
تقيم عملية تشكيل الحكومة في دائرة “المراوحة القاتلة”، في ظل استمرار النزف واستفحال الانهيار وتدحرجه وتناسل الأزمات مع كل إشراقة شمس. ولا يُعدُّ دخول المدير العام للأمن العام اللواء عباس إبراهيم على خط الوساطة بين رئيسي الجمهورية ميشال عون والمكلف نجيب ميقاتي، تطوراً استثنائياً على هذا الصعيد، إنما يقع في سياق “علك الوقت” منذ تكليف السفير مصطفى أديب مروراً برئيس الحكومة السابق سعد الحريري واعتذارهما وصولاً إلى ميقاتي اليوم.
فما الذي يمكن أن ينجزه إبراهيم في ظل تكليف ميقاتي وعجز عنه في وساطاته السابقة حين تكليف أديب والحريري؟ وهل يكفي أن يتحرك اليوم بدفع من حزب الله ليضع اللبنانيون أيديهم في المياه الباردة، طالما أنه لم يتحرك سابقاً إلا بمباركة الثنائي الشيعي مجتمعاً؟ ومن أين للّواء “حداد المهمات الصعبة” أن يحقق المعجزات، وبين القابضين على الأكثرية والسلطة والحكم والتكليف والتشكيل “ما صنعه الحداد”؟
المحلل السياسي علي الأمين، يرى، عبر موقع القوات اللبنانية الإلكتروني، أننا “في مسار ثابت من عدم تشكيل حكومة منذ سنة تقريباً”، لافتاً إلى أننا “شهدنا خلال هذا المسار أشكالاً وأنواعاً من المبادرات والتحركات، منها للّواء إبراهيم ومنها لغيره، وفي الوقت ذاته كان الثابت الأساس هو عدم تشكيل حكومة”.
ويشير الأمين، إلى أن “الذرائع والحجج كانت تبرز دائماً، من قبيل ملء الفراغ بشيء ما لا أكثر، ولكي يبقى هناك ما يتم التداول به على الصعيد الإعلامي. لكن القرار الأساسي الاستراتيجي هو عدم تشكيل حكومة، ودخول إبراهيم على الخط هو نوع من التنويع. بمعنى أنه يجب أن يكون هناك شيء ما يتحرك، من دون أن يؤدي ذلك إلى تشكيل الحكومة إنما يرسِّخ أكثر فأكثر عدم التشكيل”.
ويعتبر، أنه “حتى الآن، لا يبدو أن هناك تطوراً حصل. والتسويق لمقولة إن العقبة أو العقدة الأساسية تكمن في وزير أو وزيرين أو تسمية وزير مسيحي أو لا، أو هذه الوزارة أو تلك، وما شابه، هو استغباء للناس. فلا يُعقل أننا طوال هذه الفترة، الحكومة لا تتشكل لهذه الأسباب”.
ويلفت الأمين، إلى أن “ما يحصل هو أن هذه السلطة تحاول أن تبقى ممسكة بزمام الأمور، بمعنى الإمساك والقبض على السلطة. لأن تشكيل الحكومة، أيّ حكومة ومهما كانت، سيؤدي بالضرورة إلى التزامات لا تريد السلطة الالتزام بها، سواء مع المجتمع الدولي وصندوق النقد الدولي والمؤسسات المانحة الدولية، أو إجراءات داخلية لا تريدها”.
ويؤكد، أن “السلطة القائمة تريد إبقاء الأمر تحت ظلال حكومة مستقيلة، وواقع الحال يؤكد هذا المسار”. ويضيف، “لا يريدون حكومة جديدة، بل بقاء الحكومة المستقيلة لأنها تسمح لهم بالتصرف كيفما أرادوا، وتحررهم من أي التزامات تجاه الداخل والخارج من جهة، وساعة يشاؤون يتذرّعون بأنها حكومة مستقيلة للتهرُّب من اتخاذ القرارات الإنقاذية المطلوبة من جهة ثانية. بالتالي، لا نزال في المسار ذاته، وكما يبدو إلى مزيد من الانهيار والتدهور”.
أما عن استمرار حمل ميقاتي لهذا الوزر أو أنه في لحظة ما سيعود إلى قواعده في نادي رؤساء الحكومات السابقين، يوضح الأمين أن “ميقاتي في هذا النادي بلا شك، لكن أسلوبه في التعاطي يؤكد أنه أيضاً ميّال لحماية استمراره كمكلَّف، من خلال الاستثمار في السجال الضمني مع رئيس الجمهورية أو مع التيار الوطني الحر”.
ويشدد، على أنه “لا يجب أن ننسى أن ميقاتي كان في لحظة ما مرشَّح فريق الممانعة في فترة معينة. بالتالي، جذوره الممانعاتية، إذا صح التعبير، لم تنقطع وهي مستمرة، وهو لن يُقدم على خطوة الاعتذار إذا كان هذا الاعتذار يزعج حزب الله”.
ولا يرى المحلل السياسي ذاته، أن “ميقاتي سيعتذر، لأن ما بعد الاعتذار يعني مشكلة كبيرة، بمعنى أن شيئاً كبيراً سيحصل، أو حصل، عندها يمكن أن يعتذر. لكنه لن يفعل في ظل الوضع القائم، وما دام الشارع هادئاً ولا تحركات، وما دام هناك قدرة على مطِّ الوقت واستغلاله”.
ويضيف، “ميقاتي كعون والتيار الوطني، فالكل يمكنه القول إنه يدافع عن طائفته. واحد يقول إننا نحمي حقوق وصلاحيات رئيس الجمهورية، والآخر يتحدث عن الإحباط السنيّ وصلاحيات رئاسة الحكومة. وهذا لا يجعلهم يخسرون، بالمعنى الضيِّق، طالما لا حراك في الشارع بوجه هذا السلوك السياسي”.
لذلك، برأي الأمين، “ما يقرِّر المسار بدرجة كبيرة سيكون حركة الشارع، أو الحركة السياسية المعترضة التي يجب أن تعبِّر عن نفسها في الشارع بشكل أو بآخر. أما طالما أننا في هذا الوضع، فهذه السلطة مستعدة أن تبقى متمسكة به 10 سنوات و(ما فارقة معها) وآخر همّها مصالح الناس والبلد، إنما هاجسها الأساس أن تبقى ممسكة بزمام السلطة”.
ولا يستبعد الأمين، أن “يكون هذا السلوك السلطوي والشبق للتمسك بالسلطة، في سياق وبسبيل إلغاء الانتخابات النيابية المقبلة، على ضوء تلمُّسها للخطر المحتمل من نتائجها، لأن أي انتخابات ستُخسِّرها وتُضعف وضعيتها أياً كانت النسبة”، محذراً من أنه “لا يجب الرهان على ضغط المجتمع الدولي لإجراء الانتخابات، فإن لم يكن هناك ضغط حقيقي وحركة قوية في الشارع ومطالبة من اللبنانيين بإجرائها، لا أحد سيأتي ليلزمهم بذلك، وهذه السلطة لن تتردد في إلغائها إن استطاعت”.
أي عملية نسخ من دون ذكر المصدر تعرض صاحبها للملاحقة القانونية
