، بكل تفاصيله وبأدقها، وكل من عايش هذه الأوقات العصيبة يمكنه أن يخبر الآخرين كيف يكون الحال في جهنم، وما هي المشاعر التي تجتاح النفس البشرية عند وجودها فيها. عام مرّ على هذا الكابوس ولا تزال ذكراه تحرك بداخلي كل ذلك الخوف والرعب اللذين اجتاحاني.

لن أتطرق الى الحديث عن الجوانب السياسية المتعلقة بانفجار هذه “القنبلة” في المرفأ، أو عن آخر المستجدات في موضوع التحقيق الخاص به، بل سأكتفي بما دونته عن الأوقات العصيبة التي عايشتها كشاهدة على جريمة العصر، جريمة تفجير مرفأ بيروت، التي وبالرغم من الأوجاع النفسية البليغة التي انتابتني وتغلغت في داخلي من جرائها كسائر اللبنانيين، لكن في حال أردت النظر إلى الجانب الإيجابي لهذه التجربة، فيمكني القول إنها جعلتني أؤمن أنه، وبعدما فصلتني خمس دقائق فقط عن الموت الحتمي، بتُّ مقتنعة تماماً بصحة القول “يللي إلو عمر ما بتقتلو شدّة”.

أي عملية نسخ من دون ذكر المصدر تعرض صاحبها للملاحقة القانونية.​

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل