.jpg)
لو أن الاجواء “التأليفية” صافيةٌ وايجابية حقاً، لكان اجتماع رئيس الجمهورية ميشال عون والرئيس المكلّف تشكيل الحكومة نجيب ميقاتي، الذي أُعلن الخميس أنه سيُعقد الأسبوع المقبل، لكان عُقد، أمس الجمعة أو اليوم السبت، على أبعد تقدير، نظراً إلى حجم الكارثة المعيشية التي انفجرت في أبشع مظاهرها على الأرض في الساعات الماضية بعد قرار رفع الدعم عن المحروقات. ولكان الرجلان ضاعفا وتيرة محادثاتهما لتوليد الحكومة في أقرب وقت بما أنها الخيار الوحيد والأوحد للجم الانهيار المخيف الحاصل، هذا إذا كانت الأمور بلغت فعلاً، مرحلةَ اسقاط الأسماء على الحقائب.
لكن بحسب ما تكشف مصادر سياسية مطلعة لموقع القوات اللبنانية الإلكتروني، فإن كل ما يشاع عن خروق كبيرة تم تحقيقها، مبالغ فيه ومضخّم. فالاتصالات أنجزت تصوّراً أولياً لكيفية توزيع الوزارات لكنه لا يزال في إطار “المسودة” التي يمكن في أي لحظة أن يطرأ تعديلٌ عليها. الوزارات السيادية، على الأرجح، ستبقى على حالها من حيث التقسيم الطائفي، لكن شخصيات غير مستفزة لأي فريق، ستتولاها، وهنا يُطرح اسم اللواء ابراهيم بصبوص للداخلية مثلاً، في حين يُبدي رئيس مجلس النواب نبيه بري مرونة حيال اسم وزير المال. لكن ثمة مخاوف والحال هذه، من أن يصرّ الرئيس عون الذي ارتضى عدمَ المداورة على مضض، على أن تكون له الكلمة الفصل في اختيار الوزراء المسيحيين، للحقائب السيادية وسواها، كما أن بري الذي تخلّى عن يوسف خليل للمالية كرمى لبعبدا، بات بدوره يريد أن يكون له “رأيٌ” في الوزراء المسيحيين، أو فإنه يطلب جوائز “ترضية” أخرى في نوعية الوزارات المخصصة له، تعويضاً عن تنازله هذا.
ولعدم تفجير خلاف باكر حول “السياديات” وشاغليها، تقول المصادر إن ميقاتي آثر التركيز على الوزارات الخدماتية والأساسية الأخرى.. هنا أيضاً، التفاهمات لا تزال هشة، ولم يُصر إلى تثبيت أي حقيبة لأي فريق. العهد مبدئياً، وافق على التخلّي عن الشؤون الاجتماعية، لكنه عاد ليتمسك بالطاقة. وهذه نقطة خلاف جديدة مع ميقاتي. فالاخير يريد إبعاد الوزارات المعنية مباشرة بالأزمة الاقتصادية وأوّلها الطاقة، أكبر مزاريب الهدر والفساد في العقود المنصرمة، ومنها أيضاً وزارة الاشغال، عن سيطرة القوى السياسية ومحاسيبها، ويطمح إلى اسنادها إلى اختصاصيين من ذوي الخبرات والكفاءات العالية الذين يوحون بالثقة للمجتمع الدولي، ويرفض أن تذهب إلى مستشارين أو “دمى” تحرّكها مرجعياتها، على غرار وزراء حكومة حسان دياب… عليه، فإن تمسك عون بالطاقة قد يفتح باب اشتباك اضافي مع الرئيس المكلف.
هذه المعطيات كلّها، تؤكد أن “البازل” الحكومي لا يزال في “قطعه” الأولى، فلا شيء محسوماً بعد والمس بأي حقيبة، سيخلط الأوراق كلّها من جديد.
قبل الاثنين، ميقاتي يكثّف اتصالاته في الكواليس، مع عين التينة ورؤساء الحكومات السابقين ومع كليمنصو وبنشعي أيضاً (وقد التقى أمس بعيداً من الأضواء، ممثلين عن حركة أمل والحزب التقدمي الاشتراكي أبديا استعداداً كاملاً للتعاون والتسهيل) لوضع مسودة مكتملة يحملها إلى القصر معه مطلع الأسبوع (علماً أن أي موعد للّقاء لم يحدد، بل هو رهن المفاوضات). فإذا نالت التركيبة العتيدة رضى بعبدا، انتقلنا إلى اسقاط الأسماء عليها.
أما إذا طلب عون ادخالَ تعديلات إليها وتم إرجاء الحسم مجدداً و”الاتفاقُ على استكمال المحادثات في اجتماع يُحدد تاريخه لاحقاً”، فإن هذه المماطلة ستدل على أن عون غير مستعجل التأليف وغير راغب بميقاتي في السراي، وبأن ما يفعله معه تضييعُ وقتٍ ومناوراتٌ لا أكثر ، وصولاً إلى إحراقه كما “احترق” رئيس الوزراء السابق سعد الحريري، و”التسويف” الرئاسي سيشكّل مؤشراً إلى أن رئيس الجمهورية يريد حكومة بشروطه وإلا فإنه يفضّل تفعيلَ “الأعلى للدفاع” الذي يرأس، وتعويمَ حكومة تصريف الأعمال بالتي هي أحسن، وقد أتت دعوته لها أمس إلى الالتئام، لتعزّز نظرية أنه غير مستعجل التشكيل، ودلّت على أن كل مآسي الناس ومشاهد الذل على الطرقات التي نقلها إليه أمس البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، لم تبدّل في “برودة أعصابه”.
الزعيم الطرابلسي حتى الساعة ليس في وارد الاستقالة، لكن بعد أن يتأكد أن بعبدا تختلق العراقيل والعقد وتوافق على شيء اليوم لتعود وترفضه غداً، فإنه سيعلن اعتذاره. إلا أنه وحتى كتابة هذه السطور، لا يزال يراهن على الأوضاع الضاغطة من جهة وعلى الدعم الفرنسي له وعلى اتصالات الرئيس ايمانويل ماكرون بعون وبالرئيس الإيراني ابراهيم رئيسي، من جهة ثانية، علّ هذه العوامل تفرض على العهد وحليفه حزب الله، تنازلاتٍ، فيفكّون أسر الحكومة.
