
ثمة بوادر قلق في بعض الأوساط الرسمية التي تضع علامات استفهام حول مصير حصة لبنان البالغة نحو 860 مليون دولار، من حقوق السحب الخاصة التي أقرَّها صندوق النقد الدولي للدول الـ190 الأعضاء لمواجهة تداعيات جائحة كورونا، وقيمتها الإجمالية 650 مليار دولار.
وفيما اعتقد كثيرون أن هذا المبلغ يحوَّل تلقائياً نقداً إلى حساب مصرف لبنان، تبيَّن بعد التدقيق أن المسألة قد لا تكون محسومة ومضمونة بهذه البساطة، إنما تتطلب مساراً معيّناً بموجب القواعد التي يعتمدها الصندوق. وذهب بعضهم إلى حدِّ التشكيك بإمكانية حصول لبنان على هذه الأموال، ما لم تتشكل حكومة جديدة مكتملة المواصفات للتعامل مع القضية.
الخبير الاقتصادي والمالي البروفسور جاسم عجاقة، يوضح، في حديث إلى موقع القوات اللبنانية الإلكتروني، أن “ما نحن بصدده هو حقوق سحب خاصة، أو ما يعرف بلغة الصندوق بـSpecial Drawing Rights (SDR). فلبنان يساهم سنوياً كسائر الدول الأعضاء، بحسب حصة كلٍّ منها، بمبلغ معين في الصندوق بمثابة اشتراك سنوي، إذا صح التعبير”.
ويشير، إلى أن “مجموع المساهمات يُعتبر SDR تُحتسب نسبتها لكل بلد بحسب حصته. والـSDR هو وحدة محاسبة في الصندوق وليست عملة قابلة للتداول بشكل مباشر أو احتياطياً فعلياً بالنقد الأجنبي، إنما بحاجة لتُستبدل بعملة صعبة نقدية، وقيمتها تتحدَّد وفقاً لسلّة من خمس عملات هي: الدولار الأميركي، واليورو، واليوان الصيني، والين الياباني، والجنيه الإسترليني”، لافتاً إلى أن “قيمة الـSDR مثبَّتة تقريباً عند حدود 1.4 دولار أميركي”.
ويضيف، أن “مجلس الإدارة ومن ثم مجلس المحافظين في الصندوق قررا توزيع مخصصات جديدة من حقوق السحب الخاصة لمختلف البلدان، لتعزيز الاحتياطيات والمساعدة على تحقيق التعافي العالمي من جائحة كورونا”، لكنه يشير، إلى أن “حصة لبنان من حقوق السحب الخاصة، كغيره من الدول، بحاجة إلى تبديل لتتحوَّل إلى أموال نقدية، أي أن تقوم دولة ما بشراء حصة لبنان من الـSDR وتعطيه قيمتها نقداً من العملات الصعبة”.
ويلفت، إلى أنه “في العادة، يتوجه لبنان إلى دول غنية تتمتع بملاءات مالية عالية لاستبدال الـSDR، لا إلى دول متعثرة وتعاني أوضاعاً مالية غير مريحة، وتقليدياً كان التوجه إلى الدول الصديقة التي تبدي غالباً استعدادها لمساعدة لبنان. أما اليوم فثمة تساؤلات حول من هي الدولة التي ستأخذ الـSDR الخاصة بلبنان وتمنح مقابلها دولارات نقدية، وذلك تبعاً للاعتبارات المعروفة واهتزاز الثقة الدولية بلبنان حالياً”.
وعما يتردد عن شروط معينة موضوعة على لبنان، يشير عجاقة إلى أن “المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا غورغيفا قالت إن لا شروط، وإنه سيحصل على ما يقرب من 860 مليون دولار من صندوق السحب الخاص لتعزيز الاحتياطي النقدي للبلاد والمساعدة في تلبية الاحتياجات الملحة للشعب اللبناني. لكن المنطق يفرض القول إن المجتمع الدولي لا يثق بلبنان حالياً على صعيد الحوكمة المالية، فكيف سيستبدل SDR لبنان بعملات صعبة يمنحها له في ظل هذا الواقع؟”.
أما بشأن إمكانية التفاوض بين صندوق النقد الدولي ولبنان، يقول، إن “الصندوق لا يتفاوض مع أي دولة ما لم تكن فيها حكومة أصيلة، لا حكومة تصريف أعمال أو حكومة مؤقتة. بالتالي، المسألة ليست سهلة في ظل الظروف الحالية، أما إذا تشكلت حكومة في لبنان عندها يختلف الأمر”.
ويشير، إلى أن “توزيع حصص الـSDR التي أقرَّها الصندوق ستذهب إلى مشاريع اجتماعية واقتصادية تصب في مواجهة تداعيات جائحة كورونا على الاقتصادات والمجتمعات. من هنا، ولنفترض حصول تعقيدات معينة بالنسبة لحصة لبنان، يمكن لأسباب إنسانية وتفاقم الوضع الاجتماعي أن يُسهِّل صندوق النقد حصول لبنان على نسبة من حصته نقداً، من دون تعقيدات، لتأمين مواد أساسية وحاجات إنسانية ملحة طارئة للشعب لا تحتمل التأجيل”.
ويعتبر عجاقة، أن “المادة 19 من اتفاقية الصندوق التي تنصّ على شروط استبدال حقوق السحب الخاصة بعملات احتياطية، وأبرزها البند الثالث الذي يوجب أن تبدي الدولة حاجتها الماسّة لاستعمال الـSDR لتمويل ميزان المدفوعات وليس لدعم السلع، تُطبَّق في الأحوال العادية من ضمن اتفاق برنامج مع صندوق النقد”.
ويضيف، “يمكن لأي دولة في الأحوال العادية أن تطلب سحب حصتها من الـSDR أو جزء منها من خلال التفاوض مع الصندوق، لكن علينا أن ننتبه إلى ما إذا كنا نتحدث عن طلب سحب عادي أي normal withdrawal أو عن توزيع حصص الـSDR بقرار من الـIMF”، معرباً عن اعتقاده بأن “المادة 19 لا تنطبق في الحالة الحاضرة”.
أما بشأن تصريح المدير التنفيذي في صندوق النقد محمود محيي الدين، عن أن هذه الأموال ستكون سائلة لدى البنوك المركزية ويمكن تحويلها تلقائياً إلى عملات صعبة وتكون في ملكية المصارف المركزية للدول فور تسلمها، والتي يمكن أن تحوِّلها إلى عملات حرة تضاف تلقائياً إلى الاحتياطي الأجنبي لدى البنوك، يرى عجاقة أن “على الصندوق توضيح ما يقصده بتحويل الـSDR تلقائياً إلى عملات صعبة سائلة، لمنع أي التباس، إذ إن هذا التصريح يفتح الباب لكثير من التفسيرات حول ما إذا كان لبنان سيتلقى حصته نقداً أم لا، مع التشديد على متابعة المسؤولين اللبنانيين لهذه المسألة مع صندوق النقد”.
أي عملية نسخ من دون ذكر المصدر تعرض صاحبها للملاحقة القانونية
