.jpg)
كان الليل مترنحاً بالسهر. أما زال للسهر السكران بحاله مكان في لبنان؟ هل لا يزال اللبنانيون يهرعون الى فرحهم المسروق من جهنمهم اليومي؟ حصل ذلك. فوق هناك في جزين لم يشأ الشباب أن تسهر ام يسوع وحدها في ليلة عيدها، ولا أن يمر العيد من دون أن تفرح مع ابنائها بنعمة وجودها معهم، ولم يشأ الشباب ان يمر صيف جزين بارداً من دون مهرجاناته التي كانت تملأ تلك البقعة الحلوة من ارض لبنان. موسيقى وصلاة وأصوات الناس حين تسكب من بعضها البعض كؤوس اللقاء وتسكر.
لم يشأ شبابنا وصبايانا في منسقية جزين في حزب القوات اللبنانية ان يعبر فرح اللقاء من دون لقاء، فاجتمعوا وقرروا وخططوا ونفذوا في سرعة قياسية “لان ما بدنا تقطع سنة تانية وجزين من دون فرح، ولان رغم كل المصايب حوالينا جزين ما بتعترف لا بهزيمة ولا بتراجع، ولان الفرح كمان جزء اساسي من المقاومة، قررنا نرجّع مهرجانات عيد السيدة بجزين” يقول رئيس مركز جزين في حزب القوات اللبنانية سعيد أسمر.
لم يكن مخططاً للاحتفال بالعيد لهذه السنة، ظروف كورونا والظروف الاقتصادية المستفحلة جعلت الامر يبدو مستحيلاً، لكن وفي اجتماعات الرفاق للتحضير لقداس الشهداء في 4 آب الحالي، “سألنا شو محضرين احتفالات وشو برنامج العيد، لكن وللأسف خبّرونا ان لا احتفالات من قبل اي جهة بالضيعة، لا البلدية ولا النادي ولا اي أحد اخد مبادرة بهالخصوص، فقررنا انو ما يقطع العيد من دون احتفالات تقليدية لان جزين حتى في عز القصف والاحتلال كانت تحتفل، فليش هلأ ما بدنا نحتفل” يضيف اسمر.
أيام الاحتلال الإسرائيلي للبنان، كانت جزين، كما غالبية مناطق لبنان المقاومة لذاك الاحتلال البغيض، تحت مجهر المحتل، وكان الشباب والاهالي يقاومون في كل الاتجاهات. كان القصف يغرق المكان في جحيمه صباحا وطيلة النهار، وفي الليل يتنادى الاهالي في ما بينهم للتحضير لعيد السيدة، حضور السيدة فوق هو مقاومة بحد ذاتها، كانوا يشعرون انهم مسلحون بها وهي من سيرد عنهم العدوان مهما بلغت حدة القصف والترهيب والاعتقال “يبقى القصف بالنهار متل الشتي وبهالليل نحضّر الستندات وخلقين القمح، ونحضّر عرس الضيعة وكل ما يلزم للمهرجان، ونحتفل مع بعضنا بأصعب الظروف ويطلعوا أحلا السهرات ويفرحوا ويستفيدوا كل الناس غصباً عن ارهاب المحتل”، يتابع اسمر، فخوراً ببلدته المقاومة.
هي اذاً جزين الحلوة المتغاوية بين تلك الجبال التي تحاصرها، وغابات الصنوبر المنتصبة كحراس الحلا في عرين العذراء مريم. فوق وكلما قرعت أجراس عيد السيدة، يتهافت الزوار اليها من كل الاتجاهات للسهر والاحتفال، عيد شكّل قوة اقتصادية للأهالي الذين اعتادوا الترويج لمنتوجاتهم الزراعية والحرفية والمأكولات على أنواعها.
ولم يشأ شباب القوات في المنطقة ان يخسروا هذه السنة فرصة الاستفادة تلك لانعاش البلدة التي تعاني كما كل لبنان من ظروف اقتصادية قاسية جدا “قررنا ناخد المبادرة ونعمل مهرجانات تـ تحس العالم بالعيد بهالجو الضاغط وتستفيد الناس من المردود المادي من جهة، وبالتالي نجمّع مصاري لصندوق الكنيسة المخصص للفقرا والمحتاجين، وهيك بلشنا، وبأسبوعين اشتغلنا ما لا يُعمل بأشهر. استأجرنا الارض من وقف مار يوسف، وطلب كاهن الرعية منا انو يكون ريع الحفل لجمعية “جزين بتجمعنا” لمساعدة المحتاجين، تواصلنا مع كل المؤسسات التي يهمها الامر. حجزنا فرقاً موسيقية ومطربين ومن بينهم بنت جزين ريم الحلو، استأجرنا ألعاباً للأطفال، وحضّرنا كل الستندات من بعد ما تواصلنا مع الاهالي واصحاب المؤسسات لـ بيهمها الامر وهيك صار” يقول اسمر.
وما لم يقله رفيقنا المناضل، ان الشباب واصلوا الليل بالنهار لإنجاز ثلاث ليال كانت من أجمل سهرات البلدة، وان الربح المادي الذي انجزوه، وضعوه في عهدة الكاهن واضافوا اليه مبلغاً لا بأس به لملموه من بعضهم البعض لتحرز التقدمة. لكن لماذا شباب القوات وحدهم قاموا بتلك المبادرة يا اسمر؟ يضحك الشاب الذي يحكي عن جزينه كمن يتكلم عن حبيبة عمره “للصراحة يا فيرا انو قبل ما نقلّع بالمشروع، وجهنا دعوة للكل ومن كل الاتجاهات السياسية والجمعيات والاندية، الى مكتب القوات وطلبنا منهم انو نتشارك بالتحضير لمهرجان عيد السيدة لأجل جزين، وما نترك العيد يقطع يتيم متل السنة الماضية، خصوصاً انو وضع كورونا تراجع والبلد فتح، ونسّقنا مع الجهات الصحية والبلدية، لكن للأسف ما كان التجاوب كما يلزم واقتصر تنظيم المهرجان علينا نحن ونادي الشلال فقط”. يجيب اسمر.
ثلاثة ايام بلياليها عاشتها جزين وكانت من أجمل السهرات، باعتراف الاهالي وكل من شارك في الاحتفالات. ثلاثة ايام بلياليها، اثبتت ان من يقرر بمحبة ونوايا صافية لا بد ان يصل الى مبتغاه، ولم يكن المبتغى سوى فرح جزين وانماء جزين، واضفاء لمسات الحياة في وطن صارت فيه الحياة جزءا لا يتجزأ من المستحيل.
“ايام اكثر من رائعة، كل للي شاركوا اثنوا على هالجهد الاستثنائي وعلى مركز جزين وعلى الإنجاز بهالسرعة القياسية. طبعاً هو ليس مهرجان بعلبك ولا هو بمستوى المهرجانات الكبيرة، لكن فعلنا بالحد الادنى ما يمكن فعله لأجل جزين، وصحيح انو المهرجان لم يأت بالربح الكبير، لكن شباب وصبايا تساعدنا في ما بيننا لتغطية التكاليف وسلمنا ما جمعناه لأبونا الياس لأجل “جزين بتجمعنا”، وعن جد عشنا ساعات فرح كبير لان تعبنا ولقينا”، يقول اسمر بفرح كبير، ويهرع الى رفاقه يهنئهم بما فعلوه، ويهنئ جزين بمركزها وبشباب وصبايا بيكبروا القلب لان قلبهم على جزين وعلى لبنان، ولأنهم حين قرروا ان يزرعوا الفرح بعدما تراجع الكل، فرح الكل وسكروا معاً وصلّوا لتلك السيدة ام الله، الرابضة على حدود الحب تزرعنا من ايمانها ومن ضيائها لنحصد معها حب وطن لا مثيل له على الرغم من كل شيء، فكان زيّاح لأجلها، وكانت سهرات وكان شباب وصبايا من القوات اللبنانية لجزين وكل لبنان كما دائماً.
