.jpg)
دور بيروت الاستراتيجي في المتوسّط جعل منها عنصراً جاذباً للاستثمار حتى في حمأة كآبتها وذروة دمارها. فسال لعاب دول عدة لإعادة إعمار مرفأ بيروت ومحيطه إثر انفجار بيروت الآثم، فتتالت الوفود الأجنبية والعربية مبدية اهتمامها بهذا الاستثمار الرابح استراتيجياً ومادياً. ماذا يقول الخبراء في قراءتهم لهذا التنافس الدولي؟
يرى الخبير الاستراتيجي سامي نادر، في حديث لموقع “القوات اللبنانية”، أن “مرفأ بيروت من المرافئ النادرة الموجودة في شرقي المتوسط، إذ في سوريا ثلاثة مرافئ استراتيجية، هي اللاذقية وبانياس وطرطوس، لكنها تحت السيطرة الروسية، ما يعطي مرافئ لبنان أهمية جيو – استراتيجية أكبر مع دخول روسيا من البوابة السورية، إلى ضفاف شرقي المتوسط، بالإضافة إلى الوجود التركي الذي يأخذ استقلاليّته من الناتو. فأعدت تركيا “أجندتها الاستراتيجية” الخاصة، بعدما استمرت 70 عاماً تدير ظهرها للعالم العربي، وكانت عيونها شاخصة دائماً إلى القارة الأوروبية”.
يضيف، أما اليوم فأصبح هناك تنافس إقليمي حول شرقي المتوسط من جهة، ومن جهة أخرى يوجد نفط وغاز في تلك المنطقة، ونرى الصراع القائم بين تركيا وفرنسا والصراع الآخر على ترسيم الحدود في بحر ليبيا ولبنان، وبالتالي وجود النفط والغاز أحيا هذه المنطقة وبدأ التنافس على اتخاذ مواقع أساسية فيها ليعزز مَن يفوز بها، أهميّته على الصعيد الإقليمي.
وعلى الساحة الدولية، “نرى صعود الصين ببرامجها الجديدة لطُرُق الحرير”، فهي تسعى إلى الوصول إلى المرافئ لتوصل نفسها بأوروبا وتوصل العالم ببعضه البعض، بطرُق تجارية أدخلتها إلى كل القارة الأفريقية وباكستان وسيريلانكا والآن إلى إيران”، وفق الخبير ذاته.
ويتابع نادر، من هنا تسعى الصين إلى بناء طُرُق الحرير التي تمثل الحجر الأساس فيها المرافئ الموجودة في السودان وباكستان وسيريلانكا. أما بالنسبة لبيروت، فكانت عين الصين على مرفأ طرابلس لما يشكّل من نقطة استراتيجية لإعادة إعمار سوريا، لكن عزيمتها هبطت لسببين:
– أولاً: لن تنتقل سوريا غداً إلى تحقيق نمو اقتصادي ضمن حركة اقتصادية طبيعية.
– ثانياً: الروس في سوريا من جهة وفي الجهة الأخرى الأميركيون، وبالتالي هناك زحمة دول عظمى قد لا تجد بينها مكاناً.
وفي ضوء ذلك، لا يرى الخبير ذاته أن باستطاعة الصين الدخول إلى السوق اللبنانية لأسباب عدة؛ أولاً: غياب الاستقرار السياسي، ثانياً: هناك منافسة حقيقية حيث لا تملك جذوراً تاريخية، بل هناك منافسون حقيقيون.
وإذا كانت ستلجأ إلى الرافعة الإيرانية للدخول إلى لبنان، “فمشروعها في إيران لاقى اعتراضاً في الداخل الإيراني، وبالتالي لا أجد أن خيار التوجّه شرقاً سيُكتب له النجاح، كما أن القوى الإقليمية الكبرى، في ظل احتدام المنافسة العلنيّة بينها وبين الولايات المتحدة، لن تدعها تتمدّد في الداخل اللبناني. من هنا، يغيب هذا الموضوع عن الأجندة الإقليمية والدولية في الوقت الراهن”.
وعن ترجيحه للدولة التي ستفوز بإعادة إعمار مرفأ بيروت، يقول نادر، تركيا قدّمت عرضها وكذلك الصين، وفرنسا التي لديها جذور تاريخية في لبنان. ففي الواقع اللبناني سيحدث ما يشبه كونسورسيوم النفطي القائم، ما يعني أنه عندما يحين موعد التسوية سيتوزّع مرفآن أساسيان في لبنان: مرفأ بيروت ومرفأ طرابلس على كبريات الشركات وأهمّ المقاولين بما يشبه كونسورسيوم النفط: فرنسا وإيطاليا وروسيا. أي دول نافذة تملك إمكانات المنافسة. هناك دول لديها وجود تاريخي في لبنان كفرنسا على سبيل المثال، لكنها خسرت كثيراً من مقوّمات نفوذها لصالح دول أخرى.
ويخَلُص إلى القول، كل ذلك يتوقف عند موازين القوى، فهناك دول قوية جداً في مجال المرافئ كدبي مثلاً ممثلة بـ”شركة مرافئ دبي”، إنما السؤال “هل دبي مهتمة بالمرافئ اللبنانية؟ كل ذلك يتوقف على موازين القوى عندما تدق ساعة التسوية التي لم تظهر ملامحها حتى الآن.
أي عملية نسخ من دون ذكر المصدر تعرض صاحبها للملاحقة القانونية.