“مي شدياق” نصف إنسان؟

لم أشأ أن أعلّقَ، تأَدُّباً، على تُرَّهاتِ بعضِ الموتورين، أقرَبين وأبعدين، الذين لم يكفّوا عن تشويهِ جراحِ مي شدياق التي فقدَت نصفَها الجسمانيَّ بفِعلِ عملٍ إرهابيٍّ معروفٍ مَن قامَ به، ومعروفٍ مَن غطّاه. ولكن، لا يَحسُنُ السّكوتُ أمامَ مُكَرَّراتٍ ممسوخةٍ، موضَّبَةٍ بأمخاخٍ صَدِئَةٍ يَشوبُها الإِسفافُ، لم تَعتَدْ إلّا التَوَعُّر، وحَسبُها أن تنالَ من تَسامي الصّالحين.

والسؤالُ الذي ينحرُ همجيّةَ الذين تخلَّفوا عن إعادةِ إِعمارِ كرامتِهم، هو: لماذا “مي”؟ ألِأَنّها انحازَت الى مُعاندةِ نارِ الزّمانِ كرمى للانتماء الصّافي، واستمرَّت في رفع شعارِ الحريَة،

ولو لَوَّنَ دمُها شموخَ التراب، في زمنٍ كان الكثيرون، ومَنهوبو الوجدانِ الوطنيّ منهم، لا يهمسون بالحريةِ إلّا حين يحسدون الطيور؟ أَلِأَنّها تلكَ الهوجاءُ في الوطنيةِ، طَرحاً وسلوكاً، تُشبِهُ الأقلّينَ الذين عانقوا الشّهادةَ فارتفعوا الى مرتبةِ التضحيةِ المُكتمِلةِ، ولا تَراجُع؟ أَلِأَنّها كانت على الكلمة كلمةً ثانية، وامتازَت بجرأةٍ بلغَت حدَّ التحدّي، فأَحدثَت للجرأةِ مدرسةً يُرفَعُ لها حجابُ الاقتداء؟

أيّها الموبوئون المُشَوَّهو الأَخلاق،

هذه “مي نصفُ إنسان”، المُتَوَقِّدَةُ التي مَشَت على بَرَكةِ المحبّةِ في التّعايُشِ مع ما أَقبلَ به الألمُ عليها، وكانت شهيدةَ مِجمرةِ الحقد، لكنّها بَقِيَت غنيّةً بإيمانِها، قويمةً في ولائِها، ثابتةً في وِقفاتِها، رافضةً السّجودَ للأوثان، تكرزُ بشجاعةٍ متفَوِّقَةٍ لانتصارِ العَينِ على المِخرَز.

هذه “مي نصفُ إنسان”، العملاقةُ التي سقطَت بِخشوع، لكنّ اللهَ القادرَ تابعَ وَعدَه لها، لأنها دائمةُ الصِّلَةِ بالحقّ، فعاودَتِ النّهوضَ كما الرّاكِع أمامَ المذبح، متمرِّدَةً على حُكمِهم بإعدامِها، ورَميِها ضحيّةً يشربونَ فوقَ رمادِها نخبَ غدرِهم وجبانتِهم، لكنّها صَدَّت سكّينَهم بِشموخ، وارتدَت أشلاءَها مُجهِضَةً شهوةَ إِلغائِها، مُمَزِّقَةً جَوازَ مرورِهم الى القهقهة، ليَطمرَهم وَحلُ الهزيمة.

هذه “مي نصفُ إنسان”، خمرةُ العنفوانِ التي سطَّرَت، بدَمِها، معانقةً للوطنِ سرمديّةً، وأعلنَت أنّ لبنانَ لا يُبدي خَدَّهُ إلّا للَّذين ذابَت ذواتُهم في ذاتِه، وليس لمُشَلَّعي النُّعوتِ أصحابِ آفاتِ الخُلقِ في وليمةِ الغَدر، الذين يريدون قتلَ الكيانِ، وسَحقَ الحريّة، ولا عَجَب، فمن المُلَوَّثين لا ينضحُ إلّا الشَرّ، فيبتلعُهم الجحيمُ بموبِقاتِهم.

هذه “مي نصفُ إنسان”، المُمَدمَكَةُ بالثّورة، والثّورةُ أفضلُ تجسيدٍ للدّفاعِ عن السّيادةِ شِعاراً للكرامةِ الوطنيّة، وقد رفضَت “مي” التّنازلَ عنها لأنّ فقدانَها يعني فِقدانَ مبرِّرِ وجودِ الدّولةِ ذاتِها، وانتقاصاً سافراً لكرامةِ الأرضِ والشّعب. من هنا، لطالما سألَت “مي”: أَيُّ هيكلٍ فارغٍ يُمسي الوطنُ، إذا أُتلِفَت سيادتُهُ؟ وأيُّ مَهانةٍ، له، يستدعيها انتهاكُ هذه السّيادة؟ وكان الجَوابُ إرهاباً طالَ نصفَها، لكنّ الجراثيمَ لم تستطعْ، يوماً، الفتكَ بِمَن حُصِّنَ بالإيمانِ والعنفوان.

أيّها الغرائزيّونَ المُدارونَ بآلاتِ السّفاهة،

أنتم مِنبرٌ مجّانيٌّ لِوَرَثَةِ الشّياطين، سادوم زمانِ لبنان، أولئكَ الذين خافوا من “مي نصفِ إنسان”، لأنها أكثرُ فَتكاً من سُمِّهم، وأشدُّ تحصيناً من أصنامِهم، وأقوى جرأةً من إرهابِهم، وأَنقى مَظهراً من تَشَوُّهاتِهم، وأعظمُ تأثيراً من تَلفيقاتِهم. فبالرَّغمِ من استِشراءِ انحرافِكم، واختِلالِ حسِّكم الإنسانيّ، وتَماديكم في خيانةِ الوَعيِ والضّمير، واختِلاقِكم بِدَعاً ممهورةً بالخيانةِ والغَدر، ستبقى “مي شدياق” عجينةَ شَبَعِ الكرامة، دالّةً على الارتباط المُقَدَّسِ بالولاء، ومَمَرّاً إلزاميّاً لِفَهم قيمةِ افتداءِ الوطنِ بفائضٍ من العنفوانِ الذي لا يَلوي عُنُقاً مهما قَسا عليه الإرهاب.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل