
كتبت سيريل صالح في “المسيرة” – العدد 1719
باميلا زينون: “قد أسامح لكن لا أنسى”
حملت الأطفال وخرجت بهم الى الحياة
365 يوما على ذلك اليوم المشؤوم، وحتى اللحظة لا تزال تفاصيل الكارثة تنخر ذاكرة اللبنانيين وستبقى… لم تجفّ دموع الأمهات الثّكالى، ولم تُرفع يد العدالة، ولم تكشف التحقيقات شيئاً. يوم الرّابع من آب عام 2020 خُلّد طعنةً في خاصرة الوطن. الساعة 6,07 لبست العاصمة بيروت وشاحًا أسود، اعتمرت قبّعةً سوداء، وسقطت ضحيّة أعظم جريمة في تاريخ الوطن وثالث أكبر إنفجار في العالم. من بين ركام المدينة وسيول الدّم في الشّوارع، ركضت بطلة بين يدَيْها جزءٌ من مستقبل لبنان إلى جهةٍ مجهولة. ركضت مضرّجةً بدمائها نحو بقعة خلاص، حاملةً بيديها رسالة. إنّها الممرّضة باميلا زينون، البالغة من العمر ٢٦ سنة، والتي أنقذت ثلاثة أطفال من حطام مستشفى القدّيس جاورجيوس. سيرة سيخلّدها التاريخ، لكن التفاصيل ستبقى رواية مفتوحة في كتاب عمر باميلا.
جريًا على عادتها، بدأت باميلا نهارها بشكلٍ طبيعيٍّ جدًّا في طابق الأطفال في مستشفى القدّيس جاورجيوس حيث تعمل. الساعة السادسة وسبع دقائق كانت على إتصالٍ مع والدتها. إهتزّ المستشفى وسمعت دويّ إنفجارٍ ضخم. للوهلة الأولى ظنت أنه تفجير ناتج عن عمل إرهابي داخل المستشفى، كونه نقطة إستقطاب كبيرة. لم تكن باميلا على درايةٍ بما حدث. جُلّ ما راود مخيلتها الأطفال الخمسة الذين كانوا في رعايتها. نفضت عنها ركام الدمار الذي تساقط من السّقف والزّجاج والحديد، جمعت قواها واستنجدت بزميلتَيْها المتضرّرتَيْن لإنقاذ الأطفال، إلّا أنّ حالتهما لم تسمح لهما بتقديم يد العون، فإصابتهما كانت بليغةً للغاية، وكانتا في حال صدمةٍ ولم تتمكّنا من تلبية النّداء.
حاولت باميلا الوصول إلى غرفة الحاضنة، لكن الأمر كان مستحيلا، وأصرّت على أنّها لن تخرج من المستشفى من دون إنقاذ «أطفالها»، فشقّت طريقها نحو الحاضنة بيدَيْها وسط الحطام، والشّظايا التي كانت لا تزال تتساقط من كلّ حدبٍ وصوب.
كانت الحاضنة في حال يُرثى لها: خمسة أطفالٍ نائمين بكلّ هدوءٍ داخل أسرّة الحضانة المبعثرة في غير أماكنها، فيما أحدث الرّكام أضرارًا جسيمة فيها وأعاق المداخل. وتتذكّر باميلا أنّها كانت تصلّي حين كانت تكشف على الأطفال كيلا يكون قد أصابهم أيّ مكروه. أحد أهالي الأطفال سارع لمساعدتها، فأزالا معًا الحطام، حتى وصلت إحدى الممرّضات وطبيب وأخذا طفلًا آخر لمعاينته. حملت باميلا الرّضّع الثّلاثة ونزلت نحو بهو المستشفى، حيث التقط المصوّر بلال جاويش صورتها التي صارت الحدث. ونُقلت باميلا والأطفال الثلاثة الى أحضان حياة جديدة.
في الخارج كان كل شيء أسود. الغبار الكثيف والأشخاص المضرّجين بالدّماء، ولم تكن تسمع سوى العويل ونداءات الإستغاثة، فضلًا عن أبواق سيّارات الإسعاف والهلع. وتروي: «المشهد المأساويّ تخللته مشاهد الشّرفات والبيوت المحطّمة، ناهيك عن الطّرقات العارمة بالرّكام وأغراض وعتاد البيوت والمستشفيات».
حاولت زينون الدخول الى مستشفيَيْن إثنين، لم يستقبلاها كونهما أصيبا بأضرار جسيمة نتيجة التّفجير أيضًا. فما كان منها إلّا أن تابعت نحو مستشفى أبو جودة، الذي يبعد عن مستشفى القدّيس جاورجيوس حوالى 7 كلم، هناك لاقت المساعدة المرجوّة، على الرّغم من انهماك الطاقم الطبي بأفواج المتضرّرين الذين وصلوا الى المستشفى طلبا للعلاج.
«الألم الجسدي كبير وكبير جدًا. فالخوف كان سيّد الموقف، حملت 3 أطفال غرباء من حاضناتهم، وخرجت بهم نحو وجهةٍ غير محدّدة، من دون أن أتأكّد ما إذا كنت قادرة على إنقاذهم. أضف إلى ذلك خوفها من تضرّر كافّة المستشفيات المحاذية وعدم استقبالهم للأطفال الذين وُلدوا قبل أوانهم».
وتؤكّد زينون أنّها لو لم تنقذ الأطفال الرّضّع، لعاشت النّدم طيلة حياتها، خصوصًا أنّها كانت مسؤولةً عنهم. واعتبرت أنّ إنقاذها للأطفال إنعكس إيجابًا عليها وساعدها على الشفاء والخروج من صدمة التّفجير. ولو عاد بها الزّمن، لأعادت الكرّة مرّةً تلو الأخرى وحاولت المساعدة أكثر فأكثر.
«هذه التّجربة كان لها تأثير إيجابي على شخصيتي، وصرت أشعر بالقوة في داخلي. ناهيك عن سرعة البديهة التي تعزّزت بشكلٍ إيجابي». وتضيف: «الصّعب رحل والباقي أسهل»، وهي عبارة تردّدها حين تواجه أي صعوبةٍ أو موقفٍ يستدعي الخوف. «هذه التّجربة ساهمت في تصويب أفكاري وخياراتي».
من النّاحية الاجتماعيّة، عبّرت زينون عن امتنانها وفخرها لدعم النّاس لها ونشرهم لصورتها، مؤكّدةً أنّ كلّ المشاعر الإيجابيّة والصّادقة التي حملها لها المجتمع ساهمت في طريق شفائها من الصّدمة ورفع لها معنويّاتها. وتابعت: «يوم الرّابع من آب كسبت القدرة على مساعدة النّاس، ربحت حبّ المجتمع ودعمه، كما ربحت الثّقة بأنّ مهنة التّمريض هي المهنة المناسبة لي، وتمكّنت من معرفة طينة الشّعب اللّبناني واندفاعه وانكبابه على مساعدة الآخرين. إلّا أنّني من ناحية ثانية خسرت الوطن! فقد خسرت الكثير يوم التّفجير: نصف عملي ونصف حياتي مع أصدقائي…».
صوت العدالة والحقيقة تنتظره باميلا كما أهالي ضحايا التفجير والجرحى والمعوّقون والمتضررون وكل اللبنانيين والعالم، وتقول: «من الضّروري أن تجد العدالة طريقها في ملفّ تفجير المرفأ، لا سيّما وأنّ النّاس لن يتعافوا جسديًّا ونفسيًّا وروحيًّا من دون تحقيق العدالة». وتؤكد زينون أنّها تثق بالقضاء اللّبناني وتدعمه، إما إذا تعثّر وطال التّحقيق، عندها يجب الذّهاب نحو التّحقيق الدّولي. وتختم: «قد أسامح المجرم، لكنّني بالطّبع لن أنسى».
وناشدت زينون اللّبنانيين أن لا ينسوا ويسكتوا عن هذه الجريمة، وتوجهت الى الدولة اللبناية طالبة منها مساعدة اللبنانيين في هذه الأيام الصعبة، كما ساعدت ثلاثة أطفال وأضاءت لهم شمعة الحياة من جديد.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: australia@almassira.com
