
كتب النائب وهبي قاطيشه في “المسيرة” – العدد 1720
منذ أسابيع قليلة، شهدت الساحة في جنوبي لبنان سخونة متدرجة بإطلاق صواريخ باتجاه إسرائيل، وردٍّ كثيف إسرائيلي بالمدفعية والسلاح الجوي. لعبة الping-pong هذه تعيد الجنوب إلى ساحة خبِرها قبل نصف قرن، حين أدَّت إلى اجتياحه من قبل الجيش الإسرائيلي. ماذا يحصل في الجنوب؟ ما هي خلفياته؟ ما هي تداعياته؟ وهل يمكن ضبطه بسقف محدد؟
عام 1969، وبعد مرحلة من الإشتباكات العنيفة بين الجيش اللبناني والفصائل الفلسطينية في أماكن عديدة من لبنان، سمح «إتفاق القاهرة» للمنظمات الفلسطينية باستخدام منطقة العرقوب في الجنوب اللبناني، للقيام بعمليات عسكرية ضد إسرائيل، وأطلق على العرقوب في حينه إسم «فتح لاند» أي «أرض فتح» (فتح هي الإختصار لـ»حركة التحرير الفلسطينية» التي أسسها الرئيس الراحل ياسر عرفات)، وسط معارضة كبيرة من قسم من الشعب اللبناني، الذي رفض التخلّي عن السيادة على جزء من الأرض اللبنانية لصالح الغريب.
لم ترتقِ الأعمال التي قامت بها المنظمات الفلسطينية المتقاتلة والمتصارعة مع بعضها أصلاً إلى مستوى التحرير، إنما كانت مزيجاً من صراعاتها الداخلية الدموية، كصورة مصغرة عن صراعات الدول العربية، التي تتقاسم النفوذ داخل الفصائل، ومن رسائل دعائية باتجاه مشغليها، بالإضافة إلى الهدف الدائم: وهو إرباك الساحة اللبنانية الداخلية بسياستها الخارجية، المتموضعة مع الإعتدال العربي والأنظمة الحرة في العالم. فتحوّل لبنان بفعل نشاطات منظمة التحرير الفلسطينية، إلى صندوق بريد دولي وإقليمي وداخلي، كما تدرّج ليصبح بعدها مصنعاً لتصدير الإرهاب حول العالم.
تمدّد الوجود الفلسطيني إنطلاقاً من العرقوب، خلافاً لاتفاق القاهرة، ليشمل كل القطاعات الحدودية: الشرقي والأوسط والغربي، بين جبل الشيخ والبحر، وتحول الجنوب كله إلى ساحة مواجهة بين الجيش ومنظمة التحرير، التي ضربت إتفاق القاهرة بعرض الحائط؛ وبدل أن يدعم الجنوبيون جيشهم، وقفوا إلى جانب الفصائل الفلسطينية، ما أدى إلى انهيار الدولة في الجنوب وانسحاب الجيش من المنطقة، وسيطرة منظمة التحرير على الجنوب. وهكذا فقدت أرض الجنوب أية صفة «دولتية» رسمية شرعية. ما شجع الجيش الإسرائيلي على الدخول إلى تلك الأرض «السائبة»، التي لا تخضع لأية دولة في الأمم المتحدة، لإبعاد المنظمات الفلسطينية عن حدود إسرائيل الشمالية.
سيناريو ستينات القرن الماضي الذي بدأ بإطلاق صواريخ عديمة الفعالية، على أرض فلسطين المحتلة، يتكرر اليوم ولكن بلاعب جديد إيراني. فالشرارة «الحركشة» بدأت من قرية «القليلة» جنوبي صور، بإطلاق صواريخ يتيمة الأب والأم، إثنان منها سقطا في أرض مفتوحة في الجليل الأعلى، وثالث أنهكه الجهل والخوف، كما يبدو، فسقط في لبنان. لم تتبنَ جهة سياسية مسؤوليتها عن هذه الصواريخ، لكن، وبصرف النظر عمن ضغط على الزناد، سواء أكان فلسطينياً أو لبنانياً أو فصيلاً ثالثاً، فالشعب اللبناني برمته يعرف بأن «حزب الله» هو الذي أعطى الأمر بإطلاق هذه الصواريخ، لأن الذي يعلم بخفايا المرفأ في حيفا، لا تعصى عليه معرفة نشاطات بهذا الحجم فوق الساحة الجنوبية. إطلاق الصواريخ من القليلة كان بمثابة الدعوة إلى بداية لعبة الـ ping-pong من قبل لاعب «مقنع»، بين «حزب الله» وإسرائيل؛ فمن أطلق هذا «الماتش» المدمر للبنان؟
تكررت المشهدية بين اللاعب الغامض في لبنان والجانب الإسرائيلي، إلى أن قرر اللاعب الغامض فوق أرض لبنان نزع قناعه، ليؤكد ما يعرفه اللبنانيون جميعاً أن «حزب الله» هو الذي يقود عملية إطلاق الصواريخ من جنوبي لبنان بمبادرة منه، ليس رداً على اعتداءات العدو، التي لم تحصل في الأساس، إنما كدعوة لتبادُل طابات الملعب. فهل نحن على أبواب مأساة جديدة للجنوب وللبنان، ولماذا يعود «حزب الله» إلى ممارسة هذه اللعبة الجهنمية التي خبِر اللبنانيون خصوصاً الجنوبيون ويلاتها على مدى نصف قرن؟
يعلم القاصي والداني أن «حزب الله» يمثل الذراع العسكرية لإيران في لبنان. هذه الذراع تتحرك بأمر من قيادتها في طهران؛ وما شهدناه مؤخراً من تصعيد للأحداث بين تل أبيب وطهران، سواء في الداخل الإيراني أو في بحر عمان… يؤكد أن التصعيد على الحدود اللبنانية الجنوبية، ونزع «حزب الله» القناع عن وجهه في العملية يوم السادس من آب، ليست جميعاً سوى محطة من هذه المواجهة المستدامة بين إيران وإسرائيل في الداخل الإيراني وعبر البحار الدولية لتمتد إلى لبنان بقرار إيراني وتنفيذ «حزب اللهي». وهنا يبرز السؤال: هل من سقف لهذه المواجهة الجنوبية التي تضع لبنان في قلب هذا الصراع المدمر لكيانه؟
الجواب في طهران الممسكة بالذراع المتبقي لها في لبنان، وبتطور الأحداث بين الجانبين الإسرائيلي والإيراني. فإذا ما تصعّدت المواجهة بين الدولتين إلى حرب عسكرية مكشوفة، أو ضربات جوية إسرائيلية أو أممية، ضد المفاعلات النووية الإيرانية، فلن تتردد إيران، ولو لحظة واحدة، وهي العاجزة عن الرد على إسرائيل إلاّ من لبنان، عن فتح الجبهة اللبنانية بكل طاقات «حزب الله»، ليتحول الجنوب ومعه لبنان كله، إلى ساحة مفتوحة أمام العدو لتدمير لبنان وإعادته إلى «العصر الحجري» كما يصرّح بعض المسؤولين العسكريين الإسرائيليين.
«حزب الله» يعي خطورة الوضع، لكن لبنان بالنسبة إليه ليس سوى جزء من اللعبة الأممية الشيعية التي تقودها طهران، والتي يتولى هو تنفيذها في لبنان. فالصواريخ التي أطلقها يوم السادس من آب على أرض مفتوحة، أتبعها فوراً ببيان يوضح ويؤكد هذا الإستهداف كمَّاً ونوعاً؛ هو بذلك يفصح للإسرائيلي عن حدود لعبته، متمنياً على الإسرائيلي مبادلته سقف المواجهة. الصواريخ والبيان يشيان، ومعهما الرد الإسرائيلي، أن التناغم والتنسيق قائمان بين الحزب وإسرائيل. هذان «التناغم والتنسيق» يصبان في نظرية تؤكد على الحلف الاستراتيجي بين اليهود والفرس، و»حزب الله» قد يكون بيدقاً على طاولة شطرنج واسعة تديرها طهران؛ كما تذهب النظرية إلى القول بأن «حزب الله» هو بمثابة حارس للحدود الشمالية لإسرائيل. (طبعاً هذه النظرية التي يسوّقها البعض، والتي أرفضها كلياً مع احترامي لبعض أصحابها، تخدم نظرية المؤامرة التي لا أؤمن بها). وبصرف النظر عن الفعل ورد الفعل، فاللعبة ومعها الحرب نعرف كيف تبدأ، ولكننا لا نعرف متى وكيف وأين تنتهي. هكذا بدأت مأساة الجنوب قبل نصف قرن بانحياز الجنوبيين إلى الفصائل الفلسطينية على حساب دولتهم؛ بينما الأحداث اليوم تأخذ طابعاً مختلفاً، ولكن دائماً بانحياز الجنوبيين هذه المرة مذهبياً لإيران على حساب لبنان، لتبقى النتيجة ترداداً لنصف قرن مضى وهي: تدمير الجنوب وحتى إحتمال ضياعه، وانهيار لبنان. ويبقى السؤال لماذا هذا التصعيد الإيراني اليوم الذي قد يقود إلى تدمير لبنان؟
الجواب مرتبط بعوامل عديدة أهمها:
الأول: ما تشهده الساحة الإيرانية من اغتيالات للعلماء النوويين، وعمليات تفجير بعض المنشآت المرتبطة بالنووي، وسرقة الأسرار النووية من قبل إسرائيل، وتشجيع الإحتجاجات داخل إيران ضد النظام…. وهذا الأخير يتهم إسرائيل بإثارة كل هذه الأحداث.
الثاني: طبيعة النظام الإيراني الذي بات أكثر تشدداً بوصول إبراهيم رئيسي إلى دفة الحكم؛ وهو المتهم من قبل الأسرة الدولية بالإرهاب وتصفية المعارضين.
الثالث: التصعيد الإيراني في بحر العرب وبحر عمان ضد سفن أميركية وإسرائيلية.
الرابع: وصول المفاوضات النووية في فيينا إلى طريق شبه مسدود.
لذا فالمرحلة التي تعيشها المنطقة اليوم هي الأخطر لسببين:
1-التمدد الإيراني العنفي في المنطقة وسط رفض شعوبها والأسرة الدولية.
2- الإصرار الإيراني على الوصول إلى السلاح النووي وسط رفض دول المنطقة ومعها الأسرة الدولية.
قد يتضمن السبب الثاني نقطة التحوّل الكبرى. فإذا استمرت إيران في رفضها التخلي عن برنامجها النووي العسكري، ويوم تشعر الأسرة الدولية أن طهران قد تتجاوز الخط الأحمر باتجاه إمتلاك سلاح نووي، فإن إسرائيل لن تتوانى، حسب الخبراء الاستراتيجيين، ولو للحظة واحدة،عن المبادرة إلى ضرب مفاعلات إيران النووية؛ وهي أصبحت قادرة اليوم حتى بمفردها على ذلك، طبعاً بمباركة أو مشاركة أميركية، وغض نظر من قبل الدول الكبرى؛ إذ حتى حلفاء إيران يرفضون عملياً وسراً إمتلاك إيران لسلاح نووي لأسباب عديدة، وهذا ما قد يدفع بإيران إلى لعب كل أوراقها في لبنان والشرق الأوسط، وأهمها «حزب الله»، ما يسبب الدمار للبنان. لذلك فكل هذه العوامل والأسباب تجعل من المرحلة الحاضرة الأخطر في الصراع الإيراني- الإسرائيلي، والذي قد يقود إلى مأساة قد تكون الأخطر التي عاشها لبنان عبر تاريخه الطويل. فلعبة الـ ping-pong في الجنوب ليست ببراءة المشهدية التي يسوّقها «حزب الله»، إلاّ إذا كان هو البيدق الغافل أو المغيَّب عن أهدافها الكبرى.
وهبي قاطيشه – نائب في البرلمان اللبناني
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]