إمَّا  رفع الحصانات أو إغتيال الضحايا والقضاء مرتين!!

كتب النائب وهبي قاطيشه في “المسيرة” – العدد 1719

عناصر الجريمة وأبطالها… هذه هي الحقيقة

إمَّا  رفع الحصانات أو إغتيال الضحايا والقضاء مرتين!!

 

في الرابع من آب 2020 حاولوا إغتيال بيروت بأكبر إنفجار عرفته البشرية عبر تاريخها الطويل (باستثناء تفجيري هيروشيما وناكازاكي النوويين). أكثر من مئتي ضحية وستة آلاف جريح ومصاب وعشرات الآلاف من النازحين؛ بينما البيوت المهدمة والمتضررة تجاوز عددها عشرات الآلاف، بالإضافة إلى تحطيم واجهة المدينة الشمالية الشرقية، وتدمير المرفأ وتعطيل دوره في اقتصاد لبنان والمشرق العربي؛ وإفلاس مئات الشركات ومصالح الناس وأبواب رزقهم….. كل ذلك حصل خلال لحظات أمام أعين العالم ودهشته. والأخطر من ذلك أن المجرم لا يزال يُصرّ على اغتيالها مرة أخرى عن طريق محاولة الإفلات من العقاب.

كالعادة وقف بعض المسؤولين، وعلى رأسهم رئيس الجمهورية ميشال عون، ووعدوا الشعب اللبناني بإجلاء الحقيقة خلال خمسة أيام. وها قد مضى حتى اليوم 73 مرة خمسة أيام، ولا يزال الشعب ينتظر معرفة حقيقة ما جرى؛ وقد ينتظر كثيراً قبل الوصول إلى كشف الجناة ومعاقبة المسؤولين عن الجريمة.

عناصر الجريمة محددة بثلاث مراحل زمنية وتنفيذية، ولكل مرحلة من هذه المراحل «أبطالها». المرحلة الأولى تبدأ مع بداية رحلة الموت في جورجيا وما سبقها من تحضيرات إدارية، وتنتهي في وصولها إلى مرفأ بيروت. والمرحلة الثانية تتناول إفراغ وتخزين وإدارة حمولة الباخرة في المرفأ طيلة أكثر من ستة أعوام. أما الثالثة فتختصر بالإنفجار وتداعياته على البشر والحجر والإقتصاد.

في كل تلك المراحل، معالم الجريمة وعناصرها عديدة وواضحة؛ لأنها امتدت على أعوام، وعناصرها تحاكي الماديات والملموس؛ من باخرة وآلاف الأطنان من الحمولة، إلى شركات وعشرات الأشخاص والمسؤولين، كلها تشاركت على عدة سنوات في تنفيذ مراحل الجريمة؛ لذلك فاكتشاف المسؤولين عنها من قبل محقق عدلي، قد لا يتطلب كل هذه الأشهر من الجهد، إذا ما أطلقت يده بحرية للبحث عن «أبطال» هذه الجريمة.

المرحلة الأولى من الجريمة بدأت مع شركة وباخرة ببحارة وربان ومالك سفينة…. في أحد مرافئ جورجيا وأحد مصانعها، وأبحرت عبر البحر الأسود وبحر مرمره وبحر إيجه والبحر المتوسط، لتطلب اللجوء إلى مرفأ بيروت، «متظاهرة» بعطل فني، وعدم إمكانيتها إكمال الإبحار إلى دولة الموزامبيق (على الشاطئ الجنوبي الشرقي من القارة الأفريقية )، كلها عناصر مادية يمكن تحديدها بسهولة: أولاً لوفرة عناصرها المادية، وثانياً لضرورة العمل والتنسيق بين كل هذه العناصر لتنفيذ الجريمة. لذلك فالوصول إلى كشف خيوط الدوافع والإرتباطات والخلفيات لكل هذه العناصر أمر بسيط جداً ويمكن لأي محقق عدلي عادي تفكيك رموزه وخلفياته بسهولة. والواضح أن المحقق العدلي الأول فادي صوان والمحقق العدلي الثاني طارق البيطار، نجحا في كشف كل هذه الخيوط والترابط في ما بينها.

المرحلة الثانية: والتي استمرت حوالى سبعة أعوام، منذ وصول الباخرة إلى بيروت، وإنزال حمولتها (2750 طن من النيترات) وإغراقها لاحقاً، وصولاً إلى انفجار ما تبقى من حمولتها في مرفأ بيروت؛ والذي قُدِّر بحوالى 500 طن، هذه المرحلة هي الأسهل في التحقيق، لأن مجمل عناصرها مادية وملموسة بامتياز، كونها تشمل وزراء وقضاة وأمنيين تابعين لأجهزة أمنية محددة وإداريين في المرفأ….. ولا يمكن لكل من هذه الأجهزة أو أفرادها العاملين في المرفأ، التفرّد بتغطية وجود هذه المواد؛ وهو مضطر أولاً إبلاغ رؤسائه، وثانياً التنسيق مع باقي الأجهزة، سواء أكانت أمنية أو إدارية… لتغطية الجريمة. لذا يمكن إعتبار تحديد المسؤوليات في هذه المرحلة أمر سهل جداً، كذلك بسبب توفر العناصر البشرية (وكلها لبنانية)، من ناحية العدد وتنوّع الوظائف والمسؤوليات، وأيضاً لناحية طول المرحلة التي تم تغطية الجريمة فيها لأعوام عديدة. والعنصر الأهم في هذه المرحلة هو كيف أنزلت حمولة الباخرة (2750 طن) من النيترات، واستمر إخراج معظمها (2250 طن) من المرفأ على مدى ست سنوات، تحت أعين كل هذه الأجهزة الأمنية والإدارية رؤساء ومنفذين وبمعرفة وتغطية الوزراء المعنيين بالموضوع.

المرحلة الثالثة، وتتناول أسباب الإنفجار ونتائجه. فالنتائج المادية التي تناولت الأضرار في العقارات حددها الجيش اللبناني؛ لكن وقع الإنفجار على الشركات والإقتصاد ومصالح الناس قد ترتبط بالتحقيق العدلي، ولاحقاً بالقضاء للتعويض على المتضررين. أما أسباب الإنفجار، فهذه  قصة طويلة قد يعجز التحقيق عن معرفتها لأسباب عديدة؛ أهمها أن الإنفجار حصل خلال لحظات، كما أن سبب الإنفجار، سواء أكان عملاً عدائيّاً أو إرهابيًاً أو إهمالاً…. فإن ذلك لن يؤثر في تحديد المسؤوليات المترتبة على الأجهزة الأمنية والقضائية والإدارية مؤسسات وأفراد ومسؤولين سياسيين.

ونظراً الى هول الجريمة وفظاعتها، وتشعبات عناصرها في الداخل والخارج، ونتائجها الكارثية، طالب حزب «القوات اللبنانية»، منذ اليوم الأول للإنفجار، بتحقيق دولي يمكنه الوصول بسهولة إلى عناصر الجريمة الخارجية، بين جورجيا ومرفأ بيروت والشركات التجارية والباخرة…. كما يمكنه بسهولة إجلاء حقيقة المرحلتين الثانية والثالثة. لكن «الوطنيين» المدافعين عن سيادة لبنان رفضوا تسليم التحقيق إلى مرجع دولي، بحجة أن في لبنان قضاء قادر على إجلاء الحقيقة، علماً أن كل اللبنانيين يعرفون جيداً، أنه لا يوجد حتى قصاصة ورقة تحقيق واحدة، في أي من جرائم الإغتيالات التي وقعت فوق الساحة اللبنانية، منذ أكثر من ثلاثة عقود حتى اليوم. وجرى تعيين القاضي فادي صوان، وهو المشهود له بمهنيته في قصر العدل ونقابة المحامين، للتحقيق بالقضية.

عندما انكشفت للمحقق خطوط القضية، توجه بكتاب إلى المجلس النيابي طالباً رفع الحصانة عن نواب حاليين ومحامين كانوا وزراء خلال مراحل الجريمة؛ لكن هيئة المجلس رفضت طلب المحقق العدلي وأعادته إليه رافضة رفع الحصانة، معللة ذلك بأنها لم تجد شبهة على هؤلاء المسؤولين وفقا لما تضمنه التقرير الذي رفعه المحقق إلى المجلس النيابي. وبدأت عملية المواجهة بين هيئة المجلس والمحقق. فالمحقق ليس ملزماً بالإفصاح عن كل معلوماته التي سيحتفظ بها الى حين إصدار قراره الظني بالقضية. وعليه بدأت محاولات تنحية المحقق فادي صوان عن القضية بحجة أن منزله يقع ضمن منطقة الإنفجار، وقد أصيب ببعض الأضرار المادية مما قد يؤثر على صدقية المحقق، ورفعت يده عن الملف.

تسلم القاضي طارق البيطار الملف، وباشر التحقيق. وبعد أشهر وجه كتاباً إلى المجلس النيابي، عبر مدعي عام التمييز ووزير العدل، طالباً بموجبه رفع الحصانة عن ثلاثة نواب شغلوا مناصب وزارية خلال مراحل تنفيذ الجريمة. فادعت هيئة المجلس المشتركة بأنها لم تجد في الملف عناصر للشبهة بالنواب، وسط معارضة مندوبي «القوات اللبنانية» في الهيئة المشتركة، فطالبت المحقق تزويدها بمعلومات إضافية لدرس الموضوع من جديد. لكن القاضي تمسك بحقَّه في التكتم على المعلومات قبل صدور القرار الظني، ورفض تزويد الهيئة بأية معلومات إضافية حفاظاً على سرية التحقيق. وللإفلات من وطأة المحقق العدلي، وفي محاولة لإحباطه أو….، تحاول الأغلبية النيابية اليوم إنتزاع الملف من يد القضاء العدلي لتحوّله إلى المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء، غير الموجود أصلاً إلا على الورق. والسؤال الذي يُطرح:

1- لماذا ترفض الأغلبية في المجلس، سلفاً، الإتهام الموجّه إلى الوزراء السابقين (النواب الحاليين)، مع أن الإتهام ليس إدانة، والمحكمة قد تدين أو تبرئ لاحقاً.

2- لماذا جوبه طلب القاضي الأول (فادي صوان) بقرار من هيئة المجلس «لا يوجد شبهة»، وأعيد الطلب إلى المحقق؛ بينما كتاب القاضي بيطار، والذي يتضمن نفس المعطيات، أجيب عليه بطلب معلومات إضافية من القاضي بيطار، الذي رفض الطلب إحتراماً لسرية التحقيق، ورفضاً للطلب غير المحق.

3- إحتراماً لمبدأ فصل السلطات، كيف يمكن للمجلس النيابي إنتزاع الملف من قاضي تحقيق عدلي، مضى على تكليفه في التحقيق عاماً كاملاً؟ فهل ما تقوم به الأغلبية في المجلس قانوني؟ طبعاً لا. أم هل المجلس بصدد محاكمة نفس القضية بعدلين مختلفين، الأمر الذي يتنافى مع مبدأ العدالة؟

4- يعتبر الخبراء أن العريضة هي التفاف على صلاحية القضاء العدلي، إذ تهدف إلى إرباك المحقق، لأن اجتهاد محكمة التمييز عام 2000 حسم الأمر لجهة التمييز بين الجرائم الناتجة عن العمل السياسي، والتي تذهب أمام المجلس الأعلى، وبين الجرائم العادية التي تذهب أمام القضاء العدلي. وجريمة مرفأ بيروت ليست سياسية؛ إنها عدلية بامتياز.

5- وأخيراً، المجلس النيابي يمثل الإرادة الشعبية بالإنتخابات، ودوره محدد في التشريع ومراقبة السلطات التنفيذية ومحاسبتها؛ لكن محاولة الأغلبية النيابية الحالية تنظيم عريضة إتهام نيابية بحق النواب لا يمكن اعتبار الهدف منها إلاّ عرقلة التحقيق العدلي، وبالتالي تهديم لشرعية المجلس النيابي.

باختصار، إن محاولة الأغلبية النيابية نقل ملف إنفجار المرفأ إلى المجلس الأعلى (الوهمي) لمحاكمة الرؤساء والوزراء، تهدف إلى عرقلة عمل المحقق العدلي القاضي طارق البيطار، ما يؤدي إلى إغتيال الضحايا مرة ثانية، واغتيال القضاء في لبنان، وإسقاط الدور التشريعي لمجلس النواب.

محاكمة العصر بقضية إنفجار مرفأ بيروت هي محطة مفصلية بين أن يكون لبنان وطناً تصونه العدالة، أو أن يستمر مزرعة لبعض مكوّناته. لكن اللبنانيين مصممون هذه المرة، وأكثر من أي وقت مضى، وسط هذه المعاناة الكبرى غير المسبوقة، على استرجاع وطنهم بريادة كاملة في هذا الشرق.

وهبي قاطيشه – نائب في البرلمان اللبناني

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل