#dfp #adsense

إيران بين فكَّي كماشة: الطالبان من الشرق والنووي من الغرب

حجم الخط

كتب النائب وهبي قاطيشه في “المسيرة” – العدد 1719

بدأ معه تأريخ الحروب بين الشعوب في معركة «قادش»، على ضفاف نهر العاصي قرب الحدود اللبنانية، قبل 3300 عام بين الفراعنة والحثيين عام 1374 قبل الميلاد؛ ولا يزال يعاني وحيداً من الحروب، بعد أن انتقلت معظم شعوب الكوكب الأرضي نحو السلام، مسجِّلاً بذلك رقماً قياسيّاً في الأزمات والحروب والضياع. إنه الشرق الأوسط، الcorridor الذي كان ولا يزال في قلب التحوُّلات الكبرى؛ وكأنه كُتِبَ له عدم الإستقرار الدائم، والمعاناة الدائمة لشعوبه في ظل الحروب والأزمات. إنه الشرق الأوسط من الأمس حتى اليوم.

يجتاز الشرق الأوسط اليوم مرحلة جديدة في أزماته المستدامة، عنوانها التشدُّد الذي يجتاح دوله، بين البحر الأبيض المتوسط غرباً وأفغانستان (ضمناً) شرقاً. نجحت الأنظمة المتشددة في انتزاع السلطة، أو في الهيمنة عليها، في البلدان حيث مسارح الأزمات مزدهرة: في إسرائيل واليمن وإيران وأفغانستان وسوريا ولبنان والعراق (الباحث مؤخراً عن العودة إلى تاريخه العربي المشرقي)، وسط تعثُّر المفاوضات الدولية حول المسألة النووية الإيرانية، وإمكانية تكريس فشل هذه المفاوضات في فيينا؛ ووسط تخلّي بايدن عن قفازات الحرير في سوريا والعراق. مؤشرات كلها تثبت أن هذا الشرق المتشدَّد لن يتخلى عن هواياته الباحثة دائماً عن الأزمات والحروب والفوضى لتسوية النزاعات، ليحتفظ بالديكتاتوريات على حساب حرية الشعوب وحقها في تقرير المصير.

في إسرائيل، وبعد معاناة من أربع انتخابات نيابية، خلال عامين لتكوين سلطة واضحة، لإدارة دفة الحكم في الدولة؛ نجح اليمين المتشدد في انتزاع السلطة، بشكل هجين، بعد اقتسامها مع اليسار في سابقة لم تعهدها الدولة العبرية من قبل. وفي إيران نجح الجناح المتشدد في الإنتخابات، بقيادة «رئيسي»، المتهم من قبل بعض الدول الغربية بالإرهاب وتصفية المعارضين داخل إيران؛ ليكون الرئيس الظل للمرشد الأعلى المتشدد علي خامنئي، والمؤتمن على تنفيذ توجيهات الحرس الثوري الإيراني؛ بعد مرحلة شبه الإعتدال التي قادها الرئيس روحاني؛ الذي لم ينجح في نقل إيران إلى الضفة المتعاونة مع الأسرة الدولية ومواكبة العصر. ومن أفغانستان يستكمل الجيش الأميركي إنسحابه بنهاية شهر آب، بعد احتلال دام عقدين، حاول خلالها نقل هذا البلد إلى رحاب الأسرة الدولية؛ لكن ثقافة الشعب الأفغاني لم تتطور بعد لمعانقة الحرية. لذلك بتنا نشهد، مع بدء تقلُّص التمدد العسكري الأميركي في الأرض الأفغانية في شهر أيار 2021، والذي حدد تاريخه الرئيس الأميركي ترامب في حملته الإنتخابية، وانتقده خصمه المرشح الديموقراطي في حينه (الرئيس الحالي بايدن )؛ بتنا نشهد حتى كتابة هذه السطور، على اجتياح طالباني لمعظم الأراضي الأفغانية التي تخليها قوات الحلف الأطلسي وعلى رأسها الجيش الأميركي، في خطوات سريعة للسيطرة على الحكم في كابول، لتعود أفغانستان إلى حكم الطالبان الذي تسبب بغزوها قبل عشرين عاماً (أيلول 2001). في اليمن، لا يزال الحوثيون متشبثين بمواقعهم، يمنعون الحلول، بالرغم من أقليتهم العددية، إلاّ بشروطهم. في لبنان، تخضع الدولة المتعثرة والمسرعة نحو التحلُّل، لسيطرة «حزب الله» المتطرف والمتهم بالإرهاب، راهناً مستقبل شعبها لمصلحة «الأمبراطورية « الإيرانية الموعودة. كذلك هي حال سوريا، التي تشكل بيدقاً أساسيَّاً في الهلال الشيعي الممتد من أفغانستان إلى البحر الأبيض المتوسط؛ بينما يحاول العراق الخروج من هذا المحور المتشدّد بعد قمة مصرية أردنية عراقية عُقِدت في بغداد، واجتماعات عديدة بين مسؤولين عراقيين وسعوديين. فإلى أين يتجه هذا الشرق؟

كالعادة عبر تاريخه الطويل، يتجه الشرق نحو إستدامة الفوضى، أو حتى المواجهة. وبما أن طهران تقود في المرحلة الحالية سياسة التشدد والعدوانية في الشرق الأوسط وعلى كل الجبهات، ها نحن نراها اليوم تحاول نقل هذه المواجهة المدجنة حتى الآن بينها وبين تل أبيب، إلى مواجهة عسكرية، عناصرها معروفة ومحددة بضرب المفاعلات النووية في إيران من قبل الدولة العبرية، مع ما قد يترتب على ذلك من إشعال جبهات عديدة؛ كالجبهة اللبنانية وغيرها، وتسعير الإرهاب فوق ساحات إقليمية ودولية عديدة.

بوادر هذا التشدد والتسعير، ظهرت مؤخراً في الحرب غير المباشرة فوق المسارح البحرية، بين البحر الأحمر والخليج العربي ضد سفن تجارية إسرائيلية وإيرانية من دون تبنّي أحد المسؤولية عن هذه العمليات. كما ظهرت، وبكثافة فوق الساحة الإيرانية عمليات إغتيال العلماء النوويين الإيرانيين، والحوادث العديدة التي شهدناها مؤخراً في المفاعلات النووية الإيرانية من حرائق وتفجيرات، ومن عمليات تخريب مؤسسات أخرى؛ لدرجة أن وزير الدفاع الإسرائيلي أدلى بتصريح لوسائل الإعلام محذراً به الإيرانيين: «أنتم تعلمون أننا موجودون عندكم في إيران»، أي أن إسرائيل قادرة على تكثيف عملياتها فوق الساحة الإيرانية في هذه الحرب المفتوحة بين الجانبين.

من جهة أخرى، كثفت إيران عملياتها الإرهابية ضد القواعد العسكرية الأميركية في العراق وسوريا، بهدف الضغط على الجانب الأميركي، واستطلاع نوايا بايدن حول تطوير محادثات فيينا النووية، ورصد ردات فعل الرئيس الجديد تجاه التصعيد الجديد. لكن هذه الأعمال تبقى محدودة الفعالية في الصراع القائم بين الدولتين، لأن يد إيران هي في النار بسبب العقوبات والحصار؛ وقد تدفع الرئيس الأميركي إلى التصلّب والتشدد تجاه المسألة الإيرانية.

على الجانب الشرقي الآخر من إيران، تتساقط الساحات الأفغانية بيد طالبان، التي سيطرت، حتى كتابة هذه السطور على معظم الأراضي الأفغانية، تمهيداً للسيطرة على الحكم في أفغانستان؛ كما سيطرت على معظم المعابر التي تربط البلاد بإيران، ما يفتح على إيران جبهة جديدة من الشرق، وهذه الجبهة بالسلاح الديني الأخطر، الذي استغلته إيران «شيعياً» للهجوم على العالم العربي السنّي. السلاح الطالباني من الشرق، تدعمه دولة كبرى بحجم باكستان، ويلقى دعماً، غير معلن، من إسرائيل وحتى الولايات المتحدة الأميركية، لتهديد إيران في عقر دارها. وهكذا قد تجد إيران نفسها مضطرة للمواجهة على جبهات عديدة: الجبهة الدينية السنيّة (الأخطر) من الشرق بقيادة طالبان ودعم باكستاني، وجبهة العرب من الغرب الذين يخوضون دفاعاً مميتاً ضد عدوانية إيران، والجبهة الأميركية المفتوحة عليها في فيينا وساحتي العراق وسوريا، وجبهة إسرائيل «النووية» الناشطة فوق الساحة الإيرانية والجاهزة للتصعيد في كل لحظة. إنها المرحلة الأخطر في تاريخ إيران، بعد عزلتها الإقليمية والدولية.

من جهة أخرى، قد يعتقد البعض أن تخفيف الوجود العسكري الأميركي في سوريا والعراق، كما يحصل حاليّاً، يعني أن الولايات المتحدة الأميركية تنسحب من أزمات المنطقة، خصوصاً من أزمات بغداد ودمشق؛ إنما الحقيقة هي أن واشنطن تعتمد استراتيجية جديدة للمواجهة في المنطقة وليس للإنسحاب من أزماتها. وقد ظهر ذلك مليّاً عندما نزع بايدن قفازات الحرير، ليكشف عن قبضاته الفولاذية، عندما دمر مراكز الحشد الشعبي قرب البوكمال، على الحدود السورية ـ العراقية، ليبلّغ الإيرانيين «أنكم أصبحتم بين نارين: نار الطالبان من الشرق، ونار العرب وأميركا وإسرائيل من الغرب».

باختصار، حرب إيران المستمرة على العرب منذ أربعة عقود، فوق الجغرافيا العربية؛ دخلها اليوم عنصر ديني جديد متشدد من الشرق هو الأخطر على نظامها الديني الحاكم بإسم ولاية الفقيه؛ وانكشافها في المفاوضات النووية في فيينا، مع ما يترتب على فشلها المتوقع، وإمكانية تدمير كل ما بناه الملالي من وهم نووي؛ في ظل رئيس إيراني جديد متشدد ومتهم بالإرهاب وتصفية المعارضين. إنها المرحلة الأخطر التي تواجه إيران وثورتها. فهل تعود إلى منطق التاريخ وتتخلى عن طموحاتها الوهمية لتدخل في لعبة الأمم بدورها الطبيعي؟ أم تستمر في المعاندة وقتال «طواحين الهوا» بحثاً عن وهمَ الأمبراطورية وحلم الدور النووي؟

وهبي قاطيشه – نائب في البرلمان اللبناني

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل