Site icon Lebanese Forces Official Website

الأخ اسكندر الترتجاني… استشهد ليبقى دير مار مارون عنايا

كتب ميشال يونس في “المسيرة” – العدد 1719

خيرٌ لنا أن يموتَ رجلٌ واحدٌ فِدى الشعبِ مِن أن  تهلكَ الأمَّةُ بأسرها « .هذا هوّ التبرير التاريخي المُبرَمُ الذي إحتكمَ إليه وأصدره عظيمُ الأحبارِ قيافا قُبَيلَ أن يُدوِّنَ سِفرُ الصّليبِ آياتِ الصّلبِ الثخينة  على لحمِ كتفِ يسوع النّاصري وتُساقُ إلى جسدهِ المُهشَّم فجيعةُ نبوءةِ آشعيا عن رَجُلِ الأوجاع المضروب بالعاهات المفتوحِ جرحًا مِن أعلى الرأس حتى أخمصِ حفاءِ القدمين!

من سلسلة هذا الفِداء المسيحانيّ الفادح الثمن ذي النّذرِ المُخضَّبِ بدم ناذره تلتمعُ في ذاكرة الرهبانية اللبنانية المارونية مِلحمةُ راهبٍ لبنانيٍّ مارونيٍّ من رهبان الحقولِ الرهبانية، إنه الأخ الترتجاني شهيد دير مار مارون عنايا.

إختار الرب الأخ اسكندر الترتجاني في الوقتِ العصيبِ الرهيبِ من دون سواه مِن إخوتِه الرهبان لأن يأخُذَ قرارًا ذاتيًا وجوديًا مصيريًا وهو ليسَ بصاحب رئاسةٍ وسُلطةٍ يُخوِّلانِه أن يكون بمقام الآمر النّاهي، لكنّه برباطةِ جأشٍ ربانيٍّ وصلابةِ روحٍ وإرادة تفوق صلابة البشر المُتعقِّلين أصدرَ حُكمًا على نفسه مُكلِفِ التّضحيةِ حين دَنَت لحظةُ الأختيار الأقسى الأمَرّ بين أن يستشهد ديرُه حرقًا وهدمًا، وبين أن يستشهدَ جسدُه لطمًا وطعنًا ورجمًا ومن دونِ رجفةٍ قلبٍ وتَردُّدٍ عقلٍ إختار قيدومُ الرهبان خيار الأستشهاد الثاني!

سنة 1842 وبعد مضيّ 14 سنة على تأسيسه سنة 1828 إجتمعَ بعضٌ من جوارِ «التعايش الأخوي» في تلكَ المساحةِ الجبيلية المتداخلة المذاهب إجتماعًا خارجًا عن رحابةِ صدرِ حُسنِ التّجاورِ ووسيعِ عقلِ التّعايشِ وانتهى ذلك الإجتماع  «الداعشي» بقرارِ غزوِ دير مار مارون عنايا لحرقِه ثمَّ هدمِه وتحويله إلى أطلالٍ وخرائب!

وصلت أصداءُ الإجتماع المريع إلى جمهور الدير فدعى رئيسُه الأب ليباوس داغر التنوري إخوته لعقدِ أجتماعٍ ديريٍّ فوريٍّ طارئٍ إنتهى بقرار إخلاء الدير إخلاءً سريعًا حِفاظًا على الحُرمات الرهبانية والأقداس الكهنوتية، بعد أن طُلِبَ من الرهبان المفروضةُ عليهم جِزيَةُ التَّهجير أن يغادروا ويتفرّقوا في الأديار المجاورة!

راهبٌ واحدٌ وحيدٌ رفضَ أمر الطاعةِ القسرية وأخذَ مُنفردًا قرارَ الصمودِ والبقاء للدفاعِ عن ديره حتى الموت.. وهذا الرّاهبُ العصيُّ على الإرتعاب هو الأخ اسكندر الترتجاني المعروف بشجاعته المُتمايزة وبسالتِه النادرة وشِدَّة بأسه، وهذا الراهبُ الحازمُ الإيمان بأنَّ ديرَه هوّ وجودُه وكيانُه وحدودُه وشعبُه ووطنُه وعهدُ الربِّ له وميراثُ أبيه أبي الرهبان وكوكب البريّةِ أنطونيوس الكبير!

