أنا بيروت. 4 آب يقتلني… سأقتلهم لأحيا!

كتبت فيرا بو منصف في “المسيرة” – العدد 1719

تقف المدينة أمام حالها ولا تعرفها، تسأل بفجيعة «هذه أنا؟! أنا بيروت؟! أنا الساحرة الأسطورة الطالعة من مجد الأزمان، المتلألئة على شاطئ الشرق، الراقصة على أوجاع الأيام وأفراحها، المتغاوية على الحكايا؟! أجيبي، أنتِ بيروت؟ أنتِ أنا، أم أنتِ شيطان تفجّر من القبور لتصير المدينة تابوتاً لأبنائها؟!…

تسكت بيروت، لا تجيب، لم تكن في البيت أساسًا لتجيب، كانت تقف هناك عند باب مسؤول، تقرع بابه بشدة وهو لا يجيب. تصوَّروا المسؤول يرى نفسه أهم من بيروت، أكبر من ضحاياها، مسؤول متورّط يترك بيروت على قارعة مأساتها تتسوّل العدالة!!!

«إنكسرت صورة إبني. لأ لأ. ما بقي إلي منو إلا الصورة» وغمست وجهها بزفت الشارع تبحث عن فتات الصورة، بينما جرحت يديها بالتدافع بينها ورفاقها والقوى الأمنية المولجة حماية منزل مسؤول إختبأ في بيته ورفض لقاءها ورفاقها لأنه لم يتجرأ على مواجهة من كسرت المأساة قلوبهم حتى العظام. «إبني بيسوى أكبر راس فيكن» صرخت أخرى، بينما كانت دعسات أكثرية النواب تزرع عارها في البرلمان وتسجّل رفضها لرفع الحصانة عن نواب يطلب المحقق العدلي طارق البيطار التحقيق معهم.

هي جبهة بين الخير المطلق والألم المطلق والشر المطلق، أهالي ضحايا 4 آب، والسلطة اللبنانية بأركانها كافة. صاروا سنة، تنعشر شهرا يا بيروت وأنت على هذه الحال. أين كنتِ قبل 4 آب وأين أصبحتِ؟ كم حكاية عبرت قبل ثوان من تلك المجزرة الرهيبة، وكيف صارت الحكايات بعد ثوان على كل ذاك الإرهاب غير الموصوف. كأنني أفتح كتاب حياة، أتصفحك خبريات كانت ملوّنة في ذاك المساء المشؤوم، وما بين الحياة والشؤوم ثوان معدودة. ما بين الحياة والشؤوم كُتب مصير غير مسبوق في تاريخ المدن والقارات وقصص لا تمحوها ذاكرة.

هذه عروس جميلة تتغندر في شوارعك بثوبها الأبيض، تتصوّر وعريسها، فجأه طارت الطرحة البيضاء، صارت حمراء، الفستان الأبيض صار أسود. «جدو ناطرتك بدنا نتمشى ع الرصيف»، وخرجا معاً، كان البحر أزرق جميلاً والموج ناعمًا يتلاطم ع الهدى، فجأة اختفى جدو من الطريق لترى ما تبقى منه على زجاج بقايا سيارة، ونظرت الصغيرة الى وجهها ويديها وثوبها وإذ بها خارطة مدممة بتوقيع أصابع مجرم الأمونيوم»… جبت الكاتو ماما؟ هلأ بتوصل إختك وبدنا نحضّرلا المفاجأة». «يللا يللا أنا هون تحت عند المدخل»… لم يتبقَ مدخل ليدخل منه الى البيت، ولا طاولة ليطفئ عليها شمعة العيد، التفجير غير النووي أشعل كل شموع الأرض وصارت صاحبة العيد شمعة في صلاة…

لا، لا تحزني بيروت، يجب أن أفعل وأدوّن وأخبر كل ما كان وما صار، أنت بيروتنا، أنت نحن ونحن أنتِ، أنتِ عمرنا، حالنا، كرامتنا، نضالنا. أنت ضوءٌ لا ينطفئ مهما حاولوا إغراق معالمك في ظلامهم وظلامتهم.

أتدرين بيروت أن في عز المجزرة كانت حياة تولد من قعر قعر الموت؟! هل أخبروك عن تلك الممرضة التي احتضنت 3 أطفال والدنيا من حولها نار ودمار، وعانقتهم وهربت بهم الى مستشفى آخر أقل تضررًا، صاروا اليوم بعمر السنة؟ هل أخبروكِ بيروت أن زوجًا كانت تلد زوجته، وعلى رغم الدمار من حولها أنجبت الحياة والدنيا تدوِّي موتاً؟ هل شهدتِ بيروت على ما فعله شعبك حين أصابتك الفاجعة؟ كيف هرعوا لنجدتك بيتاً بيتاً ولم ينتظروا دولة أو سلطة مجرمة متواطئة عليهم؟ شمّروا عن زنودهم ليعيدوا إليك بريق الحياة من جحيم الموت.

أنظري الى الأرشيف بيروت. الشباب والصبايا كبروا فجأة وصاروا جميعهم مسؤولين، يتحمّلون مسؤولية شعب بكامله. حملوا المكانس والمعاول والضمادات والأكل والشرب… هم كل شيء، كل الوظائف والمهن والمسؤوليات، نزلوا الى ركامك المقدس، حملوه فوق أكتافهم، وأعلنوا الحياة على الموت وفي وجه من تُسمّى سلطة ليست سوى عميلة لشياطين الإحتلال والموت.

أعترف لكِ بيروت، أني أهرب في ليلي ونهاري من ذكرى ذاك النهار، ولا أستطيع. الدوي العصف الإنفجار، لا أعرف ما إسمه، يسكن عظامي، وكلما تذكرت اللحظة أرتجف ذعرًا يأسًا خوفاً فأهرب. لكن لا… لن نهرب. ماذا نقول للضحايا إذا فعلناها وهربنا؟! ضحايا أم شهداء؟ ماذا أسميتِ من تشلّعوا عند أبوابك البحرية واستحمّوا بنيران نترات الأمونيوم، وتغمّسوا بالنكران والجريمة منذ 12 شهرًا كاملاً؟! نعم إنهم ضحايا، ضحايا مجرم نيترات الأمونيوم، ضحايا مَن عرف سابقاً وسكت، ضحايا من أدخل مواد الموت وأقفل العنابر وحجبها. ضحايا من فجّر ونكّل ثم عاد وهدّد من تحت الأرض وفوقها بأن الحقيقة لن تُعرف…

يصرخون ليل نهار بدنا العدالة، وينكن وين العدالة؟». العدالة وقفت على قاض نزيه طالب برفع الحصانة عن مسؤولين، والسلطة رفضت رفع الحصانة. بدنا نعرف الأصول الدستورية قبل قرار رفع الحصانة»!!! قال فيما قاله إيلي الفرزيلي!!

معقول، يريدون درس الأصول الدستورية لذبح 200 ضحية وأكثر من سبعة آلاف جريح ودمار كاد أن يكون كاملاً لمدينة لولا الرحمة الإلهية. أصولهم الدستورية يا بيروت إخفاء الأدلة والمجرمين والتستر عليهم. أصولهم الدستورية يا بيروت الإنصياع للمجرم على حساب صراخ الأمهات والآباء…

وأنا أكتب كنت أراقب الأهالي، صراخهم ينخر قلبي كما يفعل بقلبك تمامًا، هم لا يصرخون بل يفرفرون كعصافير مذبوحة على حدّ سكين السلطة. كيف يتحمّلون؟ أسأل نفسي دائما السؤال. كيف تحمّلوا كل ذاك الألم غير الموصوف؟ أسأل وأخاف أن أُتهم بالكفر. لماذا فعلوا ما فعلوه بكِ يا بيروت…

لن يبقى رالف ملاحي تحت الأنقاض، ولا شربل حتي، ولا العروس سحر فارس، ولا جو نون، ولا الشاب الياس الخوري، ولا تلك الطفلة الرائعة العيون ألكسندرا نجار، ولا ولا ولا… ستناضل بيروت بعد لأجل عدالتها على الأرض قبل عدالة السماء، وهذا من حقها، ستنتصر. لأن كل هؤلاء الذين راحوا، وكل من نجا وصمد، يقفون عند قارعة العدالة ويصرخون في وجه المجرمين، ستنتصر. ستنتصر لأنها تزرع الدروب من دعساتها المباركة وخطواتها المقدسة لأجل الحق والحقيقة ولأجل الإنسان وستنتصر بيروت… لا تضعوا الورود على قبور من راحوا، ، بل أغرزوا علم الوطن فوق أرواحهم، واصرخوا بالعدالة لأجل من راحوا ولأجل بيروت… فاغفري لنا كل تلك الخطايا.

 

صراخ… إعتصام… مواجهة… إنه صوت الضحايا

أي كلام يُقال حين تصرخ أم شهيد «حذاء إبني أشرف منكن إنتو لـ مخبايين بالقصور؟»

ماذا يُقال حين يصرخ أب شهيد، كان من المفترض أن يكون إبنه عريسًا بعد يومين، فزف الى التابوت الأبيض ذاك الـ4 آب؟! بماذا يجيب العسكري الواقف حاجزًا دونه ودخول ما يُسمّى «قصر عين التينة»، لأن أوامره تقضي بمنع أهالي الضحايا من الدخول، فوقف بوجهه يصرخ كالطير الجريح «يا ويلكن من ربنا يا ويلكن منا» وتنهار دموع الجندي أمام ألم الأب المفجوع؟!

ماذا تفعلون بهم وبنا؟ من أنتم لترفضوا مقابلة هؤلاء الأهالي؟

هم أبناء الوطن النبلاء الأمراء. وأنتم أبناء المنظومة الحاكمة، وهم ونحن أبناء والأمل والنضال والمقاومة حتى آخر الأنفاس لأن ترحلوا.

كل صوت صارخ هو صوت الضحايا. كل إعتصام كل مسيرة كل مواجهة سلمية أو عنيفة، هي صوت الضحايا.

هم سلاحنا، هم صوتنا، هم شفاهنا قلبنا كرامتنا نضالنا.

لن تقفوا بعد اليوم أسودًا متنمّرة في وجهنا. لن نسمح لكم بقتلنا ونحن أحياء.

لن نكون قوتاً لمغاوركم، ولا طعامًا لبطونكم الممتلئة من قمح الشعب، ولا كؤوس دماء تسكرون بها على أصوات صراخنا… ستنقلب الآية، ستكونون أرقاما في سجون الحق، وسنكون نحن أسياد الحقيقة والقانون.

ف. م

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل