الشعور بالقَرَف مُحَلَّل

ما يُصيبُ اللبنانيّين من تَقَزُّزٍ، واشمِئزازٍ، ونُفورٍ، وامتِعاضٍ، وإِحباطٍ، في مُقابِلِ سلسلةِ الخَيباتِ التي تُسَبِّبُها السُّلطةُ السّاطِيةُ على الحُكم، وكذلك أَعوانُها المُتَسَلِّلون الى الواجهةِ السياسيّة، بِمَسلكيّةٍ عَوراءَ، بَشِعَةٍ، تَلتَفُّ على المَطالِبِ الوطنيّة، ولا أقول المَطالبَ الشّعبيّة، هو، حقّاً، مُبَرَّرٌ، ونابِضٌ بِحُزنٍ، ويأسٍ، لن يُعَدَّلا، وللأسف، بثِقَةٍ، واطمئنان، طالما هذه الطُّغمةُ الفاسدةُ تَختمُ على أَملِ النّاسِ، وتَقصفُ رجاءَ الوطن.

مُجريات الأحداث، منذُ ما يُقارِبُ السَّنواتِ الثّلاثِ الماضية، بل أكثر، أَثقَلَت حياةَ اللبنانيّينَ بانعكاساتِها السّالِبة، وبتداعياتِها المُكرَهَة. وليس من الضرورةِ العَودةُ الى المُتَوَغِّلينَ في التَّحليلِ السياسيِّ للتأكيدِ على تَشَقُّقِ الأَملِ الكَرتونيِّ، وتَحَوُّلِهِ الى يأسٍ قاتِل. فمعادلاتُ المُتَرَبِّعينَ على رؤوسِ القَوم، التَفَّت على حقوقِ هؤلاءِ، وأسقَطَت من اعتبارِها تَطَلُّعاتِهم، وسَطَّحَت تَمَسُّكَهم بدولةٍ عادلةٍ، وحوَّلَت أحلامَهم سَراباً هائماً، بائساً، كزُجاجٍ أَصابَتهُ رَكلَة.

وليسَ غريباً أن يقذفَ الناسُ مسؤوليهم بأَبشَعِ النُّعوت، ويَنقُموا عليهم، ويُدَبِّجوا مُطَوَّلاتٍ هجائيّةً في زَيَفِهم الطّاغي، وفي نِظامِهم النَّفسيِّ المَوتور. ولا يُلامُ هؤلاءِ، فمشاريعُ الإصلاحِ الموعودة، على كلِّ صعيد، والتي اجتهدَ الأوصياءُ في تَعميمِ مُرافعاتٍ مُفَوَّهةٍ فيها، ودَعَوا النّاسَ الى تَرَصُّدِها وكأنّها نورٌ يَقذِفُهُ اللهُ في الصَّدر، لم تُسفِرْ سوى عن فَشَلٍ لا يستطيعُ أصحابُهُ تَمويهَهُ بالتَّدليسِ، وعن تَراكمِ خَيباتٍ هي، على الناسِ، أشَدُّ إيلاماً من الموت.

آخر ما استفاقَ عليه اللبنانيّون، هو تشكيلُ حكومةٍ قيلَ إنّها مُطَهَّرَةٌ من دَنَسِ التدخُّلاتِ السياسيّةِ، وهي غيرُ مُنتَهَكَةٍ من سيطرةِ الأحزابِ والزّعامات، ولا تخضعُ لِسِياقٍ ” سُلطانيٍّ” مُستَورَد، وبالتالي، هي راشِدةٌ، نَبضُها وطنيٌّ، وحِسُّها استقلاليٌّ مُطلَق. هذا، نَظَريّاً، تَجسيدٌ لِشَوقِ النّاسِ الذين لطالما ناموا على سلامةٍ، واستَيقَظوا على جُرح، وقد عايَنوا، بالوقائعِ المُتَتابعة، كيف ارْتُهِنَ وطنُهم للشيطان، ومستقبلُهم للهجرة، وحريّتُهم للتَبَعيّة، وخُطَطُ حياتِهم للتَّقويض. فهل تنجحُ هذه الحكومةُ البروتوتيبيّةُ، والمُغَطّاةُ بِبَراقعَ هي شهاداتٌ يحملُها أركانُها، عسى أن تكونَ صحيحةً، في إسقاطِ خَوفِ الناس، وفي عَدَمِ تَجميلِ القُبحِ الشَّنيع، وفي انتشالِ الوطنِ المُنتَهَكِ والمُنهَكِ من عُهدةِ اللُّصوصِ؟

لقد راجَت، عندَنا، في المَراحلِ الفائتة، شعاراتٌ لم تَعرِفْها بُلدانُ الشُّعوب، وتَبَنَّتها الحكوماتُ المُتعاقِبَةُ في بياناتِها الوزاريّة، وفي تصريحاتِ مسؤوليها، وهي شعاراتٌ مُتَمَلِّقَةٌ، خَلّابةُ الأسلوب، تُمَغنِطُ الإحساساتِ، وتضربُ على الأوتارِ المُتَقَبِّلَةِ في ذَواتِ الناس. لكنّ الأداءَ المُعوَجَّ لهذه الحكوماتِ زعزعَ منزلتَها، والخداعَ السّافرَ الذي مارسَتهُ أزالَ حصانتَها، والزَّيَفَ المُلتَوِيَ الذي تَمَترَسَت خلفَه، هزمَ ادِّعاءَها الاستقامةَ والنّزاهة، وخضوعَها للفسادِ، والمُحاصَصَةِ، والسّمسراتِ، والصَّفَقات، أَزهَقَ كيانَها، وجَبانَتَها في مواجهةِ المُبتَزّينَ، والمُهَوِّلين، والبَطّالين، اختَطَفَت ُواجهَتَها، فخسرَت بَصمةَ ثِقَةِ الشَّعب، وصِفَةَ الرُّجولةِ الوطنيّة.

التّصريحات التي أَتحَفَنا بها بعضُ “الصُلّاحِ النّاضِجين” من وزراءِ الصُّدفة، الهابِطينَ من ضِلعِ “أرسطو”، وكأنّ هنالكَ تَكامُلاً عُضويّاً بينهم وبينَ أَبِ المَنطِق، لا يمكنُ أن تُصَنَّفَ إلّا في بابِ النَّصائحِ التي يجبُ تَلَقُّفُها وكأنّها نُقِلَت من صفحاتِ اللَّوحِ المَحفوظِ. فالنّاصِحُ، جُلَّ قَدرُه، رزينٌ، نَقِيٌّ، مُحِبٌّ، نَبيلٌ، عالِمٌ، هَمُّهُ الإرشادُ، والمُنتَصِحُ، أي عامةُ الناس، منقوصُ الفَهمِ، جاهلٌ، وفي سِنِّ المُراهقة. إنّ الوزيرَ النّاصِحَ الذي يوزِّعُ التّوجيهاتِ النُّصحيّةِ، هو صاحبُ نُضوجٍ فكريٍّ لافِتٍ، عميقُ الثّقافةِ، لا نَجِدُ مَلامحَهُ في كلِّ زمانٍ، وكلِّ مكان. وهو، على ذِمَّةِ مادِحيه، معصومٌ، نَسيجُ وَحْدِهِ، مُمَدمَكٌ على المعلوماتِ المُوَثَّقَة، وحاصِلٌ على الحقيقةِ التي تَعصى على سائرِ البَشَر. وبالتالي، فالوزيرُ النّاصِحُ ضرورةٌ وطنيّةٌ لأنه مرجعٌ نموذجيٌّ لرسالةِ الإصلاح، وهي فَيضٌ إلهي خَصَّهُ اللهُ بها دونَ العالَمين، وذلك، للانتقالِ بهذا الشَّعبِ البائسِ، من بؤرةِ الجوعِ، والفقر، واليأس، والذلّ، الى فَجرِ الفرحِ المُنقَطِعِ النَّظير.

بالتأكيد، لا تنسحِبُ هذه العَطيّةُ الإِبداعيّةُ الطليعيّةُ على حَشدِ الحكومة، فهناكَ المُقَولَبونَ بالعَقلَنَة، ولَو أَقَلّين، لكنَّ زَمجرةَ المتَسَلِّطينَ من الأَوصياءِ المُتَحاصِصين، وهيمنةَ المرجعيّاتِ البَلَديّةِ وتلكَ التي وراءَ الحدود، تَحولانِ دونَ الإِفراجِ عن خُطَطِ الإصلاحِ، التي تسعى الى نَقلَةٍ نوعيّةٍ من مشروعِ سَحقِ الدولة، الى صَحوةِ المُصالحةِ مع الوطن، وذلك بِرَفعِ الغطاءِ عَمَّن يبيعُ الشَّعبَ بالوصوليّةِ، والمَصالحِ الرّخيصة، ويُزكي نارَ مؤامرةِ القضاءِ على الوطن.

القَرَف ليسَ عشوائيّاً، اعتباطيّاً، فانتيزيّاً، بِقَدرِ ما يُستَدرَجُ إليه بالسّلوكِ الخَبيثِ، والأداءِ المُتَوَعِّك، سَعياً الى غَرزِ المَزيدِ من الهزائمِ في جسدِ الوطن، وترسيخِ الشَّرِ والباطلِ ليَستوطنَ الشَّعبَ العَذابُ، والقَلَق. فأمامَ انحرافِ مَنْ في السّلطةِ، وتَبَنّيهم المسلكيّةَ المُلتَوِيَةَ في إدارةِ الدولة، وإخضاعِهم لبنانَ لبربريّةٍ تَدميريّةٍ بوتيرةٍ تصاعديّة، وفَرضِهم واقعاً هجيناً تَدجينيّاً يتولّى الانتقالَ بالبلدِ الى تابِعٍ راضِخ، وإِلزامِ الناسِ بأُبُوَّةٍ جديدةٍ تطلبُ جماهيرَ طَيِّعَةً، مغلوبةً، مُشَوَّهاً وَعْيُها… أمامَ ذلك كلِّه، والذي تُصبحُ الكوارثُ أَقَلَّ نتائجِه، باتَ القَرَفُ مُبَرَّراً، مُحَلَّلاً، ومن المُسَلَّماتِ. ومَنْ لا يَقرَفُ، فإمّا مُصَفِّقٌ مُستَفيد، وإمّا مُصَفِّقٌ غَبِيّ.

 

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل