أهراءات الحنطة وبذور الوطن (بقلم بيار بو عاصي)

4 آب 2020 الساعة 6:00 مساءً.

كانت البلاد تعيش بسلام على الوتيرة المعتادة، فساد وعدم كفاءة وأزمة اجتماعية-اقتصادية غير مسبوقة… وكوفيد. بالنسبة للكثيرين، كان كل شيء على ما يرام.

مجموعة من شباب الإطفاء كانوا يحاولون التعامل مع حريق في المرفأ بالقرب من العنبر رقم 12. ما من حدث جلل يذكر.

كان أهل بيروت منصرفون لانشغالاتهم. طلاب يدرسون، اهلهم قلقون على مستقبلهم، نساء تنجب، متقاعدون يشعرون بالملل …

انفجار أول. ترتفع سحابة بيضاء في السماء. حين يسمع اهالي بيروت انفجاراً، يسارعون إلى اقرب شرفة أو نافذة. انه ارث الحرب، انها حاجة المعرفة والتموضع بالنسبة للحدث.

لم يكن لدى هؤلاء الأناس الطيبين ادنى فكرة عما ينتظرهم، عن مشهد الرعب ودورهم فيه كممثلين وضحايا. لن يطول الانتظار.

18:08

يُعلَن عن بدء عرض مسرحية الموت بأكبر انفجار تقليدي في التاريخ.

ترتفع سحابة بنيّة في سماء بيروت تذكرني بلوحات الرسام سيزان. اقتحم فطر أبيض أحياء الأشرفية فبَقَر بطنها وعاد فانسحب منها مقتلعاً أحشاءها. مرَّ العصف عبر كل شيء، دمر كل شيء، الأسطح والجدران والانسان، قطع الرؤوس ومزّق الاجساد، حرق اللوحات والذكريات. حوّل العاصمة إلى ركام، الى أشلاء مبعثرة تبحث عن قبر لتنام.

دفنت الرفاة بالعشرات شرط العثور عليها وتحديد هوياتها. “أتوسل إليك أن تجد لي قطعة من جسد ابني. واجب علي ان ادفنه”، قالت لي والدة إطفائي شاب مفقود. وهكذا كان.

معالجة الجرحى المستغيثين مهمة شبه مستحيلة بسبب الدمار اللاحق بالمستشفيات.

كان ذلك يوم 4 آب 2020 الساعة 6:08 مساءً. لا شيء سيعود كما كان. يجب ألا يعود كل شيء كما كان.

لقد ارتُكبت جريمة بحق الشعب اللبناني، بحق الإنسان والإنسانية. 2750 طناً من نترات الأمونيوم مخزنة في الميناء، بقلب العاصمة بيروت، لمدة 7 سنوات تقريباً مع سابق الإصرار والتصميم واللامبالاة والتواطؤ والجبن.

الغائب الكبير عن هذا المشهد المأساوي هو الحقيقة والعدالة.

تحاول السلطة جاهدة التسويف بغية تحويل الجريمة الكبرى إلى خبر متفرقات، بل إلى شيء من المحرمات، كأنها مأساة عائلية، كما لو كان انتحار أحد الأحبة أو جريمة بين أخوة.

الإرهاب مستمر في أبشع صوره. الخوف اللاحق للصدمة من الانفجار اندمج مع خوف المطالبة بالحقيقة جهاراً. لسنا بصدد متلازمة ستوكهولم الناتجة عن تعاطف الضحية مع جلادها. الامر اشد هولاً. إنه الخوف من عودة الجلاد إلى إجرامه لأنه قادر أن يضرب كما يشاء من دون حساب او عقاب. غياب الحقيقة والعدالة رمى شعبنا الضحية في جحيم الشعور بالخوف والعجز والذنب.

تأثير الكارثة الوطنية على الأمة كتأثير نفخ الهواء على النار، يلهب الشعلة القوية ويطفئ تلك الهزيلة إلى الأبد.

بيرل هاربور ، احتلال باريس، بعض من مآس وطنية وحدت الأمم المهددة وخرجت منها منتصرة وأكثر اتحادًا من أي وقت مضى.

عندما يضرب الظلم والعدوان شعبًا، ما من سبيل سوى الاتحاد حول القيم المشتركة والمواجهة في سبيل الحق. هنا تكمن اسرار النجاح وبذور النصر.

ما من مقاومة ناجحة، منتصرة، دون شعب شجاع متماسك.

خير مثال على ذلك حينما احتشد الشعب اللبناني متحداً لتحرير البلاد من الاحتلال السوري يوم ١٤ آذار ٢٠٠٥، فكان له ما اراد.

4آب 2020 الساعة 6:08 مساءً كان موعد عرض الدراما ولكنه لا يختزل المأساة بأكملها. ما هو أكثر مأساوية، لأنه أكثر ديمومة، هو الازدراء بالحياة والمخططات القاتلة التي تتنقل بوقاحة في مناخ من الإفلات من العقاب المقزز كما القاتل.

وحدها المطالبة بالحقيقة، الحقيقة الكاملة ولا شيء سوى الحقيقة يمكنها أن تكون مدماكاً للأجيال القادمة.

لا يمكن للحصانة أن تصبح رديفاً للإفلات من العقاب. سَوق المسؤولين والمتهمين امام العدالة لمساءلتهم أمام الشعب هو معيار بناء الأمم.

هذا واجبنا تجاه بلدنا وتجاه ضحايانا وأسرهم وتجاه أنفسنا.

لم نكن يوماً شعباً جباناً ومن واجبنا التمسك بحقوقنا. الجبن هو الحاجز الذي يفصل خنوع التأقلم مع الواقع عن ارادة المقاومة. عطاء الذات هو خط السلوك الذي يتجاوز المقاومة نحو الانتصار.

4 آب 2020 بدأ قبل وقت طويل من تاريخ الرعب وما زال مستمراً.

مسؤوليتنا الجماعية ان ننهي هذه المسيرة المأساة نحو الجحيم. من واجبنا أن نسير على طريق الشجاعة والتضحية بالذات التي تؤدي وحدها إلى الحقيقة والحرية والنصر.​

المصدر:
L'Orient Le Jour

خبر عاجل