
كتبت ريما بجاني في “المسيرة” – العدد 1719
ما بعد الصدمة… إضطرابات قلق «تروما»…
الصحة النفسية علاج لا ترف
عندما دوى إنفجار المرفأ كان جورج في سيارته يصوّر المشهد السوداوي من دون أن يدرك حقيقة الكارثة. فجأة سمع دوي الإنفجار. الدخان غطى المنطقة ولم يعد قادرًا على الخروج من السيارة، وبقي عالقاً لوقت طويل. بعد أيام تلقيت إتصالاً وكان جورج على الخط وأخبرني أنه يعاني من أعراض عديدة بعد الصدمة التي تلقاها، أبرزها: قلق، Panic attaks أي رجفان، دقات قلب، دوار، خوف من الإعماء، عدم القدرة على النوم، الخوف من الأصوات، الخوف من الأماكن المغلقة.
مما لا شك فيه أن إنفجار 4 آب خلّف تداعيات نفسية كبيرة على الناس، من قلق وإحباط، وخصوصا إضطرابات ما بعد الصدمة. ما هي التداعيات التي يعيشها اللبنانيون؟
أربعة محاور تؤطّر واقع حال اللبنانيين الذين عاشوا فاجعة تفجير المرفأ:
إضطرابات ما بعد الصدمة، وهي الأكثر شيوعًا. فما هي الأعراض؟
خوف كبير، قلق، أفكار سوداوية، رجفان، دقات قلب سريعة، ترقّب بقلق، فيصبح أي صوت وفعل وحركة مرتبط ولو بطريقة غير مباشرة مع الأنفجار، ويعيش من جديد الإنفعالات التي تعرض لها لحظة الإنفجار، فيعيش الإضطرابات وتتطور الى panic attak، إحباط.
الصدمة طالت كل اللبنانيين. فالشعب اللبناني لم يكن في حالة حرب وإنما في حالة سلم، لذلك كانت مفاعيل الصدمة أقوى وطالت شريحة كبيرة خصوصًا من عايشوا الحرب اللبنانية، والأطفال الذين عاشوا القلق من خلال الأهل أو إصابتهم المباشرة. من هناك كانت أعراض القلق عند الأطفال أكثر تفاعلاً وخطورة.
القلق نوع من أنواع الإنفعالات الضرورية، تنمو وتتفاعل من خلال الأزمات وتساعده على إيجاد الحلول، وهو ما يُعرف بالذكاء العاطفي. عندما يتخطى الإطار الطبيعي للتفاعل، لكن عندما يفقد الفرد كل صلة مع الواقع والمنطق، عندها يمكن التكلم عن القلق كإضطراب يعيقنا ويعيق تطورنا الذهني والشخصي.
إن الصدمة التي طالت الجميع، ومن خلال مختلف الشخصيات والفئات العمرية، تحوّلت بشكل مباشر الى قلق ما زالت أعراضه تلازم بعض الأشخاص حتى يومنا هذا، وتحوّلت الى إضطرابات نفسية أخرى كالـ panic attak والإحباط.
يظهر القلق عند الأطفال من خلال إضطرابات النوم والخوف والبكاء والإلتصاق بالأهل. قد تكون أسباب القلق عند الأطفال ناتجة عن الإصابة في الإنفجار والتواجد في محيطه، أو مشهد الدمار وسماع الأصوات، أو حتى من خلال توتر الأهل وقلقهم. إصلاح هذا الضرر النفسي يبدأ عبر الأهل والعمل على تهدئة قلقهم من خلال الأفكار والتصرفات بحسب الأعمار، وإخبارهم بجزء من الحقيقة بطريقة غير مؤذية وصادمة. ومن الضروري أن لا نكذب عليهم أو أن نستهتر بانفعالاتهم. فعدم فهم ما يحدث يسبب قلقاً كبيرًا.
يحصل أحيانا أن تتزايد الأعراض وتتفاعل بعد مرور سنة على الإنفجار، هنا يجب التوجه الى أخصائي لمعرفة حجم الضرر النفسي والأطر الأساسية للعمل على علاجها.
يمكن التكلم عن أعراض الى جانب القلق وهي الغضب والقهر frustration والإحباط، من منطلق عدم القدرة على تحمّل الأعباء النفسية. فالشباب في العادة يتمتعون بطاقة إيجابية وقدرة على تحويل السلبية الى إيجابية. خاصية مهمة لتنمية القدرات الذهنية والنفسية. ولا يُخفى على أحد أن الشباب اللبناني عايش مراحل صعبة، بدءا من الوضع الحالي في لبنان، مرورا بالكورونا وعدم القدرة على النمو والتطور، والأزمة الاقتصادية وصولا الى إنفجار 4 آب. كل هذا أدى الى فقدانه القدرة على التغيير والأمل والعمل على تحسين ظروفه ومستقبله، مما جعله عرضة للإحباط والتقوقع في أفكاره السوداوية، والوصول الى درجة الإنتحار في بعض الحالات.
الغضب impulsivité والتمرد هما أيضًا من الدفاعات النفسية السلبية. وقد يتفاقم الوضع مع هذه الشريحة العمرية، من هنا يجب أن تكون لدى الفرد قدرة على إيقاف الإنحدار نحو السلبية، والعمل على تحويل الأفكار وتنمية القدرات الذهنية.
ماذا عن الإضطرابات النفسية التي طالت شريحة كبيرة من الناس خصوصًا الذين عايشوا الحرب اللبنانية والإنفجارات؟
هناك من يشعر مباشرة بأعراض ما بعد الصدمة، وهناك من يخزنها refoulement في اللاوعي، فيكون عرضة لتفجيرها في لحظة ما، وقد يكون ذلك نتيجة حادث مماثل. وهذا ما يُعرف بـTraumatism 2ème coup، إذ يشعر المرء بكل الأعراض وينفعل حتى لو لم يكن معنيًا بالحدث بشكل مباشر.
الضرر النفسي على هذه الشريحة من الناس، خصوصا المقاتلين الذين كانوا في أرض المعركة، كبير، وقد تسبب بصدمة كبيرة وتعيد إحياء ذاكرة الحرب بعدما تعافوا منها. وعلى سبيل المثال لا الحصر، عندما عاد الجنود الأميركيون من حرب العراق مثلا، تحوّلوا مباشرة الى معالج أو طبيب نفسي وقاموا بكل اللازم للتأكد من تعافيهم من صدمات الحروب. كذلك الحال في كل البلدان التي تعرضت للإرهاب، حيث تكون هناك متابعة نفسية للمقاتلين وعائلاتهم.
من الضروري بعد إنفجار 4 آب مساعدة الناس على العمل على إفراغ الأحاسيس والإنفعالات لنضمن الى حد ما القدرة على الإنسان أن يتخطى في المستقبل أي حادث من خلال استراتيجية نفسية محددة.
ماذا عن الذين فقدوا شخصًا عزيزًا في انفجار 4 آب؟
للموت رهبة يتفاعل معها الإنسان كل بحسب تربيته وثقافته، ومن أبرز الأعراض: الحزن الكبير والإحباط. فكيف إذا كانت هذه الخسارة غير موجبة كما حصل في 4 آب، هنا الخسارة كانت على مستوى العائلة والأشخاص المقربين، والشعب اللبناني بأكمله الذي عاش هذا الحزن والإحباط. والثابت أن التضامن بين الناس ساعد على تبريد الألم في لحظتها، ولكن طبعا كل بحسب موقعه. لكن الجرح لم يندمل لأن الخسارة كانت أكبر من طاقة الإنسان، ووحدها الحقيقة قد تبرِّد من حرقة الوجع.
اللبناني منهك بالأزمات، أولوياته، حياته ومتطلباته اليومية. لكن في خضم كل هذا التعب، يجب أن نولي أولوية لصحتنا النفسية لأنها تساعدنا على إيجاد الحلول والتفكير بإيجابية. حان الوقت أن نفرّغ الطاقة السلبية ونعمل على تصريف التوتر والقلق حتى لا نغرق أكثر في الكآبة.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: australia@almassira.com
