
من مأساة إلى مأساة، وجريمة بعد جريمة، ومجزرة بعد مجزرة، يتدحرج اللبنانيون على درجات السلم نحو قعر الجحيم، حيث أودت بهم سلطة حاكمة متحكمة لم تسبقها إلى هذا الفجور المتأصل والمتمادي في “التمسحة” أي سلطة عبر التاريخ. فكل من فيها يغسل يديه من مجزرة التليل التي راح ضحيتها 29 شخصاً لغاية الآن وعشرات الجرحى والمحروقين، بانفجار خزان بنزين مخزَّن، إما للتهريب أو لاستغلال فرق الأسعار بعد رفع الدعم عن المحروقات.
هذه المأساة المروعة ليست سوى حلقة إضافية من حلقات السلسلة الجهنمية التي تطوِّق اللبنانيين، فيما يتشبثُّ القابضون على قدرهم ومصيرهم بمراكزهم، يتقاذفون المسؤوليات ويلوكون التبريرات والاستنكارات ويذرفون دموع التماسيح على الضحايا. لكن ما السبب المباشر الذي أدى إلى انفجار الخزان، بعد الحديث عن إشعال أو استخدام قداحة، فيما تحدث شهود عيان عن إطلاق الرصاص عليه؟ ما الاحتمالات من الناحية التقنية التي يمكن أن تكون أدت إلى هذه الكارثة المفجعة؟
الخبير الكيميائي الدكتور حارث سليمان، يوضح لموقع القوات اللبنانية الإلكتروني، أن “خزان المازوت لا ينفجر، أما خزان البنزين فقابل لذلك عند flash point معينة، أي النقطة التي يمكن عندها لأي اشتعال أو شرارة أن تفجّره”.
ويضيف، أن “ذلك يحصل حين يكون الخزان يحتوي على نصفه مثلاً من البنزين، وفي العادة يتصاعد بخار من البنزين عند درجة حرارة معينة، بحيث يكون هناك توازن بين الـliquid state والـgaseous state، إذ دائماً هناك قسم من البنزين على شكل غاز أو بخار البنزين. وحين يكون الخزان مفتوحاً وفي الأسفل بنزين سائل وفوقه غاز البنزين مختلطاً مع الهواء والأوكسيجين، تصبح إمكانية انفجاره سهلة، إما بشعلة أو برصاصة”.
ويشير سليمان، إلى أن “المعلومات الأولية التي نشرت وبحسب بعض الصور، هناك آثار إطلاق نار على الخزان في التليل، وثقوب عدة ظاهرة فيه. بالتالي إذا وصلنا إلى الحالة التي شرحناها، عندها يمكن للخزان أن ينفجر”.
وبرأيه، أن “إدارة الموقع، حيث تم ضبط الخزان، لم تكن سليمة من الناحية التقنية، ربما لقلة الخبرة أو غير ذلك. أما في حال ثبت أن هناك إطلاق نار، فهذه تصبح جريمة وموضوعاً آخر، لكن لا يمكن عدم الإشارة إلى سوء التصرف وعدم إدارة المشكلة كما يجب، ما أدى إلى الكارثة”، لافتاً إلى أنه “كان من المفترض عدم السماح لأحد بالاقتراب من خزان البنزين بطريقة عشوائية، لا صاحب، أو المسؤول عن الخزان، ولا الناس”.
لكن سليمان يؤكد، أن “أصل المشكلة الذي يؤدي إلى كوارث متلاحقة، في مكان آخر. فتهريب المازوت والبنزين إلى سوريا يتم لمصلحة نظام بشار الأسد، والقرار الكبير بالتهريب لم يتخذه المهربون المعروفون وغير المعروفين، إنما اتخذه حزب الله والفرقة الرابعة في جيش النظام السوري. أما لمن يتبع المهربون في لبنان؟ هذا تفصيل، على أهميته، أمام القرار الكبير بالتهريب”.
ويوضح، أنه “حين يوجِد أحدهم طريقة يجعل فيها سعر صفيحة البنزين أو المازوت أربعة أضعاف سعرها في لبنان، حينها ربما يصبح كل الناس مهرّبين إن أُتيحت لهم الفرصة، خصوصاً في ظل الأزمة الخانقة التي يعيشها البلد. فالمشكلة الأساسية ليست بالمهربين الصغار الأتباع، إنما بوجود سكة تهريب مفتوحة لمصلحة النظام السوري بقرار سياسي. ولا دفاع عن المهربين بالتأكيد، فليرموا في السجن، لكن لا يجب أن نغفل عن المسألة الأساسية”.
ويلفت، إلى “ما يُدرَّس في علم الثورات تحت عنوان، كيف تثير موجة من النهب العام؟”، مشيراً إلى “ما كانت تقوم به المنظمات الثورية في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، مثل الألوية الحمراء وغيرها، وهذا ما تم تجربته فعلاً في لبنان في السبعينيات”.
ويضيف، “كانت مجموعة منظَّمة تقوم مثلاً بسرقة مليون دولار من أحد البنوك، وأثناء فرارها في السيارة كانت ترمي برزم الدولارات من النوافذ على وقع إطلاق الرصاص في الهواء، فيهرع الناس لالتقاطها. ومن لا يتمكن من الحصول على رزمة دولارات، كان يقوم بتحطيم زجاج المحلات التجارية والاستيلاء على ما أمكنه من محتوياتها”.
بالتالي، “هدف تلك المجموعة لم يكن السرقة بحد ذاتها، إنما إشاعة حالة من الفوضى والغوغائية واهتزاز الاستقرار والأمن بشكل جماعي، بما يخدم مخططاتها لخلخلة الانتظام العام. المجموعة تقوم بعملية démarrage أو start-up للنهب، فتحوِّل الناس والمارة والموجودين في المحلة إلى لصوص. وما يحصل في لبنان أن القرار الكبير بالتهريب أو الـ démarrage اتخذ وقائم، فحوَّل كل من استطاع إلى مهرِّب”.
ويشدد سليمان، على أن “الحل الجذري يكون بإقفال الجيش اللبناني لكل معابر التهريب الأساسية نحو سوريا. فالتخزين للتهريب لم يصبح، ولا يعود، بهذا الانفلاش، لولا معابر التهريب السائبة”.
أي عملية نسخ من دون ذكر المصدر تعرض صاحبها للملاحقة القانونية
