.jpg)
ودّعها وكله ايمان بلقاء آخر، ما لم يكن على هذه الأرض لا بد أن يكون في سماء ستنصف كل هذا القهر، هذا الوداع، هذا الانشقاق عن الذات بغية تأمين خير مجتمع قد لا يقدر، ولم يقدر لسنوات طويلة، الا أنه كان واحداً من شباب هبوا لصون وطن من ايادي الراغبين في التمدد على حساب كل شيء.
كان يفكر بكل هذه التفاصيل عندما ودّعها، واضعاً يده على كتفها ودموعها شلالات، يواسيها، وهو يعلم في عمق ذاته أنه قد لا يعود، والعودة صعبة وثمنها وطن. كان يعلم ان ذلك الشاب، طويل القامة، الممتلئ بالعنفوان سمير جعجع أمامه في تلك المعركة، سيلتقي به ليس كقائد إنما كرفيق سلاح لا يهاب شيئاً لخير مجتمعه.
هو انسان، كان الحنين يتآكله ووالدته مدمرة أمامه، تودعه ربما للمرة الأخيرة، عاد أمامها طفلاً صغيراً لم يشبع من طيبتها، من الأمان الذي يشعر به الانسان بقرب والدته ولو بلغ عمره الـ100 عام، كان يشعر بذلك الصراع لكنه تخطاه، حمل سلاحه، طبع قبلة على جبينها فشعرت باليتم وأشعرته به ومضى.
قاتل، تعب من معارك دامية، بكت هي ساعات على شرفة في ليال برد مظلمة وفي يدها مسبحة ما انفكت تنادي من خلالها ربها ليحميه، وحماه الرب. حماه من الجبن، من الوصولية، من فقدان الكرامة، من ترك مجتمعه يغرق ويفقد قيمته، حماه لها الرب على طريقته وقُطع قلبها إرباً وعيونها اليوم غارقة في وجه اكلته تجاعيد الزمن. زمن عاشته غصباً عنها بلا قلب، فقلبها تعالى الى السماء مع ولدها ورائحة البخور تملأ الأرجاء، و”الزلاغيط” تستقبل الشهيد.
شهيد لم يَخف وهي ربته على عدم الخوف، شهيد النخوة وهي علمته إياها، شهيد الكرامة وما نفع ايامها ما لم يكن ابنها من ارباب الكرامة! علمت انها صنعت من ابنها الصغير بطلاً ووساماً على صدورنا جميعاً، ورمزاً لمجتمع لن ينساه وسيستمر بتكريمه دائماً أبداً وحتى الأذل.
لم أكن حاضرة في كل هذه الأحداث، هي مشهدية سمعتها دائماً، تتشابه القصة ويتغير الأبطال، هو لم يتغيّر، وهم… أبطال المقاومة اللبنانية الذين صمدوا في ظروف كان الصمود فيها تهوراً والكرامة جريمة، صمدوا وانتصروا. ونحن سننتصر، سنصمد وننتصر، فلا بد ان ننتصر ما دام الله معنا وهم في آبار جهنم غارقون.
