لو كنتِ مي شدياق هل كنتِ لتصمدين؟؟؟

كتبت فيرا بو منصف في “المسيرة” – العدد 1720

كتبت سطور حياتها بحروف النضال

لو كنتِ مي شدياق هل كنتِ لتصمدين؟؟؟

«كل حياتي تحديات، طاحشت طاحشت حتى وصلت لهون، وصنعت جزءًا كبيرًا من قدري». هذه حكاية سيدة تُروى في ليالي اليأس والتراجع والإستسلام. حكاية إمرأة إسمها مي شدياق. قد لا يعجب الإسم أشخاصًا كثرًا، أشخاصًا يخلطون عمدًا بين الخصومة السياسية، وبين رواية إنسانية صِرف أقل ما يُقال فيها، حكاية إمرأة شجاعة شفافة حتى الدمع، صادمة حتى المواجهة. حكاية إمرأة، بيد مبتورة وقدم مبتورة، تكتب سطور حياتها بحروف النضال، لتأتي الحكاية كاملة متكاملة عن إمرأة طلعت من الموت المحتم، الى الحياة بكل أنوارها….

 

«كل ملذات الحياة ومن بينها المشروب ما عرفت إتلذذ بها كما يجب، لأن نظمت حياتي من البداية بأنو في شي مهم وشي الأهم، وتحمّلت مسؤوليات كتيرة من عمر زغير، وبعتبر حالي نجحت وإلا ما كنت وصلت الى ما وصلت إليه»، تقول الدكتورة مي شدياق.

لن أقول عنها إعلامية، ولا دكتورة في الإعلام، مع أنها تحب جدًا هذا اللقب لأنها نالته بعدما قامت بأعجوبة من موت محتم رصدوه لها، وقاومت بمخرز العناد كل ظروفها المستحيلة، لتنال تلك الدكتوراه المبلّلة بدمها ودمعها. أقول عنها إمرأة بكل ما للكلمة من معنى، ولا معنى للكلمة هنا، مع تلك السيدة، إلا الصبر، الإيمان اللامحدود، الشجاعة المطلقة، والعناد الغريب العجيب على مواجهة كل تحدياتها. هذه إمرأة بقلب رجل، هذه أخت الرجال كما هي أخت النساء «منيح هالحكي دكتورة؟»، تضحك من قلبها «إيه كتير منيح فيرا ومعبّر  تمامًا عن الظروف الصعبة لـ قطعت فيها. بتعرفي إنو بعمر الـ14 فقدت أبي وبدأت أعمل لأكمل دراستي، ومتل كل اللبنانيين عشنا الحروب الصعبة وكمّلنا حياتنا من الملاجئ، إمي علمتني القيادة، وانطلقت بالحياة، صنعت جزءًا كبيرًا من قدري، كنت حب الحياة كتير والسهر والأصحاب، وبتعرفي كنت وجهًا إعلاميًا معروفاً، لكن الإنفجار غيّر مجرى حياتي كليًا وفرض عليّ إيقاعًا مختلفاً، ومع ذلك استمريت وحصلت على الدكتوراه، ومشيت بمشروع المؤسسة الإعلامية لـ أنشأتها من بعد التفجير» تقول.

25 أيلول 2005 تاريخ محفور بالدم في جسد مي شدياق. محاولة إغتيال مروعة، إستهدفت إمرأة لأنها أعلنت أفكارها عن وطن تريده حرًا مستقلاً متحررًا من الإحتلال السوري وعملائه الصغار في لبنان. ذاك اليوم نقل فراشة الإعلام من مكان الى آخر. كانت تحت الأضواء، مشهود لها بمهنيتها العالية، وبجرأتها في إعلان مواقفها الوطنية، أزعجتهم فقرروا كتم الصوت الحر كما فعلوا مع أحرار لبنان، «ما حصل معي غيّر مجرى حياتي. كان ممكن أقعد بالزاوية واستسلم ولم أفعل. 42 عملية جراحية بجسمي، وشقف حديد وبراغي مغروزة فيي، تحيي العظام وهي رميم، هيدا المثل ينطبق عليّ تمامًا، لأن جمعوا أشلائي وحروقاتي وصاروا يرمموني قطعة قطعة، ومع ذلك رفضت الإستسلام، عملت إيد إصطناعية بتشبه إيدي تـ ضلّ إقدر إطلع بذات الصورة، ما بقبل منطق الهزيمة».

كيف لامرأة تحولت في لحظة دموية الى أشلاء، أن تستجمع هذا القدر من الشجاعة لتلملم جروحها قبل أشلائها؟! «لست المرأة الخارقة كما يشبهني البعض، ولا أنا قديسة بالتأكيد، أنا إنسان وعندي مشاعر كبيرة، السلبية منها والإيجابية، أحيانا أنهار تماما وبقعد لحالي تلات إيام، ومن بعدها أعود وكأن شيئا لم يكن، أنا أتحدى ذاتي دائمًا متلي متل كل اللبنانيين».

مي شدياق هل أنت شهيدة حيّة كما يطلقون عليكِ تلك التسمية التي لا أحبها شخصيًا؟ «ليش ما بتحبيا فيرا؟» تسألني. لأني يا سيدة أعتبركِ مناضلة حيّة، إمرأة مقاومة، واجهت الموت وانتصرت على ظروفها المستحيلة، كانوا يريدونكِ شهيدة، فشاء الرب أن تبقي في الحياة رغما عن إرادتهم وعن إجرامهم. «لـ بحبو بهالتسمية أنها بتخليني متساوية مع شهدا ثورة الأرز، أنا مناضلة دائمة، وعبارة شهيدة حيّة لأن الرب عبر مار شربل خلّص حياتي بأعجوبة. لكن بعض الخصوم بالسياسة حوّر الكلمة وصاروا يقولوا عني حيّة أي أفعى، وهيدا أمر ما بيزعجني كما يظنون، لأن كلما حكيت كلام حق ينتفضون ويعيّرونني بالجسم الناقص وما شابه. أشفق عليهم صراحة، وجسمي الناقص ذاك صنع لي حياة كاملة، ونضالا مشرّفا إبتداء من مؤسستي وصولا الى توزيري» تقول مي.

«كنت بعزّ عطائي لما سرقوا مني مستقبلي بـ25 أيلول 2005، ورجعوا سرقوا مني مدينتي بـ4 آب 2020». ويقف الكلام عند دمعها. «ليش عم تبكي مي؟» أسألها وأنا أعرف الإجابة مسبقاً. وبصوت متعثر بدمعه تقول «ما بعرف كيف ممكن كفّي بعدما سرقوا مني حتى طفولة المكان، ودمروا الجميزة والأشرفية، ولك حتى المدافن إختفت آثارها بهالتفجير الوحشي لبيروت. أخذوا منا ألأحياء والأموات، والمروّع أكتر بعد أنهم يحاربون الأهالي لأنهم يناضلون ليصلوا الى الحقيقة…». ولا تكمل مي حديثها. خنقها الدمع حتى الصمت… مي بعدك معي؟

«بتعرفي إنو ما عندي قصقوصة ورق بالدولة بقضية تفجيري؟ ما بدن ياني أعرف القاتل مع إني بعرفو تمامًا، منشان هيك بشوف بهالشباب وليم نون ودافيد ملاحي وكل يللي معن، بشوف فيهن العدالة لـ جايي، إذا وصلوا هم للعدالة لأجل لـ راحوا يعني أنا وصلّي حقي تمامًا بقضية تفجيري، هؤلاء يطالبون بحقي، إذا تحققت عدالتهم كأنهم حققوا لي العدالة الشخصية لقضيتي» تقول.

طيب مي صراحة، ألا تتعبين؟ ألا يجتاحك اليأس والقرف والتراجع وحتى الهزيمة؟

«لما بقيت عايشة بعد التفجير قالولي إنو ربنا تركك لأن بدو يوصّل رسالة عبرك للكل، وأنا أعتبر إنو قضيتنا هي رسالتنا، وقضيتنا محقّة، وشو ما عملتوا وشوهتوا وقائع، ما رح يقدروا يموتوا قضيتنا، وبمكان ما وجودي واستمراريتي ومواجهاتي الدائمة لهم، بتفشّل مؤامراتهم خصوصًا وقت يحاولوا أن يشيطنوا قضيتنا فأتصدى لهم بقوة، وهيدي رسالتي ومقتنعة إنو ربنا يريد أن أكمل بهذا التوجه، لكن ما يزعجني أن الجيل الجديد، ما بدو يضحّي متلنا، لأن عاشوا الرخاء والإسترخاء بسبب تضحياتنا، حتى لو لم يعترفوا بذلك، بس المشكلة إنو مش طالع ع بالن يضحوا وما بعرف إذا فينا نلومهم أو لأ، ربما يشعرون أن تضحياتنا ذهبت هدرًا، ومنشان هيك أنا مع إعادة قراءة جديدة للمواجهة المقبلة»، تقول.

هل تندم مي شدياق على توجهاتها السياسية التي كادت أن تكلّفها حياتها؟ سؤال تقليدي مي مش هيك؟ تضحك «لا أبدا مش تقليدي لكن إجابتي يمكن ما تعجبك، على مر السنين ضحينا بالغالي الغالي بسبيل لبنان، وضحينا عن قناعة تامة، جربنا كل شيء، أحيانا خياراتنا كانت صائبة وأحيانا خاطئة، اليوم لازم إعادة نظر بكل شيء، ما فينا نكفي هيك، نحنا منطاحش ومنقاتل ومنواجه وناس بتاخدنا ع المهوار. وقت عملنا ثورة الأرز، لحقنا المجتمع الدولي وحقق لنا ما نريد وتم جلاء الإحتلال السوري عن لبنان، الى أن بحرب تموز 2006 سرق حسن نصرالله الثورة وأخذها الى مكان آخر. ما فينا نكفي ماشيين بهالطريقة، لازمنا مقاربة جديدة للمواجهة، تصوري شو هالدولة المنحازة، ومنطق اللا عقاب المدمّر، شباب بيدافعوا عن حالن ومراكزن في منطقتهم، واقصد الجميزة، يساقون الى التحقيق ومن هاجم بالمولوتوف والأسلحة بيروحوا ع بيوتن؟! شو هالمنطق. أنا مؤمنة أننا منقدر نحنا نخلي المجتمع الدولي يلحق خطواتنا إذا عملنا ثورة حقيقية تليق بنا وبنضالنا وبنضال «القوات اللبنانية» عموما».

كيف تصف إمرأة بألف إمرأة؟ قلبا يضج بالقلوب، مقاومة مناضلة وأريد أن أقول رفيقة تشرفني أيضًا، سيدة بشجاعة فيلق شجعان؟ أقول لمن يكرهها أولاً، تكرهونها لأنها نقيض ما أنتم عليه. هي تمثل الكرامة والإنتفاضة على الذات، هي وجه مشرّف من حكاية «القوات اللبنانية»، وصورة عن وزيرة فعلت بوزارتها وبوقت قصير جدًا، ما لم تفعله حكومة بسنين، هي من واجهت الموت بالحياة ولو كان الثمن جسمًا مجرّحًا ودمعًا سخيًا حيناً، ولكنه يعرف كيف يبلسم حاله من إيمانه، ومن الرب يسوع، وذاك القديس العجائبي الذي لا يهدأ مار شربل.

مي شدياق حكاية إمرأة لبنانية متجذرة بقلبها، وقلبها لبنان وأكتر بكتير بعد. إحترامي سيدتي.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل