#dfp #adsense

لكل إحتلال مقاومة والسياسة قبل الحزب!

حجم الخط

كتب إيلي طوني الياس في “المسيرة” – العدد 1720

الإلتزام بلبنان القضية… لماذا؟

لكل إحتلال مقاومة والسياسة قبل الحزب!

 

يصف الفيلسوف شارل مالك القيمة الأساسية للبنان بالوصف التالي: «يعني لبنان الحريّة. هنا أعتقد ما أشاء، وأنشر ما أشاء، وأعلّم ما أشاء، وأخطب ما أشاء». فمساحته وديمغرافيته الصغيرة مقارنة مع دول الجوار لا تسمح له أن يتربع صدارة هذه الدول صناعيًا أو عسكريًا أو اقتصاديا، ولكن هو في مقدمة دول المنطقة طبعًا بنسبة إحترام، وتقديس الحريات، والحقوق المدنية والشخصية!

هكذا أراده الآباء المؤسسون كذلك، فكان 1 أيلول 1920 يوم تحقيق المشروع – الحلم باستعادة الكيان التاريخي والطبيعي مع إعلان الجنرال غورو تثبيت حدود الـ10452 كم2. تحقق الحلم بعد الإلتزام بقضية وتقاطع مصالح دولية تخلّدت ذكراها في احتفال شعبي في قصر الصنوبر في بيروت. المشروع كان ولا يزال: كيان سياسي يحفظ للجماعات اللبنانية حريتها في ممارسة معتقداتها وإيمانها، ويؤمن لها حضورًا سياسيًا فاعلاً. تفاقمت التفاعلات الثقافية والسياسية لمختلف الجماعات المتواجدة على الـ10452 كم2 بشكل تصاعدي وايجابي تُوِّجت بميثاق 1943، إتفاق شفهي للتشارك في السلطة واعتماد سياسة الحياد في مقولة لا شرق ولا غرب والذي أنتج الإستقلال الأول في تشرين الثاني من العام نفسه!

لكن سَرْعان ما تحوّل هذا الإنجازُ التاريخيُّ مُعضلةً. وَقَع في التجاربِ كما هو مصير كل الكيانات الحديثة المنشأ.

الفترة الذهبية للبنان إن صحَّ التعبير إمتدت بين الستينات وأوائل السبعينات بفعل عدة عوامل داخلية وخارجية أهمها إعتماد سياسة الحياد الإيجابي الذي ساعد في تثبيت الإستقرار وإن كان في بعض الأحيان هشًا. إلا أن ما حدث من تطورات عسكرية بين العامين 1967 و1973 نتيجة الوجود الفلسطيني المسلّح الذي للأسف كان الراعي للنفق المظلم الذي دخل لبنان وشعبه فيه، ما استدعى تجنيد مجتمع كامل للمواجهة، فدفع ثمن القضية مرة أخرى دمًا وشهادة، أدَّت الى صمود وتصدٍ لم ينتهِ إلا بالإعتراف بنهائية الـ10452 كم2 والإتفاق بمدينة الطائف لوقف الأعمال القتالية وتسليم السلاح عام 1989.

لكن، لم يسلَّم السلاح كله كما اتُفق ودخل لبنان مرحلة السلام الوهمي واحتلال سوري لم يترك شيئاً من البنية التحتية لوجود دولة، لا بل ثبَّت وشرَّع كل الشواذ الذي نتج عن الحرب في نظام مؤسَّساتي فاشل مبني على المحاصصة والسرقة ربما قد نشهد نهايته قريبًا.

إنتهت فترة «السلام السوري» بثورة وطنية تاريخية، «ثورة الأرز» عام 2005، أدت الى إنسحاب جيش الإحتلال بعد 30 عامًا من الإعتقالات والنفي والتنكيل بالحرّيات العامة والخاصة. والدافع الأساسي لطرد الجيش السوري كان الموقف الوطني التاريخي للبطريركية المارونية عام 2000 الذي دعا الى نبذ كل حجة لبقاء الجيش السوري في لبنان بعد انسحاب الجيش الإسرائيلي عام 2000. طبعًا لا البيان عام 2000 ولا القرار السوري بالإنسحاب عام 2005 كانا السبب العملي، بل قرار آلاف المقاومين اللبنانيين الشرفاء بالصمود والمواجهة بكل الوسائل، حتى الإستشهاد، والذي أعدَّ كل المقوّمات السياسية والشعبية والدولية المناسبة التي أدَّت الى دخول لبنان مرحلة الإستقلال الثاني.

… ولكن!

مكوِّن أساسي لبناني بقيَ مخطوفاً ومصرًا على الإحتفاظ بترسُّبات الحرب والبقاء على الحالة الشاذة التي ولدت في بيئته منذ الثمانينات «حزب الله». كانت العلاقة بين الذراع العسكري الإيراني وسوريا هي انعكاس لمراحل الصعود والهبوط في تحالف دمشق وطهران. ففي حقبة الثمانينات، تطوّرت روابط سوريا و»حزب الله»، فيما كانت إيران تحاول تصدير ثورتها الإسلامية. خلال أوقات متباينة، كانت أجندات سوريا و»حزب الله» تتناقض، ما أسفر عن فترات قصيرة من العنف. لكن، في نهاية الحرب الأهلية اللبنانية العام 1990، تبدّلت الأحوال. فقد قَبِل «حزب الله» بالإحتلال السوري وحوّل تركيزه نحو منازلة الإحتلال العسكري الإسرائيلي لجنوب لبنان. وفي العام 2005، حين انسحبت القوات السورية من لبنان، كان «حزب الله» يحمي مصالح دمشق في البلاد، في الوقت نفسه الذي كان يُحسّن فيه إلى درجة كبيرة نفوذه. وكان من الطبيعي إعلان الحرب على كل أخصام سوريا ومواجهة 14 آذار.

إغتيالات سياسية وأمنية، حرب تموز 2006، إحتلال بيروت في7 أيار 2008، تزوير الانتخابات، تعميم الفساد والتدخل في الحرب السورية، فتثبيت أحادية السيطرة على الشارع الشيعي، أدخل لبنان مرحلة الإحتلال والهيمنة الإيرانية!

لذا، الإحتلال لا يزال هنا! ولأن لكل إحتلال هناك مقاومة، ولكل مقاومة…. إلتزام! من هنا البعد الآخر للإلتزام بالقضية اللبنانية. البعد الروحي والإيماني. يقول الإرشاد الرسولي، رجاء جديد للبنان، إنه لا يجوز للعلمانيين المؤمنين قطعياً التخلي عن المشاركة في «السياسة»، أي عن النشاط الاقتصادي والاجتماعي، والتشريعي، والإداري، والثقافي المتعدّد الأشكال الذي يستهدف تعزيز الخير العام، عضوياً وعبر المؤسسات. الدعوة للإنخراط بالعمل السياسي هي من أكبر مرجعية دينية مسيحية في الكنيسة الكاثوليكية والإلتزام هو في القضايا الإنسانية للخير العام. فكيف إذا كانت القضية اللبنانية هي قضية الإنسان والحرية.

للإلتزام أنواع عديدة منها الإلتزام بدين، الإلتزام بعقيدة، الإلتزام بالعائلة، الإلتزام بمهنة، والإلتزام السياسي وبقضية سياسية، وربما من أهم أنواع الإلتزامات، وذلك لأهمية السياسي في حياة الإنسان والمجتمع.

هي أهمية الإلتزام السياسي على الرغم من الخلفيات لدى اللبناني المبنية على أن السياسة أمر سيّئ وتلاعب وكذب وتسويات…. إنما هي وكما حددتها الوثيقة الصادرة عن الكنيسة، هي شيء محترم وفن كريم، أصيل، أخلاقي… هذا هو مفهوم السياسة من أرسطو الى يومنا هذا. لكن وللأسف إنّ تنفيذ السياسة والعمل السياسي قد يتخالف مع هذا المفهوم الأساسي.لإنجاح الإلتزام بالقضية هناك شروط وقناعات لا بد من تثبيتها، فالإلتزام السياسي هو قبل الإلتزام بالحزب أو غيره إلتزام بهدف إنجاح الجماعة لتحقيق الغاية والرؤية لمجتمع أفضل.

العمل السياسي هو أفضل ضمن المؤسسات ومن هنا أهمية التجمّعات والأحزاب السياسية .المؤسسة هي هيكلية وتنظيم أي القوننة والتكامل فيشعر الفرد داخل المؤسسة على أنه ضرورة للآخر ونافع له في المؤسسة، والفرد مهم للآخر والعكس صحيح. للقائد أو المسؤول عنها دور يهدف للتنمية في المجموعة. ومن هنا أهمية هيكلة المؤسسة وتنظيمها أساسي لبلوغ الهدف.

4 مقوّمات يشترط تكاملها في الإلتزام للوصول للهدف: أولاً حتمية وجود قضية وهنا مقاومة الإحتلال، ثانيًا مساحة حرية وقرار حر بالإلتزام، ومن هنا أهمية الكيان اللبناني، ثالثاً أن تتمتع بحس المسؤولية؛ لا يمكن للإلتزام أن يكون من أجل وجاهة من أجل مركز…. بل هو بدايةً مسؤولية. والناس المرتبطين بها. وأخيرًا المثابرة والإستمرارية، وهنا يكون الإلتزام على الرغم من الصعوبات والعقبات. فالأمور لا تكون حاضرة، ولكن بالتزامي أعمل على أن تصبح الأمور جيدة.

بعد كل ما سبق، هناك دعوة لكل شاب وشابة ولكل طالب وطالبة، لتحديد الهدف ورص الصفوف والعمل بإرادة حديدية مجبولة بخبرات تاريخ الأسلاف المشرّف وحاضر نشيط ومقدام لمستقبل مزدهر إنساني. الإلتزام بالقضية اللبنانية هو إلتزام سياسي وروحي!!

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل