





كتبت جومانا نصر في “المسيرة” – العدد 1720
شهداؤنا… طوبى لكم
5 أيلول في معراب… مقاومة مستمرة!
ليس مجرد موعد سنوي، ولا محطة في أجندة حزب «القوات اللبنانية». هو الموعد الذي ينتظره المحازبون والمناصرون وحتى الواقفون على ضفة دويلتهم ليسمعوا كلامًا ليس ككل الكلام، لأنه ببساطة موقف مفصلي في مسيرة وطن. هناك في معراب حيث الموعد السنوي المتجدد مع قداس شهداء المقاومة اللبنانية منذ العام 1991 تتوقف عقارب الزمن لتعلن صرخة تأكيد على أن شهداءنا هنا، معنا، وقضية السيادة والحرية واحدة في كل مكان وزمان.
مذ ذاك التاريخ 15 أيلول 1991 وصور الشهداء المدروزة في باحة حريصا لا تزال محفورة في الذاكرة وستبقى حتى لو حاولوا محوها وتشويهها. باقية معنا، حتى لو أنكروا عليها هذا المجد المكلّل بالغار ثلاث وآلاف المرات. فبطرس الصخرة واقف هنا ليكرز مع أمهات الشهداء حبات المسبحة العالقة بين تجاعيد الزمان ومعه كثر…
هذه السنة سنصلي لشهدائنا من بيوتنا، من صوامعنا المغمسة بوجع الأزمات وسنشلح عن أكتافنا وشاح الذل الذي أرادوا تكبيلنا به. سنقف ونصلي مع الخاشعين في معراب لأن الظرف حكم أن يكون قداسًا مختصرًا بالعدد ومفتوحًا على مد النظر لحراس الشهادة والشهداء. وسنقول لهم… صلوا من أجلنا وكونوا حراسنا الذين لا ينعسون!
هذه السنة سنستمد منهم نبض الحياة من جديد وسنجدد معهم عهد الكرامة والعنفوان ونقسم بأننا سنحافظ على وصيتهم التي كتبوها يصيروا ذخائر مجبولة بتراب الوطن: «إنتبهوا ع لبنان». وإلى الموعد في 5 أيلول حيث العهد والقسم والوفاء وحيث …»مقاومة مستمرة»!
موجع أيلول بقطرات أمطاره الأولى التي تنهمر مع دموع أمهات الشهداء. حارقة تلك الصور والمشاهد التي تعبر محمّلة بفيض من أسئلة لا تزال عالقة على حفافي الإطارات التي زنّرت صورهم ولا تزال تزهر شهداء وصورًا وإطارات مع كل طلعة شمس. لا هم ارتاحوا في قبورهم ولا نحن الذين تحولنا إلى شهداء أحياء. نسأل ماذا فعلنا حتى نستحق فعل استشهادهم؟ هم استشهدوا من أجلنا من أجل هذا الوطن حتى يبقى لنا وللأجيال حرًا سيدًا مستقلاً، لكن في الموازاة أين ذاك الوطن اليوم الذي استشهدوا من أجله؟ ماذا كانوا ليفعلوا اليوم لو كانوا بيننا؟ ماذا سيقولون عن وطن الدويلة الذي تتربع على عروشه أنياب الفاسدين والطامعين بسيادة الوطن؟ كيف سيواجهون هؤلاء الطغاة الذين لا يكلّون ولا يتعبون من الوقوف على سياج الوطن الذي رسمت حدوده «القوات اللبنانية»وحصّنته بصور الشهداء… نعرف تماما أنكم ستكونون كما أنتم اليوم في عليائكم، أحرارًا مزنّرين بالعنفوان والكرامة. أما نحن الشهداء الأحياء فمنكم نستمد القوة والإصرار على التجذر في هذه الأرض إعترافا لكم ولدمائكم التي لا تزال تنبض في عروق أم شهيد وأب وإبنة… في عروقنا نحن أبناء هذه القضية..
1991 البداية والقافلة مستمرة
15 أيلول 1991 كان اللقاء الأول مع شهداء المقاومة اللبنانية في قداس في بازيليك سيدة حريصا. هل تذكرون؟ إن ننس لن ننسى قافلة صور الشهداء التي تربعت على عرش مذبح سيدة لبنان وكانت الذكرى الأولى التي تزامنت مع تاريخ إستشهاد قائد المقاومة و»القوات اللبنانية» الشيخ بشير الجميل في 14 أيلول 1982. ومن حينه صار قداس الشهداء تاريخًا محفورًا في أجندة الحزب، ومحطة يختلي فيها رئيسه سمير جعجع لكتابة سطور وفاء، يكرّم فيها الشهيد بكلمات قد لا تختصر بطولاته وعنفوانه، لكنها حتما تخلّد ذكراه في مملكة الكرامة. ولا يغيب عن كلمة جعجع في قداس الشهداء الموقف السياسي الذي ينطلق من أحداث الساعة محليًا وإقليميًا. ومن هنا يتوقف المراقبون عند هذه المحطة سنوياً وينتظرون اللحظة التي سيلقي فيها كلمته.
عام 2012 تكرّس مكان إقامة قداس شهداء المقاومة اللبنانية في المقر العام لحزب «القوات اللبنانية» في معراب، وهناك لا تعود الحركة تشبه نفسها مع أفول آب وتسلل نسمات أيلول إلى الساحة التي يُقام فيها القداس. خلية العمل تكاد لا تهدأ. والأعمال تتوزع بحسب المهام، وتستمر حتى ساعات متقدمة من الليل. تقنيون مهندسون، مسؤولو أجهزة ومناطق… الكل يشارك ويتبع التعليمات الصادرة عن المسؤولين، مع الأخذ طبعًا بالملاحظات التي يطلع عليها رئيس الحزب سمير جعجع ويشرف على الترتيبات والتحضيرات والدخول في أدق التفاصيل. ماذا في قداس هذه السنة؟
يارد: سلّمونا الأمانة لنبقى متجذرين
أمين عام حزب «القوات اللبنانية» الدكتور غسان يارد تحدث لـ»المسيرة» عن التحضيرات لقداس شهداء المقاومة اللبنانية الذي سيُقام في الخامسة والنصف من عصر الخامس من أيلول في باحة المقر العام لحزب «القوات» في معراب. وفي الكلام الكثير من الوفاء لأبطال عبروا واللائحة تطول…
«شهداؤنا هم البداية لأنهم سلّمونا الأمانة تا نكمل»، بهذه العبارات يبدأ د. يارد كلامه عن شهداء حزب «القوات اللبنانية» الذين ضحوا بأغلى ما يمكن أن يتمسك به الإنسان ألا وهي حياته لنبقى متجذرين في هذه الأرض». ويضيف: «ليس الشهيد وحده الذي يستحق التكريم إنما المجتمع والعائلات التي تربّى فيها. فلو لم يكن هناك أبطال ومقاومة لبنانية ولولا شهداء «القوات اللبنانية» لما كنا هنا اليوم، ولما بقي وطن في ظل الأطماع وجحافل الإحتلال التي لا تزال تنهش من لحم سيادته واستقلاله وحريته. عندما اشتد الخطر كان هناك قوات ومناضلون أبطال استشهدوا ليبقى لبنان. إنهم أيقونة الحزب».
منذ العام 2005 انطبعت قداديس شهداء المقاومة اللبنانية برمزية مختلفة تنطلق من واقع الظروف. هذه السنة قد تكون الأكثر إستثناء على الصعيدين السياسي والإقتصادي في ظل تخبط الوطن وشعبه بأزمات إجتماعية ومعيشية وسياسية تكاد تكون سابقة في تاريخه منذ قيام دولة لبنان الكبير، تُضاف إليها أزمة وباء فيروس كورونا الذي فرض قيودًا على قداس العام الماضي ولا يزال حاضرًا هذه السنة مع المتحوّرات… ماذا في التفاصيل؟
يقول د. يارد: «العام الماضي كان فيروس كورونا لا يزال في بداياته، والأمور ملتبسة على الجميع إن من ناحية سبل الوقاية والإنتشار وعدم توافر اللقاح بعد. من هنا اقتصر الحضور في قداس العام الماضي على 500 شخص. هذه السنة الوضع أقل حدة من ناحية الوباء. فغالبية اللبنانيين حصلوا على اللقاح بجرعتيه، والمشاركون في القداس يُفترض أن يكونوا نالوا الجرعتين وسيتم التأكد من ذلك حرصًا على سلامتهم وسلامة الآخرين. أما من ناحية التنظيم والحضور فقد تم تحديد العدد بـ1000 شخص مع الإحتفاظ بشروط الوقاية من تباعد إجتماعي وارتداء الكمامات. وحرصًا على سلامة أهالي الشهداء، إتُفق على عدم دعوتهم للسنة الثانية على التوالي خوفاً من تعريض حياتهم خلال عملية نقلهم بواسطة باصات خاصة إلى ساحة القداس، خصوصًا أن الغالبية من فئات عمرية متقدمة مما يزيد من إحتمال الإصابة والخطر على حياتهم، هذا عدا عن أزمة المحروقات. ووفاء لهم كتب رئيس حزب «القوات اللبنانية» رسالة تعزية واعتذار لكل أم وأب وأخت وزوجة شهيد على عدم دعوتهم للمشاركة في الذبيحة الإلهية التي ستُقام على راحة أنفس شهدائهم، ومشاركتهم الصلاة عبر التلفزيون ووسائل التواصل الإجتماعي التي ستنقل القداس مباشرة على الهواء وإضاءة الشموع».
الحضور في قداس الشهداء لسنة 2021 سيقتصرعلى 1000 شخص ويضم كل من: نواب كتلة «الجمهورية القوية» ورؤساء مصالح ومراكز وشخصيات حزبية مع احترام إجراءات التباعد والوقاية. عدا ذلك سيكون كل شهداء «القوات» وحتى آخر شهيد سقط في جريمة تفجير مرفأ بيروت في 4 آب 2020 وشهداء إنفجار خزان البنزين في التليل العكارية حاضرين.
مناسبات ومحطات واحتفالات عديدة توضع سنويًا على أجندة حزب «القوات اللبنانية»، لكن كل الأنظار تكون مصوّبة نحو محطة أيلول حيث القداس السنوي للشهداء. ويقول د. يارد: «قداس الشهداء هو بمثابة الصخرة التي يستند عليها الحزب وأيقونة نضال يحملها القواتيون والمناصرون واللبنانيون المؤمنون بلبنان الحرية الذي استشهد من أجله هؤلاء الأبطال. إنه الذخيرة والعصب، فمنه نستمد روح النضال لإكمال مسيرة النضال».
إنطلاقا من هذه الرمزية تطبع قداس الشهداء كل سنة مشهدية مستمدة من شعار القداس، وهذه السنة تحت عنوان»مقاومة مستمرة» والمقصود بها العودة إلى التاريخ والجذور. ويتجسد هذه الشعار بمشهدية مصوّرة في فيلم يعرض في نهاية القداس قبل كلمة جعجع ويلخص رسالة حياة المقاومة اللبنانية كما يُحاكي كل الأحداث التي استجدت لا سيما منها جريمة تفجير مخرفأ بيروت.
ولأن نشيد الشهداء بات من ثوابت القداس السنوي كان لا بد هذه السنة من نشيد يُحاكي وجع الإنسان الغارق في جهنم الأزمات المعيشية والإقتصادية والمالية والإجتماعية… نشيد يحفر ويحفر ليس على مستوى المشاعر والعنفوان إنما أيضًا في ذاكرة الأجيال. إنه نشيد «مقاومة مستمرة» الذي كتب كلماته الشاعر نزار فرنسيس ولحّنه رواد رعد. ومحاكاة لشعار القداس المعطوفة على التجذّر في الأرض، كان المذبح الذي صممته شركة ICE ونفذته بالتعاون مع لجنة الأنشطة في حزب «القوات» والأمين المساعد لشؤون الإدارة وليد هيدموس «ولهم كل الشكر ولكل من ساهم في تنظيم القداس».
مشهدية موكب الكهنة مختلفة بدورها هذه السنة نظرًا إلى ظروف وباء كورونا، ويوضح د. يارد أن العدد سيقتصر على 24 كاهناً بعدما كان يصل إلى حوالى 150. ولفت إلى الإتصالات التي ترد من كهنة ورهبان لإبداء رغبتهم في المشاركة بالقداس، وفاء لشهداء المقاومة، الذي يرأسه رئيس أساقفة أبرشية بعلبك ودير الأحمر المطران حنا رحمة موفداً من البطريرك مار بشارة بطرس الراعي. وتخدم القداس جوقة سيدة اللويزة بقيادة الأب خليل رحمة.
إن ننس لن ننسى «كشافة الحرية» ومشهدية الإستعراض الذي تؤديه مجموعات من الشبان والشابات بصفوف منتظمة ومرصوصة وصولاً إلى حملة البخور وإكليل الغار.
وتبقى لائحة الشرف التي تحمل أسماءهم من دون نقطة العودة إلى السطر. ولكل إسم حكاية وقصة بطولة. أسماء وأسماء قوافل مغروزة في جذور تراب هذه الأرض ومعها… وكرمالن وكرمال هذا الوطن «مقاومة مستمرة».
ع الأزمات وسنشلح عن أكتافنا وشاح الذل الذي أرادوا تكبيلنا به. سنقف ونصلي مع الخاشعين في معراب لأن الظرف حكم أن يكون قداسًا مختصرًا بالعدد ومفتوحًا على مد النظر لحراس الشهادة والشهداء. وسنقول لهم… صلوا من أجلنا وكونوا حراسنا الذين لا ينعسون!
هذه السنة سنستمد منهم نبض الحياة من جديد وسنجدد معهم عهد الكرامة والعنفوان ونقسم بأننا سنحافظ على وصيتهم التي كتبوها يصيروا ذخائر مجبولة بتراب الوطن: «إنتبهوا ع لبنان». وإلى الموعد في 5 أيلول حيث العهد والقسم والوفاء وحيث …»مقاومة مستمرة»!
إلى أهالي شهدائنا …
رسالة رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع إلى أهالي الشهداء التي سيسلمها منسقو «القوات» في المناطق والمسؤولون الحزبيون فيها ورؤساء القطاعات والأجهزة وجهاز الشهداء والمصابين والأسرى في الحزب.
«أهالي شهدائنا الأحباء،
تمرّ الأيام وتعبر السنون، وصور أبطالنا الشهداء تزهر في الذاكرة كما يتجدد وجه الأرض.وشهداؤنا، أبناؤكم الذين ما بخلوا بأرواحهم من أجل الإيمان والحرية والكرامة، هم ذخيرتنا الدائمة. والوفاء لهم ليس واجبا بل إنه يتصدر عناوين نضالنا.
كم كان بودّنا أن نلتقي السنة كما في كل سنة لإحياء ذكراهم، لكن، وحرصًا على سلامتكم، وتجنباً لأي محاذير ومخاطر نتيجة عودة وباء كورونا الى التفشي، نأسف أشدّ الأسف لعدم توافر فرصة وجودكم شخصياً في القداس السنوي، راجين منكم مواكبة القداس والمشاركة روحيّاً في الخامسة والنصف من عصر الأحد 5 أيلول 2021، مع إضاءة شمعة على نيّة شهدائنا الأبطال، وعلى أمل اللقاء في العام المقبل.
المجد والخلود لشهدائنا الأبرار.
سمير جعجع
نشيد قداس الشهداء 2021
حق الأرزة ال عم نرويها
بالدمّ وبدموع الإمّ..
شعلتكن ما رح نطفيها
لو بتشتّي الدنيي هَمّ..
الأمانة بْإيدينا تْركتو
لمّا استشهدتو تْفرّقتو
رجعتو خلقتو وفينا عشتو
وبالقوّات الشمل التمّ..
الدمعة عن بيروت حْمِلتو
من جرحا الواسع لَوّنتو
حول الإرزة وْخطّ رسمتو
خط الحريّة بالدمّ..
يا ستّ الدنيّي وحياتك
بالقلب حمِلنا دمعاتك
كنّا ومنبقى قواتك
كنتي وبعدك إلنا الإمّ..
ولمّا هزّت منازلنا
صيحات العدوان نزِلنا
وقفنا استشهدنا قاتلنا
شربنا مأفّى كاس الهمّ..
يا هالبيروت المحترقة
مْن الغدر وْمن أهل السرقة
ع القهر وع الجوع منبقى
نْقاوم بالروح وبالدم..
كلمات الشاعر نزار فرنسيس
ألحان: رواد رعد
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]
