مواد المرفأ المسرطنة في الأسواق والبيوت

ليس مستغرباً أن يحصل ما حصل في بيروت، في 4 آب 2020، مع وجود حكومة فاشلة متخاذلة مهملة، تغسل أيديها مما ارتكبته من فاجعة ونكبة بحقّ شعب بأكمله “عند أول كوع”.

المواد الغذائية والأدوية التي كانت مخزنة في المرفأ لحظة الانفجار، والتي تحولت إلى مسرطنة بسببه، توّزع جزء كبير منها على الأسواق، بحسب المعلومات التي حصل عليها موقع القوات اللبنانية الالكتروني. علماً أن خبراء كثراً أكدوا أن هذه المواد باتت غير صالحة للاستهلاك، وكرروا نداءاتهم مرات عدّة.

وتجدِّد أستاذة الكيمياء التحليلية، مديرة مركز حفظ الطبيعة في الجامعة الأميركية في بيروت، نجاة عون صليبا، النداء، في حديثها لموقع “القوات”، متسائلةً بدهشة واستغراب، “كيف يمكن أن يعتبر أحد أن هذه المواد لا تزال صالحة للأكل أو للتوزيع على السوق؟”.

وتوضح، أنه “إضافة إلى ما تعرضت له المواد الغذائية والأدوية بسبب الانفجار، هي ليست موضّبة ولا مختومة ومرَّت بظروف مناخية متفاوتة، فكيف يمكن أن تبقى صالحة للاستهلاك؟”. وتشدد على أنه “حتى بإعادة التدوير، المواد غير صالحة، أيعقل أن يفكروا بتوزيعها على السوق؟”، وتضيف، (لازم كلنا نوقف بوجّن)”.

لكن للأسف، الموضوع تخطى التفكير والتخطط، إنما نفّذ. والمواد توّزع بعضها على الأسواق في مناطق مختلفة. حاولنا الاتصال بالمعنيين بالملف، وهم كثر، للتأكد من صحة هذا الموضوع، لنلقى جواباً صادماً من أحدهم، “المواد لم تتضرر، وكتّر خير الله أنه لحظة حصول الانفجار، العناية الالهة رأفت بنا وأبقت على بعضها”، مضيفاً بضحكة ساخرة، “المواد ما صرلها شي، لا سمح الله إذا في شي منكون أكلناهن!”.

حاولنا الاتصال مرات عدّة بوزارة الاقتصاد والتجارة المعنية مباشرة بالأمن الغذائي. لا جواب. لا بل تبرَّأ المعنيون من المسألة، معيدين مرجعية الملف، مرة إلى وزارة الأشغال العامة والنقل، ومرة إلى إدارة مرفأ بيروت، وأخرى إلى الجمارك، كما إلى رئيس نقابة مستوردي المواد الغذائية هاني بحصلي.

من الاقتصاد، انتقلنا إلى وزارة البيئة المعنية بشقّ تلف المواد والسلع والبضائع، علَّنا نعرف أقله إن كان بعض المواد تم إتلافه فعلاً. وزير الزراعة في حكومة تصريف الأعمال عباس مرتضى، أوضح، لموقع “القوات”، أن وزارته معنية بالتلف بالتنسيق مع باقي الوزارات لوضع آلية مناسبة على هذا الأساس”، مشيراً إلى أن “وزارتي الزراعة والبيئة ليستا معنيّتان إلا بتلف الأدوية الزراعية الفاسدة أو المنتهية الصلاحية التي قد تسبب ضرراً بيئياً كبيراً”. وأضاف، “تأمَّن جزء من التمويل لتلف هذه المواد، لكننا لا نملك كوزارة مواد من اختصاصنا في المرفأ، ولا دخل لنا بالمصادرات، بانتظار الوزارات الأخرى المختصة وأهمها الاقتصاد”.

نكرر محاولاتنا من جديد مع وزارة الاقتصاد والنتيجة واحدة، لا جواب. الوزير غائب عن السمع، والمعنيون في الوزارة كل منهم يرمي الملف على جهة مختلفة، ما يؤكد، (من دون الحاجة إلى طرح السؤال)، ألا خطة، ولا خارطة طريق، ولا من يذكّر الوزير بمهامه المرتبطة بالمرفأ، لأنه من الواضح عدم وجود تنسيق بين المستشارين أنفسهم.

اتصلنا بمستشار وزير الأشغال والنقل، بيار بعقليني، فأكد لموقع “القوات”، أن “الأمر من اختصاص وزارة الاقتصاد، باصماً بالعشرة أن مهام الأشغال لوجستية في المرفأ نتيجة الانفجار لضمان عدم حصول أي حادث جرّاء تضرر المنطقة ومحيطها”، ومشيراً إلى أن “مهام الأشغال تكون تبعاً لخارطة طريق يضعها وزير الاقتصاد راوول نعمة”.

من جهته، رئيس نقابة مستوردي المواد الغذائية، هاني بحصلي، لديه شكوك بـ”وجود مواد كثيرة لا تزال في المرفأ بانتظار التلف”، مضيفاً أن “الأمر لا يقتصر على وزارة الاقتصاد، المعنية فقط بالأمن الغذائي”، ومرجحاً أن “التأخير في التلف سببه روتين إداري لا أكثر”. لكن من خلال اتصالاتنا، استنتجنا بأن الموضوع ليس روتيناً إدارياً بالتأكيد، إنما خلافات شخصية وتخاذل وغسل أيد من المسؤولية.

من بحصلي، توجّهنا إلى المدير العام لمرفأ بيروت بالوكالة، عمر عيتاني، الذي قال إن “الموضوع ليس عنده وليست بيده أي معطيات”، مشيراً إلى أن “ملف التلف عند الجمارك التي استلمت هذا الملف لأن البضائع أصبحت قديمة”.

باختصار، قصة حزينة تختزل وضع لبنان. أردنا فقط متابعة مسار ملف المواد والسلع التي كانت في المرفأ لحظة الانفجار لمعرفة ما حلّ بها، وإذا ما أُتلف بعضها أو متى سيُتلف، لندخل متاهة لا نهاية لها. ظننا أن الأسئلة بسيطة والأجوبة أبسط، لكن لا أجوبة ولا متابعة للملف من الأساس.

لم نكن نتوقع المستحيل في دولة الفشل، إنما أقله جواباً واحداً بسيطاً فقط. إلا أن المسؤولين اللامسؤولين لا يحتارون بكيفية صدمنا، فكلما ظننا أن الفشل والتخاذل بلغا الذروة، نراهم يتفوَّقون على أنفسهم ويخصصون أوقاتهم للمؤتمرات والبروبغندا وتجييش ما تبقى من مناصرين لهم، حتى لو كانت صحة الناس وأولادهم على المحكّ.

أي عملية نسخ من دون ذكر المصدر تعرض صاحبها للملاحقة القانونية.​

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل