






كتبت شانتال قمير في “المسيرة” – العدد 1719
خلّدت لحظات المأساة بالريشة والألوان
ماري خوري: عدت إلى لحظة إصابتي وبكيت…
4 آب 2020. السادسة وسبع دقائق. شظايا إنفجار مرفأ بيروت وصلت الى قلب كل لبنان. ماري خوري كانت في معهد بيت شباب لحظات وعادت الى ذكريات الأمس الموجعة يوم إصابتها في حرب الجبل.
في تلك اللحظة كانت ماري تجلس إلى طاولتها في غرفتها المتواضعة في معهد بيت شباب مقابل نافذة صغيرة، سمعت صوت دويّ إنفجار قويّ، ورأت كتلة النار في سماء بيروت كأنها زوبعة ريحٍ، لفحت قلبها وتناثرت أوراقها ورسوماتها التي ما برحت تخطّ آمالها فيها. لم يخطر في بالها ولو لبرهةٍ أنّه إنفجار، وأخذت تقول قي نفسها وتردّد: «غريب! شو صار!؟». إنتقلت الى جهاز التلفزيون وبدأت تقلب في المحطات، فكانت الصدمة: إنفجار ضخم في مرفأ بيروت. فجأة عاد الصراع. مشاهد الموت والدمار أيقظت الذكريات النائمة في ذاكرة المناضلة التي فكرت أن هذا الوجع لن يجرح ويدمي قلوب لبنانيين بعد، فكان إنفجار المرفأ الذي فتح جرحًا نازفاً في تاريخ وطن وشعب.
وقع الصدمة عليها كان كبيرًا ومدمّرًا. تعالت تنهيداتها وكأن صوت حزنٍ ووجعٍ يَطرقُ مع نبضات قلبها. صورُ مجازر حروبٍ عبرت في سماء مخيّلتها. وبصوتٍ مضرّج بالوجع تقول: «كارثة كبرى حلّت على لبنان وأهله، دمارٌ شامل، ضحايا كُثُر. وعادت بي الذاكرة والمشاعر الى اللّحظة الّتي سقطت فيها ضحيّة قصفٍ وقذائق، مشلوحة على الأرضِ، متروكة!»
وتضيف: «كلّ رقمٍ من أعداد الضّحايا والمصابين هو معانات. شخصيًّا لم أكن أتوقع يومًا أن يُصاب الإنسان بشللٍ طيلة حياته، وبعد هذا الإنفجار كم من شخصٍ فقد أحد أعضائه أو سيحمل أوجاعًا وذكريات ترافقه طيلة عمره، بسبب فساد المنظومة السياسية وإهمالٍ السلطة الحاكمة.»
لم تستطع ماري أن ترفع نظرها عن شاشة التلفزيون. ألم ودموع مع كلّ خبرٍ، مع كل مشهد. وأكثر ما أثر بها مشاهد الأمّهات اللّواتي يُفتّشن عن ذرّةٍ من عطر أولادهن. «قلبي من جوّا كان عم يوجعني، لأنّو الأم ما بتنسى شقفة من قلبها.»
منذ تلك اللحظة صارت مشاهد تفجير المرفأ المأساوية ألوان وصور لوحاتها. لم تعد ريشتها ترى سوى تفجير 4 آب. واجبها أصبح تجسيد مأساة هذا التّفجير الّذي هزّ العالم بأكمله، هزّ كل ّلبناني وكأنّه هو المصاب وكأنّها منهم. أتت رسوماتها صورة عن الأم المفجوعة بفقدان ضناها، صورة الطفل الهارب من شحتار الأيام، صور الدمار… نقلتها بريشتها لتؤرخها في المكان والزمان، والأهم لتكريم الضحايا وأهاليهم…
تفاصيل هذه اللّوحات تَلُفّها ذاكرة المناضلة الّتي شهدت على فصول الحرب، إذ استغرق رسم كلّ لوحة حوالى الشهر تقريبًا.
في اللّوحة الأولى، جمعت ماري الأم اللبنانية حيث الوجع واحد والصرخة واحدة… يا ضناي ليش رحت وين إبني؟ حدا شاف إبني؟
وفي لوحةٍ أخرى، جسّدت الأمّ الّتي لم تيأس ولم ترَ أن وجود ابنها أو حتّى ذكرى منه بين أنقاض الدّمار في المرفأ أمنية صعبة، فوجدت طاسةً كان يرتديها. كما أنّها لم تفقد ايمانها بلبنان فوجدت العَلَمَ اللّبنانيّ ممزّقاً، حملته ومضت مع حسرتها وحُبها للوطن الّذي بذل إبنها نفسه فداه.
لحظة الإنفجار صارت بدورها لوحة بريشة ماري. طائر يحمل ساعةَ الإنفجار فوق دمار لبنان، ساعةٌ خُلّدت بتاريخ لبنان وذاكرتنا، رسمتها لتقول إنّ لبنان سيقوم، وبيروت ستنهض من جديد. وأخرى جسّدت فيها مساندة الشباب والشّابات اللبنانيات الّذين تكاتفوا لمساعدة المنكوبين والموجوعين. وسواها من اللّوحات الّتي مزجت بين الإيمان الكبير والإستمراريّة. لم تنسَ ماري صيّادي السّمك فخصّتهم بلوحةٍ تُظهر فيها وجعهم وخوفهم لحظة التّفجير. أمّا اللّوحة الّتي ما زالت تنكب على رسمها فهي كناية عن سنابل القمح الّتي ستنمو وترتوي من دماء الشّهداء والضّحايا، فهي تؤمن أن دماء الشهداء لا يُهدر سدًى إنّما سينبت الأمل وخلاص لبنان.
ولم يغب علم لبنان عن لوحات ماري، لأنه يستحق أن تقوم الأمّة بأكملها بعملٍ جدّي لإنقاذه من مصير قد يكون قاتمًا.
خصت ماري شهداء فوج الإطفاء بلوحةٍ مفعمة بالأمل، تُظهر فيها هلعهم وخوفهم على لبنان، لوحة يظهر فيها العناصر وهم يلبّون واجبهم من دون تردّد. تصمت لثوانٍ وتقول: «يا ريت قادرة إنقل كل صرخة وجع كل دمعة إم».
4 آب صار لوحات بريشة ماري. وفي الذكرى الأولى على تفجير بيروت ستضع ماري لوحاتها في قلبها علها تستطيع أن تعرضها في الذكرى الثانية من خلال معرض خاص.
وتختم ماري بصلاة مليئة بالرّجاء: «كلّن أثّروا فينا، كلّن بكّونا، الوجع كان كبير، وهالتفجير كان كارثة كتير كبيرة، بطلب منك يا ربّ، يا يسوع، مثل ما مشيت الجلجلة وانصلبت وتألمت، وتعذّبت ورجعت قمت ثالث يوم، ساعدنا وبعجيبة منك يرجع لبنان مثل ما كان، وأنا كلني إيمان إنو رح نرجع، وهالمحنة رح تزول لأنو دم الشهدا ما بيروح عالفاضي، وإنو وحدا الحقيقة بتشفي الوجع بس الدموع بتبقى ع الغالي».
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]