يوم المُنازلةِ الدمويةِ وصلَ «الدّاعشيون» العِتاق إلى مشارف الدير بزعيقِ أصواتٍ مُنكَرَةٍ أشبه بصياح الأبالسة فلاقاهم الصّنديدُ الترتجاني إلى الباحةِ الخارجيّة بقوةِ شكيمةٍ ورثها من أهله التراتجةِ الأشدّاء وبروح شهداء المسيحية الأوائل وهم يتواجهون وجهًا لوجهٍ مع أنياب الوحوش داخل ملاعب أباطرة روما المتوحّشين!

إستبسلَ الراهب الترتجاني في الدفاع مُذخَّرًا بقلب ميخائيل رئيس الحرس السماوي  وأشهرَ زنوده على الهمَجِ الكثيري العدد وبقي يقارعُهم حتى سقطَ غاسلاً عتبات باب ديره بغزارة دمائه الرهبانية!

الراهب اسكندر كان مُدرِكًا بأنَّه يجابِه بشرًا أشبه بالضواري سيتغلّبون على بسالتِه الفائقة بكثرةِ عديدهم، لكنّه كان عظيم الإيمان بأن قدوسَ القديسين سيعضدُه بيمينه وآياتِه التي لطالما أطفأ بها نيران أتون شهدائه بغيومِ أمطارٍ فُجائيَّةٍ عجائبيّةٍ. وهكذا تمَّ حين تراءى لأولئكَ «المُجاهدين» البرابرة أنَّ نيرانًا لاهبَة تندلعُ من دماء خَصمِهم الأصلب المُتسربلِ بأسكيم الملائكة والشهداء لتُحرِقهم وتُرَمِّدهم وتُبيدهُم عن بِكرة أبيهم إبليس، فارتعبوا وأخلوا محيط الدير بسرعة الأبالسة التي طردها الرب يسوع من مجنون الجليل وأدخلها في الخنازير. وهكذا سَلِمَ الدّير!

بقي شُجاعُ الشجعان يُنازع وحيدًا طوال ذلك الليل حتى سمع أنينه الرهبان العائدون فانتشلوه من تحت رُكام حجارة الجدران التي استطاع  الرُّعاع هدم بعضها الضئيل، حينها تمتم بصلاة الغفران لقاتليه وبصلاة «يا يسوع ومريم ومار يوسف أعينوني عند ساعة موتي مُنازعًا»!

يوم 23 أيلول 1842 سلّم أول شهداء الرهبانية اللبنانية المارونية روحه للرب وسلَّم جسده المُضرَّجُ بصلبه وصلابته لديره وأمه الرهبانية ولشعبه اللبناني ولوطنه لبنان، فكان إستشهاد الأخ اسكندر الترتجاني علامة من أبهى علامات الرب ومُقدِّمةً لدخول الأخ شربل مخلوف البقاعكفري دير مار مارون عنايا مُكمِّلاً فيه سنة إبتدائه الثانية ثم راهبًا ناذرًا ثم راهبا ديريًا ثم حبيسًا ثم طوباويًا وقديسًا رهبانيًا مسكونيًا!

إيمان الأخ اسكندر وشهادته ربما شكلا العلامة السماوية لبقاء دير عنايا ليكون واحة صلاة ومنطلق قداسة وموطن العجائب الخارقة التي جسّدها في ما بعد القديس شربل. فهناك تقريرٌ طبيٌ علميٌ دقيقُ الحِساب يجزم بأن الدم الذي فاض من جثمان شربل العجيب قد بلغ 124 كلغ بمعدّلٍ يتفوّقُ على قوانين تركيبة الأجسادِ البشرية. وهل من عَجَبٍ إيمانيٍّ إن آمنّا بأن الراهب شربل البقاعكفري قد نضح ذخائر الدماء التي سكبها جسد أخيه الراهب اسكندر يوم استبدلَ سقوط ديره بسقوط جسده شهيدًا؟!

وفاءً لذخائرنا السماوية والرهبانية واللبنانية إنَّنا مدعوون جميعًا كحاملي ودائع الإيمان بأن نرفع الطلب الأغلى والأسمى للرهبانية اللبنانية المارونية أولاً وللبطريركية المارونية ثانية وللبيعة المسكونية ثالثةً لأجل المباشرة بملف إعلان طوباوية وقداسة شهيد دير مار مارون عنايا وشهيد عُصاة مار يوحنا مارون وشهيد بلاد أرز الرب الأخ اسكندر الترتجاني !!!

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: australia@almassira.com​​

Exit mobile version