شهداؤُنا وعُصبةُ البَربَر

إذا كان الكَونُ أَمرَداً تأكلُه العَين، فالوطنُ كِلفٌ يأكلُه الوجدان، لأنه طَبَقٌ نفيسٌ للمجالسة، وفتحٌ للمؤانسة، ندماؤُهُ خَواصٌ، ورازِقُهُ يفيضُ عليه بالنِّعَم، مهما وقعَ الغَدرُ فيهِ نَهباً واختِلاساً.

بعدَ أن هَجَّنَ الكثيرونَ مَقامَ وطنِنا، وأَوّلَ الدُّخلاءُ قضيّتَه، واستباحوا روحَه، كلّما دَعَت مناسبة، ليُرجِعوه من طَورِ النّورِ الى شقاءِ الظّلمة، ويصبحَ صدًى لجلجلةِ استبدادِهم به، أَقسمَ الذين أَلقى الوطنُ عندَهم رَحلَه، على أن يُعيدوهُ من غربتِهِ، ليعودَ سيرةَ الدّنيا، ماضيها وباقيها.

لبنانُ، مع مَنْ قاوموا عُصبةَ البَربَر، حالٌ مُفرَدَةٌ لا يُعرَفُ لها شَبيه، ولا يُمكنُ الإقرارُ بأنّها، فقط، أَثَرٌ أَرضِيٌّ صِرف، أَلَم يكنْ للناسِ، على مَرِّ دَهرِهم، اتِّصالٌ مع ما جاوَرَهم من سَمَوات؟ إنّ نشأةَ لبنانَ قديمةٌ سَبَقَتْ شهداءَه، غيرَ أنّ وجودَه لم يُفَهرَسْ في كُتُبِ التَّراجِمِ إلّا معهم. فهم الذين ردّوا الإِثمَ الذي رُمِيَ به، وتمالَحوا مع أرضِهِ فاكتحَلَت بهم، وتحَوَّجَت من أنفاسِهم شعوراً بالعزّةِ، انتظرَته طويلاً، لتتحوَّلَ نُدوبُ دمعِها أَثلامَ عافية.

لقد أصبحَ وجهُ لبنانَ، مع شهدائِهِ، مُبارَكاً، واخضَرَّ، معهم، يُبوسُه، لأنه تَطَبَّبَ بهم. فما جاشَ في صدورِ أزمنةِ القوّة، ونعرفُ آخرَها، تماماً، أَوجَعَ قلوباً نالَها الغَصَصُ من القَهرِ والرّضوخِ والإذلال، فسُطِّرَ لها حكمُ الإدانةِ بالطّغيان، كَونَها جزءاً أَعوجَ في ضِلعِ الوطن. ولمّا لم يكنْ لبنانُ، في ضميرِ مُخلِصيهِ، يوماً، في إجازة، ثَوَّرَ هؤلاءِ التزامَهم المَنسوجَ بخيطِ القلوب، وكانوا مَشَرَّبين بأنفاسِ العنفوانِ الذي احتضَنوه من دونِ قِناع، وأَبَوا أن يُبَدَّدَ مصيرُ الوطنِ بمِخلَبِ ظلم، أو بِجَفاء، وآمنوا بأنّ المَآربَ لا تُدرَكُ بالهَوانِ، وبالاستكانة، أو بالتَلَهُّفِ على مرارة، بل بنضالٍ تُلَحِّنُهُ طُبولُ المَواقع.

عندما قَلَّ النّضالُ في أَيدي النّاس، أَلبَسَتِ الأيامُ لبنانَ كَدَراً، وعجزَ عن نَزعِ ما أُلبِس، فصارَ مُحَبَّراً بِريشةِ الخُطوب، وأَلقَتِ النّوائبُ عليهِ مَراسيها، لكنّ مَنْ عَلَّقوا مصابيحَ الولاءِ في أَسطُحِ قلوبِهم، لم تكن سِهامُهم شَرودة، فما حالَ بينَها وبينَ أهدافِها حائل، لِما ضَجَّ فيها من روحٍ مُلتَهِبٍ، وشَقعةِ تَوَثُّب. فهؤلاءِ الذين امتهنوا إِعزازَ الوطنيّة، وأرادوا كلَّ فُصولِها ربيعاً، أَردَوا مَقولةَ ” شعبٍ مَيتٍ ليسَ يَفيق”، وكانوا جرعةَ إنعاشٍ لمبايعةِ قضيّةِ حقّ، لم تَرَ أَصلَبَ منهم شاهِداً، ولا أَصدَقَ تَبِعةً، ولا أَنبلَ نفساً.

عندما عانَتِ القضيّةُ مُرَّ الشدّةِ، وقد أَضناها الرِقُّ السياسيُّ، واليأسُ من منظومةٍ بائسةٍ لم تُتقِنْ سوى نَهبِ البلدِ ثمّ رثائِه، تَرجَمَ الشهداءُ للوطنِ بإخلاصٍ حتى التّقديس، وحوّطوا هواهم بِهواه، وانطوى لهم، به، مودّةٌ أَضرَمُ من عِشق. وإيمانُ الشّهداءِ بالقضيّةِ فِعلٌ ثابت، وحَنينٌ الى حبَّةِ تُرابٍ من أرضِهِ القَتيل، لذا، لم يُحوِّلوا الوطنَ، كغيرِهم، أَطلالاً في البال، فبلغوا، في التزامِهم، حالةَ الحُلولِ، وفي حسِّهم الثَّوريِّ اندفاعَ الأبطال.

في ساعاتِ الصّعوبةِ، عندما تَكيدُ للوطنِ الدَّسائس، يندرُ مَنْ يَصلُبُ خَدُّهم. وعندما يبسطُ الحقدُ سلطانَه، فوقَ أرضِ الوطنِ، بِفائضِ وَخزِ السّكاكينِ التي تُحَبِّرُ في قلوبِ الناسِ جُروحَها، يَندرُ مَنْ لا يخشعُون أمامَها. إنّ شهداءَنا، وحدَهم، استطاعوا أن يوسِّعوا ثِقباً في تشبيكِ المؤامرةِ، ليتمكَّنَ الوطنُ من الخروجِ الى الطَّلق، وكان لِخَريرِ دمِهم دَوِيٌّ عظيم، فلم يَهدَأْ سَمْعُ الوطن.

لقد رسمَ شهداؤُنا للوطنِ، في وجدانِهم، صورةً مبتسِمَةَ الظلّ، ولم تحترِقْ. فالوطنُ، في بالِهم، يتساقى مع الدّهرِ كُؤوسَ المجد، فليس مسموحاً لحُرّاسِ الجحيمِ أن يَجثموا فوقَ كَفَنِه، وأن يغتالوا ما في أرضِهِ من سُلالةِ الآلهة، وأن يُدَنِّسوا ما على جَبينِهِ من نُقوشِ الكرامة. لقد رصَّعوا حِليةَ المواجهةِ بِيَدٍ صائغةٍ مُجَرَّبة، وبحماسٍ بالِغ، وكسروا الأَقفالَ المُسَنَّنةَ التي انتهكتِ الحريّةَ، لكي لا يفيءَ الوطنُ الى عزلةٍ، ويَخلوَ الجَوُّ للذين يُصاهِرونَ الشَّعبَ على خِدعة، بِخُبثِ الطَويّةِ، وسوءِ العَهد.

ولمّا كان شهداؤنا مَنقوصي الحُظوظِ مع طُغمةٍ تُتقِنُ التَّحاملَ المُغرِض، وعانَوا مرارةَ الحَيفِ من القريبِ ومن الغَريب، إلّا أنّهم لم يحقدوا، فعظيمُ نقلتِهم من جنَّةٍ الى جنَّة، أين منها هَلهَلَةُ نَسجِ هذه الجَوقةِ التي فُطِرَت على قُبحِ الغَدرِ، واللِّحاقِ بالخيانة، وإغراءِ الفساد؟

يا شهداءَنا الذين لَمَعَ دُرُّ شهادتِكم عِقداً مَنظوماً، أنتم الأَصحّاءُ الوفاءِ الثّابتونَ في ضلوعِ الوطن، مَثَلُكم كمَثَلِ النّورِ الوهّاجِ، لا يثبتُ في مواجهتِه إلّا أَصِحّاءُ العيون. ويا أحبّاءَنا، عندما عَطَبَ مِبضعُ كارِهي لبنانَ عُروقَكم، أَمسى دَمُكم طِيباً.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل