قلق في بكركي على المصير: هل بات لبنان الكبير على مشارف الزوال؟

لم يكن بيان المطارنة الموارنة في1 أيلول/سبتمبر عادياً هذه المرة، بل ربما اغتنم المطارنة فرصة تزامن اجتماعهم الشهري مع إعلان دولة لبنان الكبير في الأول من أيلول/سبتمبر عام 1920 ليصدروا بياناً يحذّرون فيه من أن «لبنان السيادة والحرية والاستقلال وسلامة الأراضي بات على مشارف الزوال، وأن ثمة قوى إقليمية ومحلية تابعة لها وراء ذلك» داعين «شعب لبنان إلى التصدّي لها بما أوتي من قوة ومهما بلغت التضحيات، فالقضية اليوم إنما هي قضية المصير وبالتالي قضية حياة أو موت».

هذا البيان الذي صدر بالتزامن مع مرور سنة على مئوية إعلان لبنان الكبير، جعل البعض يتساءل إن كانت هناك نوايا في بكركي أو في بعض الدوائر المسيحية لإعادة النظر بلبنان الكبير الذي نشأ وتوسّع باصرار من البطريرك الماروني الأسبق الياس الحويّك؟ وإن كانت هناك هواجس لدى المسيحيين من استمرار صيغة العيش المشترك المتوازن في ظل دولة مركزية لا إستقواء فيها من فئة على أخرى وفي ظل نظام يضمن حق الاختلاف بين الطوائف من دون أن يصادر حزب أو طرف قرار السلم والحرب أو يجبر مكوّنات لبنانية أخرى على القبول قسراً بجرّها إلى محاور إقليمية أو حروب أو صراعات.

وإذا كانت البطريركية المارونية تعمل بهَدي الارشاد الرسولي الذي وضعه البابا يوحنا بولس الثاني في خلال زيارته لبنان عام 1997 والذي رأى أن «لبنان أكثر من وطن هو رسالة» إلا أن هناك شعوراً يتولّد في بعض الأوساط المسيحية عن أن نظام الدولة المركزية بات ظالماً وجائراً ولا يحفظ التعددية. أكثر من ذلك فإن المناصفة التي أقرّت في اتفاق الطائف ويحرص كثير من القيادات المسلمة على الحفاظ عليها وفي طليعتهم الرئيس سعد الحريري عملاً بما قال والده الرئيس رفيق الحريري «وقّفنا العدّ» لا يمكن التعويل عليها كثيراً وضمانها في المستقبل خصوصاً في ظل التلميحات باللجوء إلى خيار المثالثة من حين إلى آخر وبتغييرات في النظام واعتماد قانون انتخابي على أساس لبنان دائرة انتخابية واحدة وخارج القيد الطائفي. وكل هذه الأمور تقلق المسيحيين على حضورهم داخل الدولة، ولاسيما في ظل الهجرة التي تزداد يوماً بعد آخر في صفوفهم، وفي ظل تكرار الحديث عن وجود أكثريتين في البلد سنية وشيعية في مقابل أقليّة مسيحية. وهذا الحديث لا تهضمه أوساط مسيحية ولا تقبل أن يُنظَر إلى المسيحيين أو إلى الموحدين الدروز كأقلية في لبنان وهم أبرز المؤسسين للكيان اللبناني، وتعتبر أن التغيير الديموغرافي الذي طرأ بعد الطائف إنما نجم عن مرسوم التجنيس عام 1995 وعن قدوم النازحين السوريين بعد عام 2011 وبالتالي فالمسيحيون ليسوا أقلية بل الغرباء عن الهوية اللبنانية هم الأكثرية.

وبحسب هذه الأوساط المسيحية، لا مشروع جدياً حتى الآن لإعادة النظر بلبنان الكبير والعودة إلى لبنان الصغير بل امتعاض كبير من الاستقواء بالسلاح وجرّ البلد ومكوّناته كافة إلى مشاريع حروب لا تنتهي وإلى محاولات تغيير الهوية وضعف الانتماء للبنان واعتبار الولاء لدول إقليمية أولوية على الولاء لبلد الأرز. هذا يعني أن الرهان على لبنان الكبير بدأت تحوم حوله علامات استفهام ليس لأن مشروع البطريرك الحويّك فشل بل لأن الرهان على لبننة مشروع حزب الله قد فشل. الأمر الذي يجعل عامل الاطمئنان مفقوداً بين اللبنانيين ويعزّز القلق على المستقبل في ظل السلاح خارج الدولة.

حتى الاشكالات على محطات المحروقات باتت تأخذ طابعاً طائفياً وتقسيمياً. ففي بلدة مغدوشة المسيحية التي شهدت «غزوة» من شبّان بلدة عنقون الشيعية وهتافاتهم «شيعة شيعة» تصاعد الشعور بأن الحضور المسيحي في الأطراف مهدّد في أي وقت، وفي منطقة جبيل في قلب جبل لبنان وجّهت اتهامات لأهالي المنطقة بأن إجراءاتهم البلدية لتعبئة الوقود تأخذ منحى طائفياً وبأن الأولوية تُعطى لأهالي جبيل وكسروان على حساب أهالي طرابلس وعكار.

وترفض مصادر قريبة من بكركي تحميل القيادات المسيحية فشل تجربة لبنان الكبير الذي أرادوه مساحة للعيش المشترك بين كل الطوائف ودافعوا عنه وبذلوا في سبيله التضحيات الغالية، وترفض بالتالي اتهام هذه القيادات بالسعي إلى الانفصال بل تسأل عما فعلته القيادات من الطوائف الأخرى لتعزيز فكرة لبنان الكبير وإنجاح تلك التجربة التي أسّست لها البطريركية المارونية منذ 100 سنة.

وتتخوّف المصادر من تسوية جديدة على حساب المسيحيين في لبنان وحضورهم داخل الدولة المركزية، من هنا يأتي طرح اللامركزية الإدارية الموسّعة التي بقي مشروعها حبراً على ورق.

وفي وقت يرى المدافعون عن المشروع وغالبيتهم من الأحزاب المسيحية أنه يعطي المناطق صلاحيات أوسع ويبقيها ضمن الدولة الموحدة بعيداً عن أي منحى تقسيمي ويستحدث مجالس منتخبة تتمتع باستقلال إداري ومالي وتحفّز النمو المحلي، فإن المعارضين حالياً للمشروع يرون أن خلفية الطرح هي «فدرلة» لبنان.

وقد كان رئيس مجلس النواب نبيه بري صريحاً في رفض العزف على وتر الفدرالية في آخر إطلالة إعلامية، وهو بموقفه عبّر عن وجهة نظر أكثر من فريق سياسي. غير أن مؤيدي مشروع الفدرالية يطلقون عليه إسم «الدولة الاتحادية» ويعتبرون أن رفض الثنائي الشيعي أو غيره لهذا المشروع ينطلق من رغبتهم في الهيمنة على كل مقدّرات الدولة في الوقت الذين يبنون فيه نظامهم الفدرالي الخاص بهم، ويريدون فرض مشروعهم على باقي اللبنانيين.

من هنا يُفهَم بيان مجلس المطارنة الموارنة الأخير ودعوته إلى التصدّي لمشروع زوال لبنان الكبير قبل فوات الأوان. وقد شكّل هذا البيان في توقيته مناسبة لرئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع الذي سيطل مساء الأحد في ذكرى «شهداء المقاومة اللبنانية» وكيفية تعاطيه مع هذا البيان ومع التطورات السياسية والأمنية التي باتت تشبه مرحلة التسعينات حيث ساد شعور بالإحباط المسيحي.

المصدر:
القدس العربي

خبر عاجل