7 زلازل ولم تهتز الصوامع… 4 آب دمّرها بـ5 ثوانٍ

كتبت جومانا نصر في “المسيرة” – العدد 1719

كان يا ما كان… قصة مرفأ

7 زلازل ولم تهتز الصوامع… 4 آب دمّرها بـ5 ثوانٍ

 

تقول الحكاية… قبل أن تكون مدينة بيروت كان المرفأ وكان يقصده البحارة القدماء. ومن بعده شُيّدت المدينة.. وهذه المعادلة لم تحصل إلا في مرفأ بيروت. فالمدن كانت أولاً وبعدها المرافئ…

تضيف الحكاية، مع مرور الوقت قرر التجار وكبار المتمولين تشييد مساكن لهم حول المرفأ لتسهيل أعمالهم التجارية، ونشطت حركة البناء إلى أن كانت مدينة بيروت. وسبعة زلازل ضربت بيروت، دمّرتها، وطمرت أجزاء منها، لكن مرفأ بيروت كان بمثابة الأم التي تنقذ وحيدها من الغرق والروح النابض في قلب العاصمة. فهل ترد بيروت اليوم الجميل وتساهم في إعادة إنهاضه وإعادته على خارطة أهم مرافئ شرق المتوسط ؟

زلزال الرابع من آب الذي دمّر المرفأ ونصفه الآخر بيروت، صار الحكاية الملاصقة لتاريخٍ لن تمحوه كل معالم الإعمار. كيف لا وتفاصيلها مكتوبة بدم أكثر من 200 ضحية و6000 جريح ودموع شعب على وطن وعدالة عسى أن لا يطمرها لصوص ومجرمو المرفأ بحجة… الإهمال!.

يروي مؤرخون أن إسم مرفأ بيروت ذُكِرَ للمرة الأولى في الكتابات المتبادلة بين الفراعنة والفينيقيين وذلك في القرن الخامس عشر قبل الميلاد. لكن هويته الإقتصادية لم تتشكل إلا في العصر الروماني وبات يُعرف بأهم مركز تجاري وإقتصادي، وبقي على عزّه وشموخه إلى أن جاء الزلزال المدمر عام 551 وتحول إلى منطقة منكوبة. واستمر على هذه الحال إلى أن أُعيد بناؤه في العصر الأموي عام 635 وأصبح المرفأ مركزًا للأسطول العربي الأول.

في عهد الصليبيين كان لمرفأ بيروت دور بارز في التجارة البحرية بين الشرق والغرب وتحديداً بين بيروت والمدن الإيطالية، حتى العصر المملوكي حيث تحول إلى مركز لتجارة التوابل. وفي العام 1516 شهدت الحركة التجارية تراجعًا ما لبث أن استعادها مع تطوّر الملاحة البخارية في القرن السابع عشر وأصبح الوجهة الرئيسية لمنتجات الحرير التي كانت تمثل العمود الفقري للإقتصاد اللبناني حيث كانت تعمل ما لا يقل عن عشرة خطوط للملاحة البخارية بانتظام من مرفأ بيروت وباتت ست الدنيا بيروت مركزًا مهمًا في حركة الإستيراد والتصدير ما أدى إلى تدفق السلع إلى السوق اللبنانية.

 

5 ثواني … طارت الإهراءات

في 20 آذار 2020 أي قبل خمسة أشهر على زلزال 4 آب المدمّر، غادر ابراهيم الصليبي المرفأ الذي أمضى فيه نصف مشوار عمره مع زميل المكتب ورفيق الروح والصديق غسان حصروتي. ويروي: «بتاريخ 20 تموز 1972 دخلت مرفأ بيروت وعملت بصفة مياوم حتى العام 1979. إلى أن تم تثبيتي عام 1980. يومها طُلِبَ أن يكون معي موظف آخر في غرفة العمليات فاقترحت إسم غسان حصروتي الذي كان يعمل مع والده في قسم الصيانة. كان ذلك في العام 1981 ومن حينه لم نفترق حتى غادرت المرفأ كموظف، لكن علاقتي به استمرت بعدما أصبحنا توأمين لا نفترق حتى بعد دوام العمل. ولا يزال توأم روحي بعدما اختطفته أيادي الغدر…

حكاية الإهراءات بدأت مع دخول دولة الكويت على خط الإستثمارات. «كانت المياه تصل إلى الرصيف وبدأت أعمال الردم التي استغرقت حوالى 6 سنوات. ثم جاءت شركة تشيكية وتولت أعمال البناء والتجهيزات. أما الصوامع فقد شُيِّدت بمواد من الباطون المسلح وهي مغروزة في الأرض على عمق 8 أمتار وبطول 180 مترًا. ولو لم تكن تتمتع بهذه الصلابة لما صمدت بفعل إنفجار شبه نووي ولم يدمّر إلا الجزء الشرقي منها، وشكلت الجهة الغربية درعا للشطر الغربي من العاصمة. وبالتوازي تم تشييد الرصيف رقم 8 وهو من أكبر وأهم أرصفة المرفأ حيث يصل عمقه إلى 8 أمتار ومخصص للبواخر الكبيرة والمحملة بأطنان من المستوعبات».

14 آب 1970 دشن الرئيس الراحل شارل حلو الإهراءات وفي 17 منه بدأ العمل بها. وعلى رغم كل الحروب التي مرت على تاريخ لبنان وآخرها حرب تموز بقيت الإهراءات صامدة حتى كان الزلزال المدمّر في 4 آب 2020 الذي دمّرالمرفأ ب5 ثوانٍ.. هل هي صدفة أن يكتب شهر آب حكاية ولادة إهراءات مرفأ بيروت ونهايتها؟ حتما لا لأن نيترات الأمونيوم لم تصل إلى العنبر رقم 12 عن طريق الصدفة، ولم يقرر المجرم أن يسكت عن جرمه ويستمر في إخفاء معالم جريمته على جثث أكثر من 200 ضحية.

 

…راح غسان وخلصت القصة

بين العنبر 12 وغرفة العمليات حيث كان يجلس غسان حصروتي ومعه رفيق العمر ابراهيم قبل أن يغادر المرفأ منذ خمسة أشهر مسافة لا تزيد عن 400 متر. وبغصة يعود إلى آخر لقاء جمعه وغسان. «كنت أتردد على مرفأ بيروت لملاحقة ملف تعويض نهاية الخدمة، وأستغلها فرصة للقيام بجولة على الزملاء ومعاونتهم في بعض الأمور التقنية، ولا تنتهي الزيارة من دون جلسة مع غسان. قبل ثلاثة أيام من جريمة التفجير توجهت إلى المرفأ ودخلت غرفة العمليات حيث يعمل غسان وقلت له بأن لا يتأخر عن طلب المساعدة عند وصول باخرة. وعندما وقفت لأودعه قال لي «قعود تا ندخن سيجارة» فاستجبت لطلبه. وعندما أنهيت سيجارتي نظر في عيني وقال لي: «يا ريتا ما خلصت هالسيجارة شو رأيك تدخن وحده تانيي؟» وكان يمازحني بهدف إطالة وقت الجلسة معًا لكنني استأذنته ووعدته بأن أزوره وبشكل مكثف». يسكت إبراهيم ويردد «يا ريتني بقيت. كل ما بتذكر نظراتو وصوتو بحس إني تدمرت…».

شريط طويل من الذكريات الحلوة والمرة يعبر في مخيلة ابراهيم ويعود إليه ببسمة وغصة: «لم نغادر المرفأ يومًا على رغم كل الحروب التي مرت على لبنان وكنا نواظب على الحضور لتأمين سير العمل. وعندما يشتد القصف كنا نهرع إلى الأنفاق. وخلال حرب تموز كنا غسان وأنا نعمل وحدنا في غرفة العمليات من أصل 6 موظفين ولم نتغيّب يومًا واحدًا….».

السادسة و7 دقائق اهتزت الأرض تحت أقدام ابراهيم الصليبي في الغرفة التي كان يجلس فيها ويرتشف القهوة مع زوجته وأولاده في منزله في عين الرمانة. ويروي: «جرت العادة أن أرتشف فنجان قهوتي في مثل هذا الوقت على الشرفة. لكن الإرادة الإلهية شاءت أن أغيّر موقعي وإلا كان يمكن أن يحصل الأسوأ. فجأة علا صراخ الأولاد وهرعوا نحو باب المنزل للمغادرة والنزول إلى الشارع ظناً منهم أن الإرتجاج ناتج عن هزة أرضية. عندما سمعنا الإنفجار الثاني قلت لهم: «إنفجار ما في هزة أرضية». ولم ندرك أن الكارثة وقعت وتداعياتها أكبر من زلزال طبيعي».

في اللحظات الأولى لم يدرك ابراهيم أن الإنفجار المدمّر وقع في المرفأ إلى أن اتصل به رئيس مصلحة كان يعمل معه في المرفأ وأبلغه بالخبر. عاد إلى الروزنامة للتأكد من دوامات العمل، وأدرك أن غسان كان موجودًا في تلك اللحظة  في مقر عمله. لكنه لم يفقد الأمل. إلى أن شاهد الصور على شاشة التلفزيون وصرخ «راح غسان…» إلتقط هاتفه الخليوي وحاول مرارًا وتكرارًا الإتصال بغسان لكن لا جواب علمًا أن هاتفه كان يرن. عندها أبلغ زوجته أنه ذاهب إلى  المرفأ لتفقد غسان والرفاق. حاولت ثنيه وأخفت عنه هاتفه الخليوي لكنه أصرّ وقال لها: «أنا رايح عالبور وما حدا راح يمنعني». أعطته الهاتف لكن محاولته باءت بالفشل بعدما عجز عن الدخول بسبب الطوق الأمني الذي فُرض على محيط المرفأ . فعاد إلى البيت وهو يبكي «كنت حاسس إنو راح غسان».

شهود عيان رووا لإبراهيم أنهم رأوا «شرقطة» نيران في البداية ويقول: «ولو تنبّه غسان لهرع نحو الأنفاق. أو لعلهم رأوا النيران واعتبروها مجرد حادث عابر ويمكن إطفاؤه لأن أحدًا من الموظفين لم يكن على علم بوجود هذه المواد الخطيرة في العنبر رقم 12. كنا نجلس على قنبلة موقوتة ونتعايش مع الخطر من دون أن ندري». ويضيف ابراهيم: «حتى لو استدرك غسان والزملاء فداحة الخطر الذي بدأ مع إندلاع الحريق من العنبر 12 وهرعوا إلى الأنفاق لم يكن من الممكن أن يخرجوا أحياء لأن أعمال الإغاثة كانت بطيئة جدا وكانت تتوقف ليلاً بحجة إنقطاع التيار الكهربائي وعدم وجود أضواء… وكان مستحيلا أن يبقى الإنسان في الأنفاق على قيد الحياة لأكثر من 5 ساعات».

بعد الإعلان عن وقف أعمال البحث تم الإعلان عن وفاة غسان حصروتي ولا تزال هناك أسماء تحت أنقاض المرفأ ومنها من ابتلعته مياه البحر بعدما تطايرت الجثث والأشلاء: «الله يرحمو ويرحم كل الشهدا، والحمدالله إنو الإنفجار ما صار خلال دوام العمل وإلا كان عدد الضحايا تخطى الألف».

ويختم ابراهيم: «إيماني كبير بأن الله لن يتخلى عنا، وستتحقق عدالة السماء. فلكل شيء نهاية. لكن أخشى أن لا يصل أهالي الضحايا والمصابون إلى الحقيقة إلا بعد أن يتكبد هذا الوطن خسائر إضافية في الأرواح. في النهاية نحن في لبنان ونعلم تمامًا أن من يمسك بطرف الحقيقة إما أن يُقصى ويُستبعد من مهامه أو يتم اغتياله… لكن لا يجب أن تدفن معالم هذه الجريمة مع أشلاء أكثر من 200 ضحية وتصبح من الماضي. فالمسؤولون عن تخزين النيترات في المرفأ معروفون وهم إما مجرمون أو مهملون أو متواطئون. في كل الأحوال النتيجة كانت واحدة….كارثة في حق البشرية والتاريخ».

 

عثمانية الصوامع خطأ فادح

بعد تفجير المرفأ والحديث عن قوة وصلابة الإهراءات التي حمت القسم الغربي من بيروت ذهب البعض إلى نسب هوية نشأة الإهراءات إلى العثمانيين. لكن القراءة المعمقة لأساتذة في التاريخ تؤكد أن الحديث عن «عثمانية الصوامع خطأ فادح». فبيروت كانت مرفأ طبيعيًا منذ العهد الفينيقي، بسبب الطبيعة الصخرية التي تتيح رسو السفن، من دون الحاجة إلى إجراء تعديلات في الشاطئ. وفي عهد الخليفة معاوية بن أبي سفيان تحولت إلى مركز لبناء السفن. وكان يتم تخزين القمح حتى عهد ما بعد إستقلال لبنان في خيم أو مخازن خشبية أو بلاستيكية، مما تسبب في تعرض القمح إلى التلف أو لأضرار صحية بعد استعماله.

في عهد الرئيس شار الحلو عام 1965 اتخذت الحكومة اللبنانية قرار بناء صوامع بيروت بهبة من دولة الكويت بهدف حماية القمح من الرطوبة وتفادي دخول القوارض إلى هذه المنتجات، واستيعاب الكميات القادمة من منطقة البقاع. وتولت شركة تشيكية عملية تشييد الصوامع، فيما استمرت عملية البناء 5 سنوات قبل أن يتم تدشينها عام 1970 بحضور أمير الكويت حينها، الشيخ صباح السالم الصباح.

ويلفت الباحثون إلى أن الإسمنت المسلح لم يكن موجودًا في العهد العثماني، وهذا ينسف فرضية بناء الصوامع في زمن العثمانيين.

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل