Site icon Lebanese Forces Official Website

بديش كون طائر الفينيق بقدر؟

يلتف لبنان حول نفسه بزنار الطوابير، او لعله زنار نار تحرق اعصابه وتحرق عمره بلهب الاذلال.

كلو معصب مجنون بغضبه المكتوم، كلمة واحدة صغيرة كفيلة باشعال حرب ضروس عند المحطات. نفترش الليل هناك. نأخذ العشاء والماء والمخدة كمان، ونستلقي في السيارة الى ان يُجفلنا صوت زمور بأن “قوم خلصنا وصل دورك!”.

عند الطوابير تعارفنا ونشطت بيننا العلاقات الاجتماعية، والافكار التجارية الجنونية ايضاً. من كان ليتصور يوما ان يبيع اللبناني مساحة انتظار لا تتجاوز المتر مربع، هي طول السيارة وعرضها، لاخر لم يتمكن من دخول الطابور؟! من كان ليخطر بباله تجارة مماثلة؟! ابداع في اختراع أساليب الربح السهل الممتنع، وهذا امتياز لبناني صرف، وكل شي بيصير بالليرات والدولارات، والجنون فنون والفنون جنون ايضا.

“شو سعر المساحة المحجوزة” ويهرب مني الشاب ظنا اني من عناصر امن الدولة او ما شابه. “انا صحفية ما تخاف ولن انشر صورتك”. يطمئن ويقترب مني ابراهيم ويخبرني بعضا من سر المهنة، “بتعرفي بالبقاع الوضع اصعب من غير مناطق، وبدنا ندبر حالنا، كل يوم ببيع شي اربع خمس مطارح. بركن سيارتي من الليل وبيع الصبح وهكذا دواليك”. وماذا عن التسعيرة يا ابراهيم “الحمدلله مستورة، بين 200 و300 الف ليرة، حسب قدرة الزبون”! يجيب. زبون؟! ايمكن ان نسميه زبون المتر المربع؟ يضحك من قلبه “متل ما بدك انتو الصحافة شاطرين بالوصف”، ويهرع الى “عمله” قبل ان يطير منه الزبون الى بروكر آخر!

لا اعرف ما اذا كان هذا حلم ام حقيقة، والانكى من ذلك اني وجدت ضالتي في ابراهيم، فاشتريت منه مساحته المحجوزة، لكنه راعاني في التسعيرة ورفض ان يأخذ اكثر من مئة الف ليرة فقط لاني بنت المنطقة! مشكور والله على الصولد…

وأحلا أحلا ما في تلك المشهديات البائسة المتنقلة صرخة الفرح! إي نحن صارت لنا غير منافذ للفرح، وغير صرخات عن تلك التي اعتدناها من زمان، زمان كتير! فرح غير تقليدي وغير اعتيادي نعبّر عنه دائما بصخب كبير، وبتلك الكلمة الشاعرية الجميلة “خييي عبّيت السيارة”! أو “واووووو إجت الكهربا”! او “يا عمر عمري ضوّا الموتور وضوّا الموتور”… ونبدأ حفلات الرقص والزلاغيط والهيصة والاحتفال بالانجاز العجائبي الكبير، وما ان نضع أول قدم قرب الاخرى بحلقة الدبكة، يجف خرطوم البنزين بعد انتظار تناعشر ساعة بلكي، او ينقطع حس الكهربا، ويزعق الموتور زعقته الجريحة تلك، ويخر صريعا في الظلام….واوووو شو حلوة الحياة الكريمة بلبنان مش هيك؟ مش هيك يا عهد النور والنار والقوة التدميرية النووية غير المسبوقة على قهر اللبنانيين؟

طيب هل نبكي أم نضحك على حالنا وعلى واقعنا الفائق الفائق الفائق الكرامة؟! يقولون ان اللبناني يخترع أساليب تأقلمه مع الاوضاع مهما كانت صعبة ومستحيلة! ثمة مقولة أكثر ابداعا بعد، قال اللبناني مثل طائر الفينيق ينبعث من رماده ويحيا!! يا خيي بديش كون طائر فينيق، اما زلت املك على الاقل امتياز الرفض لتلك المقولة؟! لا اريد أن أموت ذلا وعارا ونكبة واشلاء ليرضى الاحتلال وتلك السلطة المتواطئة، ولاعود و”انبعث” من جديد! اريد ان ابقى في الحياة والكرامة لوطني ولي شخصيا معليش؟!

طيب سؤال وجودي خطير، هل تأقلم اللبناني مع طوابير ذله الى درجة الاستسلام المطلق لمصيره؟! بمعنى آخر، هل صارت الطوابير دوام عمل اللبنانيين؟ لا جواب. لا جواب لان هذا صار واقع الحال ونحن نخجل من حالنا ان نجيب بـ “نعم”! نعم يا مطيعين، يا شاطرين، يا مستسلمين، يا خانعين وأنا أولكم…

صباح الخير أبي. لوين بابا؟ ع الطابور مش مأخرة، اربع خمس عشر ساعات وبرجع، الاكل بالبراد وتيابك ع التخت!… الله معك بابا انتبهي ع حالك، واذا تبقى لديك وقتا اعبري الى طابور الصيدلية احتاج دواء، ولا تنسي ان تمري الى الفرن قبل ما يعجق الطابور، والله يوفقك… وها انا بكامل اناقتي المسحوبة من ارشيف ثيابي الذي تجاوز عمره السنوات العشرة، افتتح يومي بطابور البنزين لان لم اجد ابراهيم ولا احد من زملائه، ولم يتسن لي شراء…مساحة انتظار جديدة في وطن الكرامة والشعب العنيد.

Exit mobile version