قطاعات تستغيث: إقفال بطالة والهجرة آخر الكيّ!

كتب سيمون سمعان في “المسيرة” – العدد 1720

قطاعات تستغيث: إقفال بطالة والهجرة آخر الكيّ!

أيلول طرفه بالأزمات… غرقان

 

في زمان العز كان الكلام عن أيلول، أنّ طرفه بالشتي مبلول. ما كان أيلول يترافق مع الهموم والوجوم، بل مع المونة والخير والتقاليد الحلوة لاستقبال الشتاء. أما أيلول هذا العام فغاطسٌ في بحر الخوف من المستجدات الإقتصادية والمعيشية والصحية وكل ما تستدرّه الهموم من تحدّيات. في الأسواق يتوالى إقفال المكاتب والشركات والفنادق والمطاعم والمحال التجارية، واحداًتلو آخر. جمود وإعلانات على أبواب مقفلة تدعو للبيع أو للإيجار، كأن البلد برمّته بات في تصفية عامة، كأنه مكتبة قديمة بدأ ناهبوها بطرح محتوياتها على الأرصفة تمهيداً للتفريغ والهدم… مؤسف أن تكتب في الإقتصاد كأنك تكتب مرثاة أو تَغرَق في الوجدانيات… لكنّه الزمن المختلف عن كل شيء وفي كل شيء!زمن البحث عن أجوبة ضائعة لقضايا مُلحّة: هل ستستمر البقيّة من العاملين في وظائفها أم تتوقّف؟ كيف يمكن العيش بغياب الدواء والمحروقات ومعظم أساسيات الحياة؟ هل ستفتح المدارس حضوريًا وكيف يمكن التدريس عن بعد في غياب الكهرباء والإنترنت؟ هل يتم إقرار البطاقة التمويلية وإلى أي مدى تساعد في حل الأزمة، ومن هم المستفيدون منها؟… وغيرها من الهموم المتساقطة على شكل تساؤلات مثقلة بالمخاوف.

بعد تَدحرُج الأحداث وتوالي الإنهيارات، خرج الإقتصاد اللبناني والحياة اليومية للمواطنين عن المسار الطبيعي للتقييم والإستشراف وتحديد الخيارات. حتّى الخبراء باتوا يتعاملون مع الوضع على القطعة و»كل يوم بيومه». ويبرّرون ذلك بأنه حتى في حال الإنهيار الإقتصادي هناك قواعد للسقوط الآمن وشروط للنهوض الناجح، وهي جميعها غير متوفرة في الحال اللبنانية اليوم. ويعزون السبب إلى غياب الدولة المنظِّمة من جهة، ورفض الإلتزام بتطبيق معايير الإدارة السليمة لمثل هكذا حالات من جهة ثانية. كأن تكون الحلول موجودة، لكن المسؤول يسعى لإنقاذ نفسه أو موقعه أو فريقه، لا لإنقاذ البلد.

 

التأزم وغياب الحلول

لم يعد خافيا على أحد أن الإستحقاقات الصعبة تتوالى والأوضاع المعيشية تتعقد. فخلال الأسابيع المقبلة يكون قد تم رفع الدعم كليا عن المحروقات من غير أن تكون البطاقة التمويلية الموعودة وصلت إلى أيدي المواطنين. ولذلك، فكلما اقترب الناس من الإستحقاقات كلما زادت وتيرة الخوف من الآتي، خصوصًا ألّا ثقة بالممسكين بزمام الأمور،ولا يمكن الرهان على من تسبب بالإنهيار أن يأتي على يديه الإزدهار.فرفع الدعم عن المحروقات وبعض المواد الأساسية الأخرى من دون طرح البطاقة التمويلية أو أي بديل يخفف عن اللبنانيين الآثار الكارثية لهذه السياسة، يشكّل مصدر قلق متزايد. ومعظم اللبنانيين لن يكون قادرًا على تحمّل تكلفة المعيشة مقارنة مع مستوى الأجور وتراجع القدرة الشرائية لليرة. هذا بالنسبة إلى مَن لا يزالون في وظائفهم، لكن التقديرات تشير إلى حدوث المزيد من الإقفالات وخروج دفعات جديدة متنامية من العاملين، من سوق العمل، إلى ردهة البطالة التي ارتفعت أرقامها في شكل مخيف منذ منتصف العام الماضي.

وفي السياق تشير التقديرات البحثية والخلاصات الإقتصادية إلى أن الوضع اللبناني يتجه إلى مزيد من التأزم في المرحلة المقبلة، لا سيما في الأشهر الفاصلة من اليوم وحتى نهاية العام.وستشتد على قطاعات محددة كالصحة والتربية والغذاء، لتمثِّل تهديدًا للأمن الإجتماعي للمواطنين. ويُظهِر بحث أجراه مرصد الأزمة في الجامعة الأميركية في بيروت، أن الاستنزاف الجاري حاليًا لما تبقّى من موارد مالية مُتاحة يسرّع من تداعيات الأزمة ويُضعِف إمكانية استخدام هذه الموارد في عملية النهوض، فضلاً عن ترجيح تفاقمها بعد رفع الدعم عن السلع الأساسية، وبالتالي ارتفاع الأسعار بشكل جنوني، وانقطاع الكثير من السلع، وتوقّف العديد من الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والنقل، إضافة الى ارتفاعات غير مسبوقة في معدلات الهجرة.

يشدد الخبراء على أهمية عدم المساس بالإحتياطي الإلزامي. ويقول مستشار في البنك الدولي لـ»المسيرة»، أن «كلفة تغطية الفرق باحتساب سعر المحروقات على 8000 ليرة بدل سعر السوق تساوي تقريبا 225 مليون دولار ستتحملها الخزينة اللبنانية بعدما رفض مصرف لبنان المساس بالإحتياطي الإلزامي. ولو تم رفع الدعم وتوزيع هذا المبلغ على العائلات المتدنية الدخل لحصلت كل عائلة على حوالى 90 دولارا. وبالتالي كان هذا المبلغ ذهب مباشرة إلى مستحقيه وليس إلى جيوب المهربين على حساب المحتاجين، واصفًا ما يجري بسوء الإدارة من جهة والهروب من واقع مواجهة الحقائق ومعالجة الأزمات من جهة ثانية، علمًا أن هذا الإجراء لن يحل أزمة الطوابير على المحطات ولن يوقف التهريب».

ويضيف «أن ثمّة من يعرف الحل لكن لا يناسبه اعتماده فيذهب إلى مزيد من الأزمات تحت شعار الحلول. فرفع الدعم الذي يرفع سعر صفيحة البنزين إلى 336 ألف ليرة والمازوت إلى 277 ألف ليرة بحسب السعر الحالي للصرف، يدفع عمليا نصف السكان إلى عدم القدرة على الحضور إلى مؤسساتهم وإداراتهم وشركاتهم في القطاعين العام والخاص، ما يوقف عجلة العمل أو ما تبقى منه بعد اتساع رقعة الأزمات. وهذا يتطلب إلى جانب توفير البطاقة التمويلية تنفيذ خطة نقل عام مدروسة وتقديمات تنقذ العائلات من السقوط في البطالة والفقر والجوع. لكن عمليًا لا قدرة ولا نية للدولة على اعتماد مثل هذه الحلول. ويريد القيمون ومنهم فريق رئيس الجمهورية تحديدًا مواجهة انفجار إجتماعي بدأت بوادره تلوح بقوّة، ورده بأي ثمن. فكل ما قاموا به من رفع تدريجي للدعم هو تأجيل الإنفجار لا معالجة أسبابه. وهذا يعني أننا واصلون إليه في وقت غير بعيد».

 

المستشفيات في العناية الفائقة

تسونامي الأزمات الذي يجتاح البلد لا تقتصر أضراره على قطاع من دون آخر خصوصا قطاع الإستشفاء. هذا القطاع الذي حمّلته أزمة كورونا فوق طاقته، لم يكد يتخلص شيئا فشيئا من تداعياتها حتى عاجلته الأزمة الإقتصادية والمالية بطعنة أعمق وأكبر. فالمستشفيات اليوم تفتقد معظم الأدوية والعلاجات والمستلزمات الطبية الأساسية. وزاد من أزمتها فقدان المازوت للتشغيل، ما يهدد فعلا بشل قدرتها على القيام بدورها.

ويعلّق نقيب اصحاب المستشفيات الخاصة سليمان هارون لـ»المسيرة» على ذلك بالقول «إن الوضع الإستشفائي ينتقل من سيئ إلى أسوأ في ظل عدم القدرة على تأمين الدواء والمستلزمات الأخرى. ويضيف حتى لو تأمنت الأموال بالدولار فإن الشركات المصنّعة في الخارج تمتنع عن تزويد البلد بالمنتجات الدوائية لأن هناك 600 مليون دولار مستحقات لهذه الشركات لم يدفعها لبنان. وهذه المبالغ كان وضعها التجار في مصرف لبنان لصالح الشركات ويبدو أنه لم يتم تحويلها. وهناك عقبة تشغيلية أخرى هي تأمين المازوت للمولدات، والذي حتى الأسبوع الأخير من آب كان مؤمنا نسبيا، لكن نخشى ألا يعود هذا الأمر ممكنا في النصف الأول من أيلول، حيث ستكون بعض المستشفيات مضطرة إلى الإقفال».

وبسؤاله عن الحلول الممكنة التي يجري العمل عليها لإنقاذ هذا القطاع الحساس وسط الصعوبات المعروفة وهجرة نخب القطاع الطبي وفقدان أساسيات العمل، يجيب بأننا «نسعى المستحيل لكن إذا استمر الوضع على ما هو عليه فلا أمل كبيرا بأي حل. وما نقوم به هو ترقيع وكل يوم بيومه وليس حلا. الحل الفعلي معروف هو بتشكيل حكومة ذات مصداقية وتقوم بالإصلاحات المطلوبة لكي تحوز ثقة المجتمع الدولي ونتمكن من الحصول على مساعدات، وغير ذلك كل المساعي هي تأجيل للأزمة وليست حلا لها».

 

العام الدراسي.. يبدأ لا يبدأ

كشف وزير التربية طارق المجذوب أن العام الدراسي سيبدأ حضوريا في 28 أيلول، ما أثار موجة من ردود الفعل من المعلمين والطلاب والأهل. وتتواصل الإجتماعات للجهات التربوية في ما بينها ومع الوزارة لمحاولة إيجاد حلول عملية ممكنة التطبيق، لأن القطاع التعليمي بأسره في لبنان يمر بوقت عصيب، وقد يصل الأمر إلى نهايات غير حميدة. فالمدرسة الخاصة تتجه إلى رفع الأقساط لضمان الإستمرار ما يعني هجرة أكبر للتلاميذ إلى المدرسة الرسمية التي تعاني هي الأخرى من انعدام قدرة الإستيعاب ومن مشاكل تشغيلية مريرة.

ويقول نقيب المعلمين المدارس الخاصة رودولف عبود لـ»المسيرة»، «ليس خافيًا على أحد أن الأزمة مستفحلة والوضع صعب لكن الحلول ليست معدومة. وانطلاقا من هذه القناعة نعقد سلسلة من الإجتماعات بحثا عن المخارج المقبولة للمدرسة والأستاذ والتلاميذ. وفي هذا الإطار التواصل مستمر مع وزير التربية لبلورة الحلول المرجوّة، غير أن الأمر يتطلب تعاون عدد أكبر من الوزارات مثل الأشغال والإتصالات وغيرهما لتسهيل إنتاج ما نسعى إليه من حلول».ويعترف عبود بأن الوضع صعب للغاية وقد لا يكون متاحا بدء العام الدراسي 2021 – 2022. ومع أننا نسعى لتأمين التعليم حضوريا، إلا أن تكاليف النقل على الأهل من جهة وتأمين المحروقات للنقل والتشغيل بالنسبة إلى الأستاذ والمدارس من جهة ثانية، وكلفة الإنتقال في حال الرفع الكلي للدعم، تجعل المسألة صعبة جدا كي لا أقول شبه مستحيلة. وهذا فضلا عن التكلفة التشغيلية على المدارس والأهل معا. لكن في المقابل فالتعليم أونلاين لم يعد حلًّا في هذه الظروف، فلا الكهرباء مؤمنة ولا الإنترنت، وإذا تأمّنت عند التلميذ قد لا تتأمن عند الأستاذ».

من هنا يرى عبود «أن الوضع صعب، كاشفا أن بعض المدارس قد يلجأ إلى رفع الأقساط، وهذا طبعا ليس بسبب الحاجة إلى رفع رواتب المعلمين التي لم تعد تكفي ثمن بنزين للحضور إلى المدرسة، بل لأن الأقساط بعد المتغيرات الجذرية باتت تشكِّل النسبة الأقل من التكلفة الإجمالية للتعليم». ولم يخف قلقه من هجرة العديد من الكفاءات التعليمية وأثر ذلك على القطاع التربوي في لبنان، لكن «هناك إيجابية أن المدارس الخاصة توقفت مؤخرا عن صرف المعلمين بل إنها باتت أكثر تمسكا بالنخب للحفاظ على المستوى التعليمي الذي تلقى الكثير من الضربات في السنوات الأخيرة».

هذا الواقع المأزوم دفع الأساتذة إلى إعلان الإضراب أو الإمتناع عن ممارسة عملهم، وأصدرت رابطة أساتذة التعليم الثانوي بياناً أكدت فيه التوقف عن العمل، وقالت «لا عام دراسيا مقبلا، والتوقف الكلي عن العمل بكل مسمياته، وإغلاق المؤسسات التربوية الرسمية، إلى حين تصحيح الرواتب، وإعادة الاعتبار لموقع الأستاذ الثانوي، ومكانته وحقوقه المالية والصحية والاجتماعية».

 

إنخفاض المشتريات وتحديدها

بالتوازي ترتفع أسعار المواد الغذائية بارتفاع سعر الدولار مقابل الليرة وبارتفاع تكاليف التخزين والأهم أجور النقل. وهذا أيضا يجعل شريحة كبيرة من العائلات اللبنانية غير قادرة على تأمين مستلزماتها الأساسية ما يعينها على الإستمرار، كما أنه يهدد قطاع السوبرماركت الذي بدأ إما بإقفال فروع أو أقسام داخل كل فرع توقّفَ الطلب على مشترياتها بسبب تراجع القدرة الشرائية للمواطنين. وعندما يسوء الوضع أكثر فإننا سنرى مزيدا من الإقفالات في هذا القطاع كما في قطاعات أخرى، إذا لم تتم المبادرة سريعا لاعتماد حلول واقعية لا شكلية للهروب من الواقع.

ويوضح نقيب أصحاب السوبرماركت نبيل فهد «أن اللبنانيين استغنوا عن 80 في المئة من مشترياتهم بعد تراجع قدرتهم الشرائية.وإن ارتفاع سعر صرف الدولار نحو 15 ضعفًا خلال عام ونصف العام، تراجع معه حجم الأعمال في السوبرماركت بنسبة باتت تهدد استمرار العمل. وهذا يعني أننا بمواجهة أزمة متنامية، وأن الحلول يجب أن تكون علمية وسريعة». وأكد»بدء عدد من السوبرماركت بإقفال أقسام منها،وتقليص عدد الماركات من الصنف الواحد. فبسبب تراجع الطلب على اللحوم والأجبان وبسبب شح المازوت وارتفاع سعره، اضطررنا إلى إطفاء بعض البرادات وإغلاقها».

 

ثمّة سند للعائلات وأمل

يبقى السؤال الأكبر بين تدفق الأسئلة عن المستقبل والمصير، هو كيف يستمر اللبناني حتى الآن وما السبيل لتأمين مقومات الصمود للمستقبل حتى مرور العاصفة، خصوصا أن ما تم طرحه في اجتماع القصر الجمهوري في العشرين من آب من دفع بدل شهر إضافي لمرة واحدة لموظفي القطاع العام ورفع بدل النقل إلى 24 ألف ليرة ليس أكثر من ملهاة. فماذا عن موظفي القطاع الخاص والأعمال الحرّة وسائر المواطنين؟

وتعقيبا على هذه التساؤلات يلفت الإقتصاديون إلى أن العامل الأبرز الذي يمد اللبنانيين بقدرة الإستمرار هو ما يصلهم من دعم من المنتشرين والعاملين في الخارج. ويشيرون إلى أن هناك ملايين الدولارات التي تتدفق شهرياً من 156 بلدا حول العالم إلى عشرات آلاف الأفراد والعائلات في لبنان. وهي أصبحت الركيزة الأساسية للصمود بعد انهيار الليرة، وفقدان العملة الصعبة من المصادر الأخرى.فتحويلات المغتربين التي وضعت لبنان تاريخيًا على رأس الدول المتلقية للتحويلات بالمقارنة مع عدد السكان، تضاعفت أهميتها بأشواط بعد الأزمة. حيث سجلت قيمتها وعددها ارتفاعًا مع ازدياد الصعوبات الاقتصادية. ووفقاً لإحدى شركات تحويل الأموالفان التحويلات الواردة من الخارج زادت في الأشهر الستة الاولى من العام الحالي بنسبة 50 في المئة بالمقارنة مع الفترة نفسها من العام 2020. ومن التوقع أن تفوق قيمة التحاويل الواصلة عبر شركة واحدة لغاية نهاية العام الحالي 1.8 مليار دولار، مقسمة على مبلغ يتراوح بين 100 و120 مليون دولار شهريًا. وهذا من دون احتساب ما يحوّل عبر شركات ووسائل أخرى أو يتم إدخاله نقدا إلى لبنان.

لكن بين تحويلات المغتربين والبطاقة التمويلية وفقدان فرص العمل، يتحول اللبناني إلى مستهلك صغير غير منتج في بلد يحتاج إلى أن يكون كل فرد فيه منتجًا ليتمكن من تخطي أزمته. ولذلك يجمع كل المتابعين على أن الحل يجب أن يكون سياسيا واقعيا شاملا، وإلا فكل ما عدا ذلك يبقى مجرّد مساحيق باردة فوق جرح ملتهب.

ويلية وإلى أي مدى تساعد في حل الأزمة، ومن هم المستفيدون منها؟… وغيرها من الهموم المتساقطة على شكل تساؤلات مثقلة بالمخاوف.

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل