ترميم المرفأ يبدأ من الإدارة والأمن

كتب سيمون سمعان في “المسيرة” – العدد 1719

رافعات التهريب والخارجين على الدولة صامدة

ترميم المرفأ يبدأ من الإدارة والأمن

 

كان من ضمن أفضل 10 مرافئ على البحر الأبيض المتوسط، وبوابة العالم إلى الشرق الأوسط. ومن خلال التمويل الذاتي تم تحويله من مرفأ محلي إلى مرفأ إقليمي ومركز لإعادة الشحن في المنطقة وأهم محطة للتجارة الدولية مع الدول العربية المحيطة في السبعينات، إلى أن كان الإنفجار – الكارثة في 4 آب. وما بعده لن يكون يوما كما قبله.

بعد مرور أسبوع على التفجير إستعاد مرفأ بيروت نشاطًاً غير منتظر وتمكنت باخرتان محملتان بالحاويات من الرسو في المحطة حيث تمت خدمتهما بواسطة الرافعات العملاقة. إنما ذلك لا يعني إستعادة الدور والريادة، ولا يعكس تعافيًا كاملًا يبدو أن دونه العديد من العقبات. فماذا عن وضع المرفأ بعد عام على التفجير، وأي دور له في المستقبل؟

في الأعوام القليلة الماضية وحتى كارثة الرابع من آب، راجت مقولة أن قطاع النقل البحري اللبناني يغرِّد خارج السرب ويسير عكس التيار وفي أحسن أحواله، إذ كان يحقق نشاطًاً متواصلًا ونموًا يفوق الـ7 في المئة سنويًا، بينما كانت القطاعات الإقتصادية والتجارية والعقارية كافة تسجِّل تراجعًا في أعمالها وإيراداتها، وتواجه العقبات. هذا النشاط كانت له ظروفه المختلفة غير المتعلّقة بمجملها بمسار واتجاهات الإقتصاد المحلي، كما أنَّ تراجعه اليوم ليس برمّته بسبب زلزال الرابع من آب.

فمرفأ بيروت الذي يشكل بوابة التجارة العالمية إلى الشرق، هو أيضًا الرافد الأهم للدخل الوطني. لكن هذا المرفق الذي قصمت الحرب اللبنانية ظهره، وتحول قسم كبير من الحركة التجارية في تلك الفترة إلى مرفأي اللاذقية وحيفا، سرعان ما استعاد دوره المميّز بين موانئ شرق المتوسط متربّعًا على عرش صدارتها في سرعة قياسية. ولم تكن هذه العودة الناجحة نتيجة مجهود إداري وتخطيط حكومي، بقدر ما كانت نتيجة لموقع مرفأ بيروت الإستراتيجي والطبيعي على هذا الساحل الشرقي للمتوسط، وموقع لبنان الرابط كصلة وصل بين القارات. غير أن هذه الميزة لن تبقى قادرة وحدها على تحقيق الريادة، بعدما تحوّل المرفأ إلى مخازن ومنافذ لـ»حزب الله» من جهة، وأرضًا سائبة لكل أنواع التهريب والسمسرات والخوّات من جهة ثانية، كما يقول مصدر مسؤول في المرفأ.

 

بين إنفجارين…

قبل الإنفجار الكبير في 4 آب، تعرّض مرفأ بيروت لانفجار من نوع آخر وجّهَ لحركته ونشاطه ضربة قاصمة. فانفجار التحركات الشعبية في 17 تشرين 2019 وإقفال المصارف أبوابها لفترة غير قصيرة ثم امتناعها عن تزويد المودعين بالدولار الأميركي وتسهيل فتح الإعتمادات اللازمة لها، كبّل أيدي التجار والمستوردين، وبالتالي أدى إلى تقليص الإستيراد فتراجع نشاط المرفأ بنسبة كبيرة أثّرت على مردوده ودوره. بحيث كان يستورد بحوالى 20 مليار دولار سنويًا ويصدّر بأكثر من 3 مليارات دولار.

واعتبارًا من الشهر الأول من العام 2020، شهد الإستيراد تراجعًا دراماتيكيًا بحركة المرافئ اللبنانية لا سيما مرفأ بيروت، وانسحب هذا التراجع على نشاط العاملين والمتعاملين مع المرفأ، خصوصًا محطة الحاويات التي تشكل حركتها أكثر من 70 في المئة من الحركة الإجمالية لمرفأ بيروت، بالإضافة إلى متعهدي الشحن والتفريغ والنقل من جهة، والوكلاء البحريين ومخلصي البضائع ووسطاء النقل من جهة أخرى.

 

أزمتان ولا حلّ

زلزال الرابع من آب كان بمثابة رصاصة الرحمة. فبعد الإنفجار الكبير، بدأت التساؤلات بشأن الحلول البديلة في ظل وجود ثلاثة مرافئ أخرى في لبنان، هي طرابلس وصيدا وصور، باعتبار أن مرفأ بيروت سيستمر لوقت غير معروف خارج الخدمة.

وبنتيجة التفجير تعطّلت في محطة الحاويات ثماني رافعات من أصل 16 رافعة جسرية عملاقة تقوم بنقل البضائع، وفي وقت قصير تمّ تأهيل خمس رافعات، ما جعل المرفأ يسترجع 80 في المئة منها .كذلك، جرى تنظيف وتأهيل الأرض التي تخزّن عليها الحاويات، حتى باتت صالحة للإستعمال هندسيًا. وبعد فترة لم تتعدَّ الشهر وصلت القدرة التشغيلية في المرفأ إلى 100 في المئة، وهو ما اعتُبِرَ تقدمًا كبيرًا في فترة قصيرة، وبمجهود ذاتي من موظفي المرفأ وبإشراف مجلس الإدارة ومساعدة بعض الوحدات العسكرية.

واستطاع المرفأ أن يستقبل أول باخرتين، وتمّ إفراغ 420 حاوية. ويشير المدير الموقت لإدارة واستثمار مرفأ بيروت باسم القيسي إلى «أن محطة البضائع العامة في المرفأ كانت الأقرب لمكان التفجير، مقابل الحوض الثاني والثالث. ورغم ذلك، تم تأهيل بعض الشاحنات (الأوناش) الكبيرة التي تفرغ البضائع العادية، والتي تبلغ طاقتها نحو 350 طنًا، ما يعني القدرة على استقبال أي نوع من البضائع».

ويضيف: «مع هذا الواقع انتفت الحاجة إلى مؤازرة كبيرة الحجم من المرافئ اللبنانية الأخرى. وهي قد تؤازر فقط في بعض الأمور التي تحتاج للتخزين». ونظرًا لحاجة محطة الحاويات في مرفأ بيروت إلى فحوص ومعاينة، وتنظيف للبحر، يرى القيسي أنه «لا بد من الإستناد من وقت لآخر إلى محطات الحاويات في المرافئ الأخرى».

 

تداعيات واحتمالات

النائب الأول لرئيس الإتحاد العربي لغرف  الملاحة البحرية ورئيس غرفة الملاحة الدولية في بيروت إيلي زخور أوضح  لـ«المسيرة» إلى أن «رافعات محطة الحاويات تتوقف الواحدة تلو الأخرى لأكثر من سبب، أبرزها تضرُّر واندثار قطع الغيار التي كانت موجودة في مخازن ضمن حرم المرفأ، بنتيجة الإنفجار، وعدم توفّر إمكانية السحب للشركة المشغّلة من المصارف لاستيراد هذه القطع الضرورية للصيانة واستمرارية العمل». ولفت إلى «أن الرسوم المرفئية بات محجوزًا عليها قضائيًا بعد الدعاوى المرفوعة من نقابة المحامين في قضية الإنفجار. فنسبة 75 في المئة منها تدفع في المحكمة لصالح متضرري المرفأ ولا تذهب إلى المرفأ ليمكن الإستفادة منها في عمليات التشغيل والتطوير».وتخوف زخور من «أن تطول فترة الأزمة الحالية ومسبباتها، ما يعني أننا سنصل إلى أعطال أكثر في الرافعات الجسرية في محطة الحاويات وقدرة أقل على الصيانة، ما يجعل المرفأ ودوره التجاري وبالتالي دور لبنان على هذا الصعيد في مأزق وفي أزمة حقيقية».

«الخطر على المرفأ ليس من التفجير بذاته بل من مسبباته. المرفأ شبه مصادر ومن يديرونه اليوم هم مجرد واجهة، وأي عمل لإعادة تنشيط المرفأ بغض النظر عن الخلل الحالي والسيطرة عليه، هي خدمة للخارجين على الدولة أكثر مما هي خدمة لها أو للمرفأ أو للبنانيين»، يقول مصدر مسؤول في المرفأ، ويضيف: «لو من هذه السيطرة غير الشرعية على المرفأ كما على مرافق أخرى، لما تم تخزين نيترات الأمونيوم في المرفأ ولا حصل التفجير أصلًا، ولا حصل التهريب، وها هو مستمر حتى اليوم. فمن يمنع الفاعلين من استيراد مواد متفجرة وتخزينها في المرفأ مرة أخرى إذا اقتضت مصلحتهم ذلك؟ المرفأ كما هو بين انفجارين: إنفجار العنبر وانفجار الأزمة، هو أيضًا بين أزمتين: وضعه اللوجستي والميداني من جهة ووضعه الأمني والإداري من جهة ثانية. ومن هنا علينا أن نبدأ الترميم والبناء»…

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل