من أين لك هذا… وذاك وذلك؟

في زمن الأساطير، حدّثَنا صاحب “ألف ليلة وليلة” عن أشخاصٍ انتقلوا من حالِ الفَقرِ، والعَوَز، الى أن يفترشوا المال، ويلعبوا بالذَّهَب، بفِعلِ عامِلِ الحظّ، أو الصّدفة، أو “خاتَم لبّيك”. معنى ذلك أنّهم لم يدفعوا جهداً في سبيلِ ما وصلَ إليهم. ومنهم مَنْ تبنّى البخلَ مذهباً، خوفاً من العودةِ إلى ما كانت عليه حالُهُ في السابق، ومنهم مَنْ لم يرضَ بما قَسَمَهُ عليه حظُّه، فأرادَ الاستزادة مَدفوعاً بطَمَعٍ كالغُول.

كنّا نظنُّ أنّ حكاياتٍ كهذه قد طواها الزمن، وأنّ ماردَ القُمقُمِ قد استقالَ من وظيفةِ ” عَبدَك بينَ يديك “، وأنّ الثروةَ، إنْ حصلَتْ لأحدِهم، فبموجبِ كفاءاتِه، وجهودِه، ومثابرتِهِ على العمل. هذا لا يعني أنّنا لا نأخذُ بالاعتبار عاملَ الإِرثِ، وهو عاملٌ مشروعٌ، ومُعتَرَف به.

أمّا الغريبُ المُستَهجَن، فهو الانتقال العجائبيُّ لبعضِهم، من ذَوي الألقاب، من كفافِ اليومِ الى الرّوكفِلِريّة، نسبةً الى ” رُوكْفِلِر” الذي كانَ يُعتَبَرُ الأَغنى في كلِّ المَطارحِ والأَزمنة. إنّ هذا الانتقال لم يتمّ بطريقةٍ واضحةِ المراحلِ والأسباب، وبشفافيّةٍ هي ترجُمانُ الصّدقِ والنّزاهة، ما يدفعُ، حتماً، الى الرّيبةِ والشكِّ في الكَسبِ غيرِ المشروع. والأدهى، أنّ هذا البعضَ قد تورَّمَت أرصدتُهُ، وجُيوبُه، وهو بِلا تاريخ، ما يقودُ الى فرضيّةِ سوءِ استخدامِ السلطةِ والمَوقِعِ للإثراءِ على حسابِ المُواطِنِ، والمصلحةِ العمومية. ولمّا لا يُمكنُ إبقاءُ الأمورِ تحتَ البِساط، فهل سلطةُ المنصبِ تَمنعُ من طرحِ سؤالٍ لهُ هيبةٌ، ويكشفُ العَورات، هو: “من أين لكَ هذا؟”.

إنّ سرقةَ الناس، أو ما يُعرَفُ بالـ”شَطارَة”، ليسَت، فقط، سلوكاً شائناً، وممجوجاً، تِبعاً للمقياسِ الأخلاقيّ، بل هي جريمةٌ موصوفةٌ ينبغي أن يُحاسَبَ مُرتكِبُها، أيّاً يَكُنْ اسمُهُ، ولَقَبُهُ، وموقعُه. وذلك انطلاقاً من أنّ الثروةَ الهابطةَ على هذا المُرتكِبِ ليست، إطلاقاً، منَ الغامض، أو نعمةً أَفاضَها اللهُ عليهِ للانتفاع بها في دُنياه، بل هي شكلٌ من أشكالِ الفسادِ المُوَقَّعِ والمَختوم، ولا يحتاجُ لأيِّ فِطنةٍ، أو تَوَقُّدِ ذكاء، أو فَراسة، لِفَضحِه، حتى وَلَو عملَ المرتكِبُ على نَقلِ حساباتِهِ، وأرصدتِهِ، وممتلكاتِهِ، الى زوجتِهِ، أو أحدِ أقاربِهِ، للتَّحايُلِ على القانون، وإيهامِ الناسِ بأنّهُ في غايةِ البراءةِ والعَفاف.

إذا كان الناسُ، في السابقِ، يخافون السُّلطة، فعلى السُّلطةِ، اليومَ، أن تخافَ الناس. من هنا، يجدرُ بأصحابِ الشّأنِ في القَضاءِ الرّقابيّ، أن يُبادِروا، فوراً، الى تَفعيلِ التّرسانةِ القانونيةِ التي تهدفُ، بالمساءلَةِ والمُحاسَبَة، لإعادةِ الأخلاقِ الى الحياةِ الرّسميّة، كذلك، يجبُ إنشاءُ منظومةٍ وطنيّةٍ للنزاهة، تتعاملُ، بشدّةٍ، وبعدالة، مع الذين صاروا يملكونَ قصوراً أكبرَ مِمّا نتصوّر، وأرصدةً أكثرَ مِمّا نتوقّع، وأصبحوا ذَوي أَشداقٍ فاغِرَةٍ، قادرةٍ على ابتلاعِ “اللّقمةِ ” مهما بلغَ حجمُها، ومن دونِ أنْ يَغصّوا بها، ويا لَلْعَجَب.

في الخِتام، نضعُ، بِرَسمِ الشّرفاءِ المُتنَوِّرينَ من أصحابِ السّلطانِ، غيرِ المُلَوَّثين بشوَّهَةِ الفساد، وما أَقَلَّهم عندَنا، هذينِ الخَبَرَين، علَّهم يَهتدونَ، ويهدون:

عندما انتُخِبَ “برانكو” رئيساً للبرازيل، أَرسلَ الى رئيسِ مجلسِ الشيوخِ الرسالةَ التالية:

“لمّا كانت حفلةُ تَنصيبي رئيساً للجمهوريةِ ستَجري غداً، فإنّني أُرسلُ إليكم، اليوم، هذا البيانَ عن مُمتلكاتي في هذا العالَم”.

وفي إحدى القرى البريطانية، يُقامُ، سنوياً، مِهرجانٌ لمُحاسبةِ رئيسِ المجلسِ البَلَديِّ فيها. والطّريفُ أنّ المحاسبةَ تتمُّ عن طريقِ الميزان، إِذْ يَصعدُ الرئيسُ على الكَفّةِ، ويُصارُ الى وَزْنِهِ بالرَّطل. فإذا اتّضحَ أنّ وزنَهُ قد زادَ عَمّا كانَ عليهِ يومَ تَوَلّيهِ المنصبَ، بشكلٍ غيرِ عاديّ، فذلكَ يُثبِتُ أنّه لم يكنْ مُخلِصاً في عملِهِ، لأنّه كان يَستخدمُ “بَطْنَهُ” أكثرَ مِمّا كانَ يَستخدمُ عقلَه، أي أنّه كان يهتمُّ بتنميةِ قدراتِهِ الشخصيّةِ على حسابِ الاهتمام بقضايا القريةِ، وأهلِها، وبالتالي، يتمُّ عَزلُهُ، فَوراً.

وبعد، هل يوجدُ، عندَنا، مَنْ يَشربُ حليبَ السِّباعِ، ويَسألُ مَنْ دخلَ السلطةَ نَحيفاً، وأصبحَ وزنُهُ وزنَ فِيل، مِن أينَ لكَ هذا؟

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل