
كثرت التحاليل بعد الانسحاب الأميركي من أفغانستان كذلك بعد استعادة حركة طالبان سيطرتها على البلاد كلّها في أسبوعين تقريبًا من تاريخ الانسحاب. وما لا شكّ فيه أنّ هذا الانسحاب سيكون له تداعيات على المنطقة ككلّ. لكن من المبكر الجزم بما قد تؤول إليه الأمور، إن كان في الداخل الأميركي بعد كثرة الانتقادات التي يواجهها الرئيس بايدن، وإن كان في منطقة الشرق الأوسط. فهل سيكون لبنان بمنأى عن هذه التداعيات؟ وهل هذا مؤشّر للحرب الكبرى التي تُحَضَّرُ للمنطقة منذ سنوات؟
من المؤكّد أنّ القضيّة اللبنانيّة لم تعد محصورة في حدود الـ10452 كم2 وذلك لأنّ حزب الله، الحزب اللبناني الذي تحوّل إلى منظّمة مسلّحة عبرت هذه الحدود؛ لذلك صارت القضيّة اللبنانيّة قضيّة ذات بعدٍ إقليمي. وبعد المؤتمر الذي حدث في الأوّل من تمّوز الماضي في الفاتيكان صارت القضيّة اللبنانيّة قضيّة دوليّة لأنّ لبنان الصغير كبير بتأثيراته الجيوبوليتيكيّة في محيطه. ولأنّ الاهتمام الدّولي في الخمسين سنة المقبلة سيتركّز في الحوض الشرقي للمتوسّط بسبب الكميّة الكبيرة من الغاز المكتَشَفَة في هذه المنطقة. ولا يبدو بأنّها ستكون بمنأى عن التأثيرات الدّوليّة.
أمّا منطقة الخليج العربي، وقد استُنزِفًت مواردها الطبيعيّة، وباتت على خطّ النهضة الحضاريّة الاجتماعيّة، فلم تعد تشكّل عنصر تهديد دولي بعدما تمّ تدجين أصوليّتها ولم تعد على قدر من الأصوليّة الشيعيّة التي تمّ تصديرها بوساطة الثورة الاسلاميّة في إيران التي تمدّدت بأذرع عسكريّة سيطرت على عواصم أربع، ودخلت في صلب تركيبة أنظمة ومؤسّسات بعضها، كلبنان والعراق مثلا.
من هنا، الخطر الكبير الذي ترصده دول الغرب يكمن في هذه الثورة التي صُدِّرَت بوساطة فيلق القدس من الحرس الثوري. وهنا بيت القصيد. لكنّ المشكلة الكبرى تكمن في غياب أيّ مواجهة عربيّة لهذه الثورة. فحتّى المواجهة الفكريّة الحضاريّة معدومة. وقد اقتصَرَت على ارتفاع منسوب التحرّر في بعض الدّول العربيّة فقط كالإمارات العربيّة المتّحدة وقطر والسعوديّة وغيرها.
لذلك، على الدّول العربيّة إطلاق مواجهة فكريّة حضاريّة في دولها أوّلا تقوم على قواعد الحرّيّة وحقوق الإنسان وتعمل على تصديرها أسوة بما فعلته الثورة الإسلاميّة في إيران، لتكون الدافع في مواجهة هذا الفكر المتطرّف مذهبيًّا وإثنيًّا. ولبنان ليس بمنأى إطلاقًا عن هذه المواجهة لأنّ حزب الله باستزلام جماعة 6 شباط المسيحيّين له قد تمكّن من السيطرة على الدّولة اللبنانيّة، وقاد منظومة سياسيّة وانغمس بفسادها حتّى “العضم” هو وحليفه. وهذا ما سيسقط مصداقيّته السياسيّة في الشارع اللبناني المواجِه.
وهذا ما سيعطي لبنان حصانة ضدّ أيّ حرب قد تنشب في المنطقة. وكلّما حصّن اللبنانيّون دولتهم بعيدًا من هيمنة هذه المنظّمة، وكلّما استطاعوا التفلّت من ربقة هذه المنظومة التي تقودها، كلّما استطاعوا النأي بأنفسهم وبوطنهم من أيّ رُحى قد تدور في المنطقة عامّة. ولا خوف على الوجود الحرّ في لبنان طالما لا يزال هناك مجموعات حضاريّة مستعدّة لأن تكون وقت الخطر في الصفوف الأماميّة للدفاع عن كيانيّتها وحرّيّتها الوجوديّة.
ولا نخفي سرًّا إن جاهرنا بأنّ حزب القوّات اللبنانيّة هو الحزب اللبناني الوحيد الذي يخوض هذه المواجهة على المستويين اللبناني والإقليمي. لكن المطلوب من اللبنانيّين جميعًا أن يخرجوا من قمقم حلف الأقليّات الذي استطاع الرئيس عون يوم كان رئيسًا للتيار الوطني إيهام اللبنانيّين بضرورة مهادنة الوحش والعيش معه حفاظًا على وجوده. فكان ما كان في 6 شباط 2006، وحوّل تيّاره بالكامل من وطنيّ حرّ على قياس الوطن إلى جماعة 6 شباط تحت أقدام حزب الله في لبنان. وبذلك تخلّى عن الحريّة الشخصيّة الكيانيّة الجَمَاعيّة مقابل مكاسب سياسيّة رخيصة أمّنها له وللدائرة الصغرى معه. واليوم يتابع في النهج نفسه ليؤمّن ما أمّنه لذاته إنّما لصهره، ذلك النائب الذي نجح باتّفاق معراب وتحوّل إلى مِثال للفساد والشتم في 17 تشرين 2019.
قد نكون أمام مواجهة حضاريّة بين تطرّفين تجمعهما حدود مشتَرَكَة. ويخطئ مَن يظنّ أنهما سيستطيعان مهادنة بعضهما بعضًا. أعني هنا إيران ولاية الفقيه وأفغانستان طالبان. وهذا ما سيشغل المنطقة الخليجيّة في الخمسين سنة المقبلة من المواجهة الحضاريّة. والرهان على نفاذها من هذه المواجهة يكمن في مقدار الحرّيّة التي قد تنجح بضخّها لشعوبها. وحذارِ أن يدخل العرب في عمليّة تطبيع جديدة مع ولاية الفقيه فيصبحوا عندها بين فكيّ كمّاشة تطبيعيّة: إسرائيلي يهودي متطرّف وعنصريّ من جهة وإيراني فارسي ولاية الفقيه من جهة ثانية لن يقلّ عنصريّة عن الكيان الصهيوني.
أمّا لبنان فلا خوف عليه لأنّ الحرّيّة الشخصيّة الكيانيّة لا تزال مصانة فيه، وستبقى عند أولئك الأحرار المستعدّين للذّود عنها. فإن رضخ غيرهم واستمرّوا ببيع حرّيّتهم للنخّاسين الفارسيّين فاللوم عليهم وليس على الأحرار. وإن تحرّروا من عِقَدِ الحسدِ والحقد والكره لإخوتهم في الوطن فسيجدون أنفسهم على عرش الحريّة شرط أن يكونوا مستعدّين هم أيضًا للدّفاع عنها.
وللمحبطين الذين قرّروا حمل صور القديسين والشهداء وغرسة الأرز معهم ليمخروا عُباب اليمّ نصلّي لأن يعودوا إلى رشدهم الوطني لأنّ الوطن له علينا أكثر ما لنا عليه، والمطلوب منهم اليوم ومن غيرهم بالحدّ الأدنى، البقاء الذي يشكّل أقوى شكل من أشكال المقاومة الكيانيّة كما قال غبطة أبينا البطريرك الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي. فإن خرجوا من جغرافية هذا الوطن سيخرجون من تاريخ الكون. أمّا نحن فـ”باقيين” ومقاومتنا مستمرّة حتّى انقضاء الدّهر.