
في ظلال الأزمة القاتلة التي غيبت أحبّاء، ونكبت بيروت، وشلعت مفاصل الوطن، ونشلت البسمات من عيون الأطفال والأبرياء، يؤلمني موقفان: تسلّق أركان الدولة المتآكلة النّكبة الشّنيعة، للتلهّي بالصّغائر والانتقامات، وانحراف المعارضين الانقلابين عن السّبب الأساسيّ الذي أدّى الى سبي الوطن، تارةً بالتّراشق الشّعبويّ، بينهم، من باب العزف على وتر الاتهامات المتكلّسة، وتارةً بالهزج لانتصارٍ هميونيٍّ بسقوط الحكومة.
لن أتطرق الى سلوك السلطة التي تبغي سحق الناس بالظّلم، وقمعهم الوحشيّ، من دون أن ترعى سلامة الدولة وأمن المواطنين، وهذا واجبها. لكنّني سأتجاوز هذا المقطع، الى التّركيز، تذكيراً، على ما هو أخطر وأدهى، أعني السّلاح الخارج عن السلطة الشّرعية، الذي يسعى أصحابه الى بسط سلطانهم، باستبدادٍ وترهيب، على كامل الوطن، أرضاً، ونظاماً، ومؤسّساتٍ، لتغيير الحيثية اللبنانية برمّتها، واستحضار نموذجٍ مغايرٍ للون لبنان، وممدمكٍ بقوّة هذا السّلاح.
لذلك،
اعلموا أيّها الثوريّون النّضاليّون، وبعيداً من شعاراتٍ مغرضةٍ يسوّقها بعض المشبوهين، بأنّ الهدف الأوّل، والأكثر أهميّةً، وبعد ما جرى من إجرامٍ معدٍّ سلفاً، ليس آخره جريمة بيروت المنكوبة، هو المطالبة بإنهاء عهد السّلاح الذي جر، ويجرّ، وسيجرّ إن استمرّ، على لبنان الويل، والخراب، والتشظّي، والتّفتيت، وسلخ وجهه الحضاريّ الرّاقي لزجّه في دائرة الانحطاط والموت.
إعلموا أيّها الثّوريّون، أنّ أصحاب أنظمة السّلاح يعتبرون أنّ ديكتاتوريّتهم منيعة، مهما تشهد من تحدٍّ عالي اللهجة، وهم، بأسلوبهم التّنكيليّ والتّرهيبيّ، قد كشفوا الطّبيعة الوحشيّة لحيثيّتهم القمعيّة، وهذا ما يعاينه الدّاخل والخارج اللذان باتا متيقّنين، تماماً، بأنّ السّلاح شكّل مؤسّسةً متفلّتةً من سيطرة الدولة، أو حزباً متحكّماً إنتهاكيّاً للوطن، ما يعني أزمةً سياديّةً خطيرة، يمكن أن تنهي لبنان الحضاريّ الذي نعرفه. لذلك، لم يبق، في المقابل، سوى خيارٍ وحيدٍ هو الانقلاب الحتميّ على واقع السّلاح، والتمرّد عليه للتخلّص من نظامه البغيض، بإعادة رفع الصّوت ليصل الى مسامع بعض الدّاخل الأصمّ، وكذلك الى المجتمع الدوليّ، الذي يستطيع المساعدة في هذا المسعى، استناداً الى مفهوم السيادة وبسط سلطة الدولة، وحدها، على كامل التّراب الوطنيّ.
اعلموا أيّها الثوريّون، أنّ زمْرة السّلاح اللّاشرعيّ، تتلاعب، وبعنايةٍ فائقة، بمصير الوطن، من باب اغتيال قيامته المأمولة، وتعرّض استقراره الأمنيّ، وديمومته للخطر. وبالتالي، فمسرحيّة ربط السلاح بتسمياتٍ تمويهيّة، هي محاولةٌ باتت مكشوفةً، وفاشلةً، وتغطيةً متمرّدةً على الحقيقة التي هي السّيطرة الدائمة على الحجر والبشر. وما نراه، اليوم، هو أنّ السّلاح رجّح، في المعادلة الدّاخليّة، كفّة منْ يمتلكه، في محاصرة شعب، وانتهاك حريّة، وإهدار حقّ، وفي زعزعة المصلحة الوطنيّة التي تمسّ كيان المجتمع، وتزجّه في حبْسٍ إحتياطيٍّ مؤقت، بانتظار القضاء عليه. والأدهى، أنّ أصحاب السّلاح ومن يغطّيهم، جعلوا حرمته فوق حرمة الوطن، وكفلوا حقّه في معاقبة معارضيه، إنْ برشقهم بتهمة العمالة، وهذه فاتحة العقاب الجاهزة، وإنْ بالتهديد والتّرهيب.
اعلموا أيّها الإنتفاضويّون، أنّ السلاح ينشر ثقافة الخوف، ويغتال سيادة القانون، ويحبّذ ارتكاب الجرائم، ويحرّض على ارتكابات شنيعة، وهو ليس سوى استعدادٍ واضحٍ للفتنة، أيّاً تكن الشعارات التي يختبئ خلفها. فليس هنالك سلاح ممانع، أو سلاحٌ مقدّس، بل سلاحٌ جزّارٌ، مثيرٌ للإرتياب، يهدّد دعائم الدّولة، ويجرّ الويل على أهلها، ومستقبل الأجيال.
أيّها الثوريّون،
إنّ النتائج الكارثيّة لوجود السّلاح الذي يفترس الوطن، تقتضي ألّا يميل انتباهكم، ولا يرتفع شعاركم إلّا على انتفاضةٍ جريئة، هي دعوةٌ للشّرعيّة الى تأميم السّلاح، وجعل امتلاكه وكالةً حصريّةً بها، ليتحقّق تحرير المواطن، والوطن، من إقطاع أهل السلاح، ومن إرثهم الثّقيل، فلا نتذكّرهم إلّا بصورةٍ مشلّعة البرواز.
ملاحظة: هذه المقالة برسم الذين فاتهم انّ نضالنا هو لاستعادة لبنان من فكّ الذين خطفوه، لأنهم، وللأسف، يتلهّون باستهداف من دفع أغلى ما عنده ليبقى لبنان.