لبنان المنهار “مكبّل” بـ6 حقائق… طهران أوّلها

دخلت المنطقة مرحلة قاسية من الاستحقاقات لم تكن فضيحة أفغانستان آخرها، بل الى حد ما إشارة انطلاقة لخلط أوراق جديد في المشهد الإقليمي من بوابة كابول.

لبنان الحلقة الأضعف في البانوراما الإقليمية يقف مشتتا بين خيارات مصيرية وهو عاجز لوحده عن السير في أي منها لأنه بكل بساطة سليب الإرادة والسيادة ومختطف من محور المقاومة والممانعة، ذلك المحور الذي يعاني بدوره من حالة ضياع امام القرارات الكبرى المطلوب منه اتخاذها.

في هذا الإطار لا بد من تسجيل الآتي:

أولاً: الانهيار الذي وصله لبنان لم يكن صنيعة خارجية، بل نتيجة خيارات داخلية مميتة ذهبت بعكس ما وجد لبنان تاريخياً من أجله: خيار العداء لمحيطه العربي والخليجي، خيار العداء للمجتمع الدولي، خيار ضرب الشرعية الأممية من خلال اسقاط القرارات الدولية ذات الصلة باستعادة لبنان سيادته واستقلاله وإعادته على سكة البناء والعمران والتنمية وعلى خريطة الدول الفاعلة.

فلا يجب أن نلقي اللوم على الخارج القريب قبل البعيد أن ترك لبنان خصوصاً متى باتت خياراته تؤذي وتهدد هذا الخارج ومصالحه، بل علينا لوم أنفسنا وحكامنا وسلطتنا المستسلمين للمشروع المناقض للدولة القوية، مشروع التفتيت والظلامية والتطرف.

ثانياً: العقوبات الأميركية والأوروبية آتية آتية على المسؤولين اللبنانيين، خلال أسابيع، وستكون قاسية بالمبدأ القانوني، لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو معرفة الى أي حد يمكن ان تكون مؤثرة خصواً بعدما استغرق الإعداد لها أوروبياً والبوح عنها أميركياً فترة زمنية كافية لتمكين كل من يشتبه بنفسه أنه مستهدف من أن يجري الترتيبات اللازمة على ماله وممتلكاته إن وجدت في الولايات المتحدة أو أوروبا، لتجنب التأثيرات المباشرة لتلك العقوبات.

ثالثاً: بتاريخ 31/8/2021 سيتم التجديد لقوات الطوارئ الدولية جنوب لبنان في وقت تسعى فيه واشنطن الى تعديل جوهري في مهامها إن في العديد او العتاد او الصلاحيات، الامر الذي تعارضه فرنسا ومعها الأوروبيون.

واشنطن ترى ان ثمة موانع وعراقيل توضع امام القوات الدولية لمنعها من تنفيذ دقيق للقرار الاممي 1701 كمثل منعها من الكشف على مخابئ صواريخ حزب الله وعدم تعاون الدولة اللبنانية ومسؤوليها معها في هذا الإطار، لذا لا بد من فرض عقوبات على المسؤولين الرسميين الذين لا يتعاونون مع القوات الدولية.

لكن هذا التوجه لن يعتمد لدى التصويت انطلاقاً من ان أي تصعيد مع حزب الله في لحظة تعثر فيينا وسعي واشنطن الى احيائها لن يخدم أهدافها حالياً.

رابعاً: حزب الله ومن حيث يريد أو لا يريد ورط لبنان في صراع إقليمي دولي كبير لم تكن فصوله الأخيرة مسألة استقدام السفن الإيرانية المحملة بالمحروقات الى لبنان بحجة المساعدة على تجاوز لبنان واللبنانيين أزمتهم الاقتصادية وضائقتهم المعيشية.

فالحزب المتورط أساسا في الازمات الإقليمية والمواجهات في عدد من عواصم المنطقة استسهل التلاعب بمصالح لبنان لخدمة اجندة طهران وقد انتهجت منذ انتخاب إبراهيم رئيسي مواقف تصعيدية ومتشنجة حيال مفاوضات فيينا وملف ميليشياتها الإقليميين. وصرح وزير خارجيتها الجديد منذ أيام بمتابعة دعم تلك الميلشيات، وترافق تصريحه مع توترات ميدانية في العراق واليمن حيث عاد رمي المسيرات على الأراضي السعودية. فالحزب بقراره استقدام سفن نفط إيرانية، انما ضرب عرض الحائط بالآتي:

1 – بسيادة لبنان، إذ أثبت أن قرار الدولة مصادر لا بل مُسلّم الى حزب الله خصوصاً في ما يتعلق بالسياسة الخارجية، اذ كيف يعقل أن يقرر فريق لبناني، مهما بلغ حجمه وأهميته، أو أن يسمح لنفسه بجر البلاد كلها وسائر الأطراف اللبنانية الى محور يرفضونه ويرفضون تداعياته عليهم.

2 – بعلاقات لبنان مع الغرب ولا سيما الولايات المتحدة حيث العقوبات لا تزال مجهزة على ايران وعلى كل دولة او طرف يتعاون معها او يتعامل معها.

3 – بعلاقات لبنان مع الخليج العربي المستنكف عن مساعدة لبنان لكون الدولة والعهد والسلطات كلها حليفة محور إيران وحزب الله.

والادهى من كل هذا سكوت لبنان الرسمي المنحاز والمتحالف عن التعليق على قرار حزب الله، معطوفاً عليه تصريح النائب جبران باسيل منذ أيام غداة جلسة مجلس النواب الأخيرة حين أطلق ثلاثية تحالفية جديدة بإشارته الى ان سياسات حاكم المركزي رياض سلامة تضرب العهد والمقاومة والتيار، إذ لم يعد بالإمكان لباسيل او سواه من التيار التنكر للحقيقة التحالفية وينقض بالتالي حديثه في ذلك اليوم وقبل ثوان من ان التيار وكتلته النيابية اقلية لا أكثرية.

وفي مجال الحديث عن سياسات حاكم المركزي نسأل باسيل: لماذا لا يمارس التيار الذي تنتمي اليه مفوضة الحكومة لدى المصرف المركزي صلاحياتها بوقف قرارات الحاكم؟ لا بل لماذا لا تمارس حقها بموجب المادة 42 من قانون النقد والتسليف بمراقبة محاسبة المصرف المركزي؟ وبموجب المادة 43 بطلب تعليق قرارات الحاكم التي تراها مخالفة للقانون والأنظمة؟ وبموجب المادة 44 بالاطلاع على سجلات المصرف المركزي بمن فيهم ملفات الذين تحميهم السرية المصرفية بعدما رفع مجلس النواب بقانون جديد في شهر كانون الأول 2020 السرية عن كافة موظفي الدولة والوزارات والإدارات العامة تمهيدا للتدقيق الجنائي؟ وبالتالي، لا مجال لنكران الشعبوية في المواقف والكذب على الرأي العام.

خامساً: لبنان تحت الاحتلال الإيراني غير المباشر من خلال حزب الله، وقد أرسى الأمين العام للحزب حسن نصرالله في خطابه الأخيرة معادلة داخلية جديدة كفصل من فصول ارتدادات الإقليم على الداخل: الباخرة في مقابل السفارة أي السفارة الأميركية. ومن هنا نفهم الهجوم الذي شنه نصرالله على السفيرة الأميركية في لبنان دوروثي شيا ومن خلالها على الولايات المتحدة، اذ ان كلامه هذا صدى لحقيقة المواجهة الدائرة في فيينا وفي كواليس القرار الدولي.

فلم تكن صدفة إطلاق صواريخ مجهولة المرة الأولى ثم مكشوفة المرة الثانية من أراضي الجنوب باتجاه إسرائيل والتصعيد الذي شهدته المنطقة مع الرد الإسرائيلي النوعي جوا في نفس وقت استعار ما اصطلح على تسميته حرب السفن والناقلات في خليج عمان مع مهاجمة السفينة الإسرائيلية.

ولم تكن صدفة أن يبادر نصرالله إلى الإعلان عن استقدام النفط الإيراني الى لبنان من طرف واحد ومن دون أي تنسيق مع الدولة اللبنانية في نفس لحظة اعلان واشنطن على لسان مدير الاستخبارات الأميركية عن إمكانية عدم العودة الى طاولة فيينا.

ولم تكن صدفة أن يعتبر نصرالله السفن الإيرانية أرضاً لبنانية رافعاً عن كاهل طهران مهام المواجهة المباشرة مع إسرائيل إن هي اعتدت على تلك السفن بعدما بدأ القلق ينتاب القيادة الإيرانية من أحداث أفغانستان شرقاً.

ويبقى أن ننتظر لنرى ما إذا كانت إسرائيل ستعترض السفن الإيرانية، ما يعني اندلاع مواجهة غير محسوبة مع الولايات المتحدة وإسرائيل أم أن زيارة نصرالله إلى بشار الأسد ستطفئ احتمالات تلك المواجهة بالتفريغ في سوريا؟

سادساً: ما حصل في أفغانستان سيؤدي الى خلق بؤرة توتر كبيرة في اسيا الوسطى، وقد دشنها الاميركيون لمحاصرة روسيا والصين من خلال أفغانستان بعدما تعذر على واشنطن تطويع ايران لتولي المهمة (وقد بادرت ايران الى الانفتاح على الصين وروسيا ووقعت مع بيجين اتفاقية الاستثمار الطويلة الأمد الشهيرة)، وهذه البؤرة ستطاول شظاياها كلا من ايران (المحشورة داخليا مع حالة عدم الاستقرار التي خلفتها انتفاضة اهل الاحواز العرب ومدن أخرى كبيرة احتجاجا على الأوضاع المعيشية المتردية) وباكستان والخليج والهند ما سينعكس نمواً للتطرف الإسلامي الديني في المنطقة وعودة الصراعات الاثنية والطائفية، وبالتالي ستعمل كل دولة على تقوية رصيدها من أوراق تملكها والتشدد في الدفاع عن مصالحها ما سينعكس توترا في المنطقة لن يسلم لبنان من تداعياته.

من هنا يمكن ان نفهم الصعوبات التي تعانيها عملية التأليف. فالمطلوب ليس حكومة انتخابات قد لا تحصل، بل حكومة فراغ دستوري قد يحصل ولذلك يسعى كل فريق سياسي الى ان تكون له الحصص المطمئنة، فالحكومة العتيدة ان تألفت قد تكون حكومة استحالة اجراء انتخابات جديدة وستملأ عندها الفراغ تماماً كما حصل مع حكومة الرئيس تمام سلام. لذا عادت المحاصصة من بابها العريض خصوصاً من قبل فرقاء محور الممانعة والمقاومة.

حزب الله انعكاس لإيران ووضعه انعكاس للوضع الإيراني في المنطقة، ولبنان امام ساعة الحقيقة من الآن حتى أيلول المقبل، وعلى اللبناني تحمل الأثقال والمشقات.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل