مقاومة مستمرّة لنبقى

يخطئ مَن يظنّ أنّ حياة اللبناني ممكن أن تستمرّ من دون مقاومة. طبيعة لبنان هي التي نشّأت فيها الإنسان المقاوِم. وجعلت منه ذلك العصامي الذي فرضت عليه محاربة قساوتها ليبقى ويستمرّ فيها. ونجح اللبناني الكياني الأصيل بتطويع طبيعته الجبليّة، وجعلها جنائن معلّقة بين الأرض والسماء، على كتف الوديان وفي ربوع الجبال الشاهقة.

واليوم بعد أكثر من ألف وأربعمئة سنة لا يزال اللبناني في نهج حياته نفسه، لكنّ بعضهم أعار أذنيه إلى الذين قالوا له، “إذا مش عاجبك هاجر.” فحمل حريّته الكيانيّة، ولبنانيّته الأصيلة، ولبنانه العظيم ورحل. أمّا السواد الأعظم من اللبنانيّين فقرّر البقاء معتمدًا نهج الآباء والأجداد، وحمل مشعل مقاومته الذي لا يزال مشتعلاً، وبقي مقاوِماً شرساً يواجه الأعاصير لأنّ المواجهة هي السبيل الوحيد للتخلّص من الموت المحتّم من أجل حياة ومصير أفضل.

واليوم في أيلول شهداء المقاومة اللبنانيّة نحمل مشعل مقاومتنا ونمشي حيث لم يجرؤ آخرون غيرنا لأنّنا أبناء القيامة. نحيا بموتنا ليبقى لبنان. لا نخاف الموت، ولا السلاح، ولا السياط، ولا الاضطهاد. فهذه كلّها اختبرناها وخرجنا من هذه التجربة كما يخرج الذهب من النّار، وكما خرج يسوع الناصري من تجربته الأربعينيّة. واستغرب بعضهم من شعار قدّاس الشهداء هذه السنة، وراحوا يطلقون النّكات والسخريات حول ما أطلقه حزب القوّات اللبنانيّة.

ذلك كلّه سقط يوم الأربعاء في الأوّل من أيلول عندما قال المطارنة الموارنة في بيانهم، “لبنان الحرية والسيادة والاستقلال وسلامة الأراضي بات على مشارف الزوال، وأن ثمة قوى إقليمية ومحلية تابعة لها وراء ذلك”. فشخّصوا الإشكاليّة اللبنانيّة كما تشخّصها القوّات منذ سنين. فالخطر اليوم هو بإسقاط هذه الحريّة الكيانيّة التي يقوم عليها لبنان التي كما قال المفكّر شارل مالك، ” إن سقطت هذه الحريّة سقط لبنان”.

فهؤلاء عرفوا كيفيّة إسقاط لبنان وتحويله إلى ولاية تشبههم بالفكر والدّين والنهج الاجتماعي الحياتي. وبالطبع لا تشبهنا ولا تشبه أيّ كيانيّ لبنانيّ في الصميم. لكن لا يكفي أن نشخّص الإشكاليّة بل يجب أن نرسم طرق العلاج لها، والقوّات بإطلاقها هذا الشعار هذه السنة قد رسمت خارطة طريق استعادة لبنان. ومن الطبيعي أن تأتي هذه الطريقة متناغمة مع دعوة المطارنة الموارنة الذين دعوا “شعب لبنان إلى التصدي لها بما أُوتِي من قوّة، ومهما بلغت التضحيات”. والتصدّي له أشكال مختلفة ولا تقوده مجرّد جماعات جماهيريّة تتظاهر في الشوارع وتطلق الأناشيد والشعارات. هذه المواجهة بحاجة إلى حزب يملك هرميّة واضحة، وقيادة حكيمة، ورؤية استراتيجيّة، وتنظيماً حديديّاً. باختصار، هذه المواجهة بحاجة إلى القوّات.

وما طالب الآباء في ندائهم الأيلولي بذلك إلا لأنّهم استشعروا بأنّ “القضيّة اليوم إنما هي قضيّة المصير وبالتالي قضيّة حياةٍ أو موت”. إمّا أن نكون مقاومة مستمرّة اليوم ليكون لبنان أو لن يكون. فعل الكينونة هذا مرتبط بقدرة بقائنا اليوم مقاومة مستمرّة، بمختلف الأشكال. والاحتمالات كلّها مفتوحة لأنّ لبنان له الكثير علينا. لذلك كقوّات نحن مستعدّون دوماً للتضحية كي يبقى لبنان وطننا، وكي نبقى نحن فيه أحراراً.

وما مناشدة “الآباء المجتمع الدولي المبادرة سريعاً إلى احترام القرارات الدولية المُتعلِّقة بلبنان والعمل على تنفيذها بقوّةٍ وحزم، إسهامًا في حماية بنية الدولة اللبنانية، ومصيرها ومصير أهلها، بعيداً من الحسابات والتجاذبات الدولية والإقليمية التي لم تدفَعْ بلبنان إلا إلى الخراب”. وما هذه المناشدة من الآباء سوى استشعاراً منهم بأنّ القوّات هي وحدها المقاومة المستمرّة، ويجب على المجتمع الدّولي أن يقف جنبًا إلى جنب هذه المقاومة.

بمعنى آخر، لقد أخذت هذه المقاومة المستمرّة الغطاء الدّولي، وما سيكون بعد 5 أيلول لن يكون إطلاقاً كما قبله. ألق المقاومة وحده سيزيل القلق الوطني. إن لم يتكاتف اللبنانيّون الأحرار والسياديّون والكيانيّون حول هذه المقاومة لن نتمكّن من استعادة لبنان الحرّيّة. فالمطلوب واحد وهو أن يتحوّل اللبنانيّون كلّهم إلى مقاومة مستمرّة ليبقى لبنان.

خبر عاجل