#dfp #adsense

“إنفجار بيروت” أوسكار الى… مجهول!

حجم الخط

كتبت جوزفين حبشي في “المسيرة” – العدد 1719

أهالي ضحايا مرفأ بيروت كتبوا السيناريو بالدم والدموع

«إنفجار بيروت» أوسكار الى… مجهول!

4 آب 2020، الساعة السادسة وسبع دقائق عصرًا…

4 آب 2020، الساعة السادسة وسبع دقائق إعصارًا…

جائزة أوسكار «أروع» (من مريع) مشهد كوارثي دمّر مدينة عصيّة على الدمار، وشعباً مدمناً على الحياة، تُمنح الى… مجهول!!!

لم تنفجر القاعة بالتصفيق… لم يشعر أهم مخرجو هوليوود والعالم بالخيبة لأن الجائزة لم تسند لهم. ساد الصمت، سادت الصدمة، غاب المنطق والضمير. إنتظر الحضور ومعهم أكثر من 200 قتيل و6500 جريح، وأشلاء أحياء كثيرة في بيروت، أن يصعد أحد ما الى المنصة لاستلام الجائزة. لم يصعد أحد، لم يظهر أحد، ولا يزال الحضور والضحايا في حالة إنتظار.

وحدها السينما لم تنتظر. بعد أيام قليلة من ثالث أكبر إنفجار في العالم، إرتدت السينما اللبنانية رداء الطبيب الأبيض، وهرعت لإسعاف الذاكرة، غير عابئة بالجدل والإنتقادات حول التسرّع في عرض مأساة تنكأ الوجع في جسد وطن لا يزال ينزف دمًا وقهرًا وظلمًا. لم تنتظر السينما، أليس التدخّل السريع هو العلاج الوحيد القادر على إنقاذ ما يمكن إنقاذه، وإبقاء ذكرى من ماتوا على قيد الحياة؟ بلى.

أفلام كثيرة تم إعدادها عن إنفجار بيروت، وأفلام عديدة سيتم إعدادها، وبين الأمس والمستقبل، نتوقف اليوم عند بعضها في الذكرى الأولى لجريمة العصر.

 

«بيروت 6:07»

« كونسولتو أطباء» مؤلف من شركتي «ذي بيغ بيكتشر ستوديوز» و»إيماجيك» و15 مخرجًا سينمائيًا لبنانيًا، انطلقوا فورًا، ومن دون مقابل مادي، فكانت البداية مع سلسلة عمليات سينمائية قصيرة، حملت عنوان «بيروت 6:07»، وتراوحت مدة كل منها بين 6 و7 دقائق (في إشارة للساعة التي وقع فيها الإنفجار في مرفأ بيروت). هذه الأفلام القصيرة هي رسائل إنسانية تكريمية أكثر من كونها مشروع سينمائي. فعلى رغم الضياع من جراء هول الكارثة، إستنفرت كل من شركتي «ذي بيغ بيكتشر ستوديوز» و»إيماجيك» مع كامل طاقم المخرجين والتقنيين والممثلين، واتحدوا جميعًا على فكرة تكريم بيروت وضحاياها لإبقاء ذكراهم حيّة، ومساندة الأهل وشكر كل من ساهم في عمليات الإنقاذ. وتحولت المبادرة واقعًا عندما أبدت مجموعة MBC رغبتها في دعم المشروع تضامنا مع لبنان. وبعد أقل من ثلاثة أشهر على المأساة، كانت هذه الأفلام القصيرة التي عُرضت أولا على منصة «شاهد VIP « ثم على قنوات MBC و LBCI، تلقى نسبة مشاهدة عالية جدًا في العالم العربي كله.

15 فيلمًا (مثل «175» و»تروبيل» و»عماد» و»لا يموت» و»يوم عادي» و»عازفة البيانو» و»بترون» و»أجمل يوم في حياتي» و»ميرا» و»ستارداست» وميّت حيّ»)، قدمها 15 مخرجًا لبنانيًا، نذكر منهم إميل سليلاتي ومازن فياض وكارولين لبكي وكارل حديفي وإنعام العطار وكريم الرحباني وسيم سكر ورنا عيد وناديا طبارة وإنغريد بواب وساندرين زيتون ولوسيان بو رجيلي. وتناولت الأفلام كلها لحظات ما قبل الإنفجار وما بعده، من خلال مزيج من المشاهد التوثيقية الواقعية والخيالية التصويرية. وجسّدت كلها رؤية المخرج الخاصة من الناحية النفسية والمعنوية والحسية لقصص حقيقية عن الإنفجار، بعدما تمّ جمعها من أهالي الضحايا أو الناجين. بدورهم لم يتردد ممثلون كثر في المشاركة في هذه التحية ونذكر منهم ريتا حايك وديامان بو عبود وكارول عبود ورودريغ سليمان وفادي أبو سمرا.

هذه الأفلام الـ15 جاءت كلها مؤثرة مؤلمة ومتشبثة بالحياة رغم الموت المحيط بها، ففي»175» قدمت كارولين لبكي تحية مؤلمة لضحايا فوج إطفاء بيروت، وفكرة تمنى الجميع لو أنها كانت حقيقة (خصوصًا أهالي الضحايا)، لأن فريق الإطفاء سينجح في مهمته وسيعود كل فرد من أفراد الطاقم إلى بيته سالمًا.

بدوره فيلم «عباس وفاضل» للمخرج مازن فياض، تسلل الى قلوبنا بالأمل مع تسلل ذلك الإبن إلى المرفأ وراء سيارة إسعاف، إستطاع إنقاذ والده من تحت الركام.

أما «عازفة البيانو» لإميل سليلاتي، فجاء كأجمل رسالة تشبث بالحياة وهو مستوحى من السيدة مي ملكي التي غزت صورها الشاشات المحلية والعالمية، وهي تعزف على البيانو في منزلها المحطم بفعل الإنفجار.

من الأفلام المميّزة أيضًا، شريط «تروبيل»الذي يصطاد اللحظات الأخيرة من حياة الصياد يوسف الذي تم انتشال جثته من البحر بعد 9 أيام على الإنفجار.

أما «عماد» للمخرجة سندرين زينون، فيشبه أحلام معظم اللبنانيين التي تبخرت وضاعت، كما تبخّر حلم زوجة عماد الحامل بحياة كريمة بعيدًا عن وطن الخيبات، وهي تراقب الإنفجار من منزلها، وزوجها الذي سافر وحده على متن تابوت يقطع الشارع.

أيضًا من أكثر الأفلام عبثية في تلاحم ثانية الموت بلحظة الحياة، يقدمها فيلم «المحظوظون» الذي سيجمع في رواق مستشفى، والدتين إثنتين. الأولى حضرت قبل الإنفجار بعدما تم إيجاد متبرّع لابنتها الصغيرة التي تحتاج لعملية زراعة قلب. والثانية وصلت بعد الإنفجار لتكتشف أن إبنها مات.

وختامها مع شريط «ميّت حيّ» الذي تنقلنا من خلاله رنا عيد الى زمن مستقبلي، وتحديدًا الى سنة 2050، حيث سنستمع الى حوارات متخيلة بين أرواح ضحايا لم يتم العثور على أشلائهم، لا يزالون هائمين ومعلقين بين عالمين، بانتظار العدالة.

 

«شظايا المدينة: بيروت 6,07»

من أكثر الأفلام المؤثرة والحقيقية والعابقة بالحزن والغضب على دمار بيروت، شريط «شظايا المدينة: بيروت 6,07». الفيلم من إخراج كارول منصور التي عملت على تقديم مجموعة كبيرة من الأفلام الوثائقية المستقلة خلال 25 عامًا، وكلها تدور في فلك حقوق الإنسان والعدالة الإجتماعية، وقضايا الهجرة، والعمال واللاجئين والقضايا البيئية والصحة العقلية والحرب والذاكرة وعمل الأطفال.

ألم كارول منصور وسخطها على من حوّل مدينتها شظايا وأشلاء، ولعب أطفالها أحلامًا مبتورة، تحّول فيلما توثيقيا مدته 16 دقيقة، واعترافا دوليًا أوجع لجنة تحكيم مهرجان» SR – Socially Relevant Festival»  في نيويورك، فمنحته جائزة أفضل فيلم وثائقي قصير في شهر آذار 2021. وكيف لا يستصرخ الفيلم ضمير المجتمع العالمي والفن السابع، بعدما تحوّل كاميرا وثّقت عبره منصور بالصوت والصورة نزاع مدينة الحياة، بعدما حملتها وخرجت بها الى بيروت المنكوبة بعد الإنفجار. الفيلم ليس تقليديا، فيه قسوة الواقع وحطام الأحلام وانغراز الزجاج في قلب العاصمة، وغضب ونقمة من الطبيعي أن يترافقا مع الشتائم التي انهمرت على رأس «رؤوس السلطة الفاشلة «التي لم تبادر حتى الى مساعدة الشعب في رفع الأنقاض وتنظيف الشارع  ولملمة أشلاء الأرواح والممتلكات والبيوت.

 

«بيروت بعد الـ40»

أيضا من الأفلام التي وثّقت إنفجار بيروت وحظيت بجوائز عالمية، شريط أنطوني مرشاق «بيروت بعد الـ40» الذي سبق أن شارك وفاز في مهرجان لندن للأفلام الوثائقية، بجائزة «أفضل فيلم وثائقي (سيرة ذاتية)». أيضًا شارك الفيلم خلال شهر حزيران الماضي في «مهرجان البرازيل الدولي الشهري (BIMIFF) ، واستطاع أن يقطف جائزتي «أفضل فيلم وثائقي» و»أفضل مخرج لفيلم وثائقي» في»مهرجان جنوب أميركا» (South AmericaAwards) بعدما نافس أفلامًا من كل من كندا، اليابان، مالطا، إيران، إيطاليا والولايات المتحدة في نهائيات المهرجان عن فئة الوثائقي.

«بيروت بعد الـ40» شريط من نوع السيرة الذاتية، يروي من خلاله أنطوني مرشاق ما حصل معه شخصيًا «في 4 آب الساعة 6:07 مساء. لقد كان على بعد أمتار قليلة من موقع الإنفجار، وفجأة تغيّر كل شيء… الشريط الذي أعاد مرشاق الى مسرح «الجريمة» بعد 40 يوما على الإنفجار، وضعه وجهًا لوجه أمام الكابوس النفسي والجسدي، وكان بمثابة علاج له من جروح لن تشفى أبدًا من ذاكرته وذاكرة وطن.

سنة مرّت على انفجار بيروت. لم يتغيّر شيء. لم يتحرّك أحد سوى الشعب الذي لملم جراحه بنفسه، والسينما التي أصرّت وستظل مصرّة أن تكون الشاهد الناطق والصوت الصارخ في بريّة الدولة الفاشلة حتى عن الاعتذار والانسحاب.

سنة مرّت على انفجار بيروت. الدعوات لحضور الحفل الأول لأوسكار جريمة العصر بدأت توزّع. هل سيحضر المرشحون للجائزة؟ هل سيكون هناك فائز بأوسكار القاضي بيطار؟ في السينما اعتدنا على النهايات السعيدة، فلنأمل خيرًا.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل