نزوح مئات العائلات وآلاف المنازل بلا ترميم في بيروت

إنها بيروت، لؤلؤة المتوسط وعاصمة لبنان وقلبه النابض بالحركة والفرح والحياة، ومركز السياسة اللبنانية التي لا تعرف النوم والتعب. إنها بيروت أمّ الشرائع التي يفوق عمرها الـ5000 عام، وآثار وسطها التجاري شاهدة على عمقها الضارب في التاريخ.

مرَّت المدينة بالعديد من الكوارث، فالزلازل دمَّرتها 7 مرات وحوَّلتها إلى ركام، بالإضافة إلى الحروب التي غيرت ملامحها وفرَّقت أهلها وباعدت بينهم. غير أنها كطائر الفينيق، تعود في كل مرة وتنفض عنها غبار الموت والنكبات لتنبض بالحياة.

في 4 آب 2020، كانت الساعة قد تجاوزت السادسة من بعد الظهر بقليل، وللوهلة الأولى بدى وكأنه زلزال، وبسرعة البرق تحوَّل إلى دويٍّ قويٍّ وتسونامي من نترات الأمونيوم قلَب العاصمة رأساً على عقب، فتناثرت أرض مرفأ بيروت وامتزجت بأشلاء الشهداء والضحايا، وانهارت الأبنية وبدت بيروت كما لا نعرفها من قبل.

انفجار مرفأ بيروت هو ثالث أضخم انفجارات هزَّت العالم بعد هيروشيما وناغازاكي، أي أنه أكبر انفجار غير نووي في تاريخ البشرية، أودى بحياة أكثر من 200 شخص، وتسبَّب بإصابة نحو 7 آلاف، وتضرُّر نحو 50 ألف وحدة سكنية، وبات نحو 300 ألف شخص بلا مأوى. كما قُدِّرت الخسائر المادية الناجمة عن الانفجار ما بين 10 إلى 15 مليار دولار أميركي.

في 4 آب، كان انفجار مرفأ بيروت بمثابة انفجار للقلوب، بفقدان أهل وأصدقاء وأحبّة، انفجار أحرق القلوب كما احترق قلب لبنان، وشعر قاطنو المدينة بأنه اليوم الذي سيموتون فيه، إذ دُفنت الذكريات، وتحوَّلت المنازل إلى أنقاض، وسُرقت الطفولة.

واليوم، بعد مرور عام على الانفجار، لا تزال الصدمة موجودة داخل الأحياء، وملامح الدمار لا تزال مرسومة داخل كل شارع، على الرغم من “الميك آب” الذي أعاد بعضاَ من جمال الأشرفية والمدور والصيفي والكرنتينا والرميل. فالبعض رحل عن المنطقة والبعض الآخر لملم جراحه وأعاد جدرانه المتناثرة، وبنى جدار الصمود ليبقى داخل منطقة ولد وترعرع فيها.

بعد عام، يكشف موقع القوات اللبنانية الالكتروني، ما آلت إليه أوضاع أهالي بيروت من حيث إصلاح المباني وحجم التحديات التي عاشتها المدينة. فالغصّة لا تزال في قلوب قاطنيها، والأيام غير كافية لمحو صور ومشاهد وآلام انفجار العصر التي سنحملها معنا حتى القبر.

الأشرفية

وفقاً لأهالي منطقة الاشرفية، “الآثار النفسية لا تزال حاضرة، ومشاهد الألم والدمار عالقة في الأذهان، إلا أن إعادة تأهيل المنازل تمَّت بشكل شبه نهائي، كون منطقة الأشرفية كانت الأقل ضرراً بين المناطق والأحياء المجاورة جغرافياً لمرفأ بيروت. فالاضرار اقتصرت على الزجاج وبعض الأبواب التي هبَّت الجمعيات لإصلاحها، ومنها جمعية “Ground-0″ التي ساهمت بشكل كبير بإعادة إعمار المنطقة”.

وتكشف جمعية “غراوند زيرو”، لموقع “القوات”، عن أن “عدد الوحدات السكنية التي أعيد تأهيلها بلغ نحو 600 منزل، وهذا عدد كبير بالنسبة إلى قدرات الجمعية المادية التي قامت بعمل جبّار من أجل إبقاء الأهالي في منازلهم وعدم النزوح من المنطقة”.

الرميل

من جهته، يشير مختار منطقة الرميل منير كيال، إلى أن “المنطقة لا تبعد جغرافياً كثيراً عن مرفأ بيروت، الأمر الذي أدى إلى تضرر حوالي 8400 وحدة سكنية”، لافتاً إلى أن “عدداً كبيراً من هذه المنازل أصيب بأضرار كبيرة، خصوصاً في محيط مستشفى القديس جاورجيوس حيث سقط 7 شهداء وانهارت جدران المنازل بشكل شبه كامل”.

ويوضح كيال، لموقعنا، أن “إعادة اعمار المنازل تم بشكل جزئيّ لأن حجم الأضرار كبير جداً، وأموال الجمعيات التي ساهمت بترميم البيوت غير كافية لتأهيل الوحدات السكنية بشكل كامل”، مضيفاً أن “هناك أضرار طالت أثاث المنازل والجمعيات غير قادرة على المساعدة. وبالتالي منطقة الرميل لا تزال بحاجة إلى تأهيل، فهناك بعض البيوت لم يتم إصلاحها، والأهالي ينتظرون علَّ الفرج يأتي من مكان ما”.

ويلفت المختار كيال، إلى ان “هناك عدداً من الأهالي نزحوا عن المنطقة كون الإصلاحات التي لحقت بمنازلهم غير كافية، ولا يمكنهم السكن في بيوتهم التي لا تزال تحتاج الكثير لتصبح مؤهّلة للسكن، فيما البعض الآخر فضّل ترك المنطقة بسبب الخوف وحجم الذعر الذي عاشوه ما بعد الانفجار، وهؤلاء يشكلون 10% من منطقة الرميل”.

المدوّر

في المدور لا يختلف الأمر عن الرميل، مع العلم أن منطقة المدور التي تضم الصيفي والكرنتينا، هي من أقرب المناطق لمرفأ بيروت، إذ إنها لا تبعد سوى أمتار قليلة عن موقع الانفجار وحجم الدمار الذي لحق بها كبير جداً، وخصوصاً في منطقة الجمّيزة ومار مخايل التي انهارت فيها الأبنية بشكل كامل وبعضها مُحي عن الخريطة.

مختار منطقة المدور كابي ماروني، يلفت، عبر موقعنا، إلى أن “المنطقة عانت كثيراً جراء الانفجار، فهناك أبنية ضخمة سُحقت بالكامل وبحاجة إلى ميزانية ضحمة بحجم دولة كي يعاد تأهيلها. لكن بما تيسَّر من جمعيات، أُعيد إعمار بعض المباني السكنية، غير أن تلك المصنفة بالأثرية فهي بحاجة إلى ميزانية خاصة نظراً لطابعها الخاص التراثي والتاريخي”.

ويضيف، أن “المباني التي تم مسحها بعد الانفجار بلغت 1500 وحدة سكنية في منطقة المدور، هذا عدا المباني في منطقة الصيفي والكرنتينا ومار مخايل”، مشيراً إلى أن “المشكلة التي عانى منها بعض السكان بسبب ثمن الايجار الجديد، إذ إن المالك لم يقم بتصليح المبنى أو المنزل المتضرر، ما اضطرهم إلى ترك المنطقة كون تكلفة الترميم باهظة، وبعض الجمعيات ليس بمقدورها تأمين ثمن إصلاح البيت بشكل كامل، لأن أكثرية المنازل متضررة بشكل كبير من الداخل والخارج، وأعمال الترميم اقتصرت على نسبة 50%”.

الكرنتينا

أما عن منطقة الكرنتينا، يقول ماروني، إن “دماراً كبيراً لحق بها تبعاً لطبيعة منازلها القديمة جداً والتي سُوِّيت بالأرض نتيجة الانفجار. إلا أن الجمعيات وضعت ثقلها في هذه المنطقة لإعادة إعمارها، وقدَّمت خدمات مادية وإنسانية وبدل ايجار للأهالي الذين فقدوا منازلهم”.

من ناحيتها، كشفت مصادر خاصة من بلدية بيروت، لموقع “القوات”، عن أن “عدد المباني التي طلبت البلدية إخلاءها بعد وقوع الانفجار، لأنها لم تعد صالحة للسكن وتشكل خطراً على قاطنيها، بلغ ما يقارب الـ242 مبنىً وعقاراً”.

وأوضحت المصادر ذاتها، أنه “أُعيد ترميم 80% من هذه المباني من خلال جمعيات، غير أن بعض المباني جديدة وتكلفة صيانتها عالية جداً، كالمباني المجاورة لشركة الكهرباء المتضررة بشكل شبه كامل إذ لم يبقَ منها سوى بعض جدرانها الداخلية، وهي بحاجة إلى “فريش دولار”، وكلفة ترميم المنزل الواحد تتخطى الـ100 ألف دولار”.

ويجمع معظم الذين تحدثنا معهم على غياب الدولة بعد انفجار المرفأ. ولسان حال أهالي الأشرفية واحد، إذ يسألون، “وين الدولة”؟. وليومنا هذا، لم تقم الدولة بواجبها تجاه المنطقة وأهاليها، كما أن حجم التعويضات ضئيل جداً مقارنة بحجم الدمار الذي لحق بالمنطقة.

أي عملية نسخ من دون ذكر المصدر تعرض صاحبها للملاحقة القانونية.​

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل