الأب العام ميخائيل اسكندر الإهدني

كتب ميشال يونس في “المسيرة” – العدد 1720

الأب العام ميخائيل اسكندر الإهدني

الصلابة من أرض الأرز والعصمة البابوية من روما

 

الطوبى للحزانى بالروح، روحِ ذاكرةٍ رهبانيّةٍ منسوجةٍ من وَبِرِ مِسحٍ نُسكيٍّ ما زال شَعراتُه المُسنَّنة توخِزُ حتى اليوم ضمائرَ صالبيها !

الطوبى للحزانى بالروح، روح تاريخٍ رهبانيٍّ وقع منذُ ابتدأ بين يهوذا الإسخريوطي وقيافا وبيلاطس البنطي !

الطوبى للحزانى بالروح، روحِ حقائقٍ دامغةٍ دامعةٍ داميّةٍ لسيرةٍ ما أصدقها أن تُكتَبَ بقلمٍ مسلوخٍ من شوكِ تاج جبهة يسوع النّاصري وحِبرٍ يفوح برائحة الخَلِّ المُسقَى للمصلوب العطشان !!

بعد انتقالِ أبيها وراعيها ومُبارِكِ نشأتها ومُثبِّت قوانينها وفرائضها ورسومها البطريركُ التاريخُ والمؤرِّخُ مار أسطفانوس بطرس الدويهيِ إلى قنوبين السماوية تعرَّضت الرهبانية المارونية النّاشئةِ إلى هزَّتينِ كادتا أن تكونا زلزالينِ مِن دَرَجة عَقلِ المُجرِّبِ الذي جرّب يسوع في البريّة. الهزَّةُ الأولى خلافٌ نظاميٌّ تنظيميٌّ وقع بين مؤسِّسيها أنفُسهم، الأب العام عبدالله قراعلي إستلهَمَها رهبانيّةً نُسكيَّةً تتوغَّلُ في الكهوف والمغاور وشقوق الأرض تُديرُ ظهرها لأمجادٍ أرضيّةٍ مغايرةٍ لروح ومنطقِ الذي ليس له حجرٌ يُسنِدُ إليه رأسه وتنصرفُ إلى إنارة الوادي القاديشيّ بتواريخ كواكبِ البريّة. أمّا المؤسس الثاني الأب جبرائيل حوّا فقَد عاندَ بشدةٍ نهجَ الإعتزال وجاهرَ بإطلاقها رهبانيّةً تبشيريَّةً تخترقُ الحصونَ الديريةَ الصّارمة الإغلاق لتنطلقَ إلى حيثُ النّاس والأنس الإجتماعي والوِسع المُجتمعيّ. بالمختصر أراد أن يكونَ إنجيل الرهبان التبشيريّ جوّالاً داخل أحياء البشر بالرُغمِ مما لهذا الدستور مِن مجازفاتٍ لا تنتهي في التورُّطِ بأمور مرتا !

أمَّا الهزَّةُ الثانيّةُ التي كادت أن تُصيبَ الرهبانية الفتيّةَ بالعَطَبِ الفادح فقد كانت صنيعةَ وفِعلةَ أساقفةٍ كانت مُعظَمُ مملكتهم من هذا العالم ولهذا العالم.. هال أصحاب السيادة أحتشادُ أبناء الرعايا حول رهبانٍ عاشوا كاملَ وكمال عيشِ أبرشية الوعر المقدَّس، حولَ رهبانٍ أكلوا من رغيفهم رِبعَه تاركين لشعبهم ثلاثةَ أرباعِه، حولَ رهبانٍ علّموا أبناء تلكَ القُرى النّائيةِ والضياعِ المُعلَّقةِ بين الأشيار والأدهار كلّ حِرفَةٍ تُطعِمُهم خبزهم كفاف يومهم وكلَّ صنعةٍ تُثبِّتُهم في معاقلهم أحرارًا أعزّاء يرون في أبواب الأديار أبوابًا لوطنٍ لن يزول، والتفّوا حول ذوي أساكيمٍ ملائكيّةٍ مملكتهم كمملكة سيّدهم ليست من هذا العالم وليس فيها شيء من هذا العالم !

تحت عنوان الحفاظ على كامل حقوق التاج والصولجان توالت إجتماعات «السَّامو الإحترام « لدرس أنجع الوسائل لوقف الزحف الرهباني إلى قلوب أبناء الكنيسة المُجاهدة وعقولهم ولوضع كافة الخطط «البنّاءة» لتقويض هذه الرهبانيّةِ «الخطيرةِ» من أساس أساساتها، من زاويةِ زواياها، ومن مدماك مداميكها لتندكَّ حنايا المناسك ولتتشامخ الأبواب العاليّة في صروح البرفير والأرجوان .

أصحاب السيادة أولئك بدأوا بطقوس الهجمةِ إنطلاقًا من الصرح البطريركي والبطريرك يعقوب عوّاد، وقد أوغروا صدره على رهبانٍ ورهبانيّةٍ بات مسلكُهما الزهديُّ خطرًا داهمًا كاشفًا الذين هجروا صيد النفوس وعادوا إلى اصطياد السَّمَكِ من غير أن يلقوا شِباكهم في العُمُقِ !

الروح المُعزّي روح الحكمة والقوّةِ الذي وعدَ به الربُّ يسوع قبلَ صعوده إلى يمين الآب قد أرسله إلى رهبانيّةٍ تَحِلُّ بها مؤامرات ومؤتمرات رؤساء هذا العالم فانعقدَ مجمعُها الرهباني الإنتخابيّ يوم 10 تشرين الثاني من العام 1723 داخل عليّةِ دير سيدة اللويزة مُستلهِمًا الروح المُضئَ الضمائر المُلهِمَ القرارات المصيرية، فخُتِمَ المجمعُ بانتخاب الأب ميخائيل أسكندر الإهدني رئيسًا عامًا، فكان أولُّ راهبٍ لبنانيٍّ يتولَّى رئاسةً كانت معقودة اللواء للرهبان الحلبيين !

هذا المقدامُ بالفكر الرهباني الإنجيليّ الثاقب أدرَكَ مُذ انتُخِبَ أنَّه لن يتمكَّن من الزَّودِ عن رهبانيته وحمايتها من البطشِ والهدم  إلاَّ بمقارعةِ «الأجلاّء» إلى من رأس النبع المسكونيّ فأخذ قراره الأخطر والأجرأ بالسفر إلى روما حيث سيخوض معركة إستقلال رهبانيته وحيازتها على العِصمةِ البابوية وارتباطها المُباشر بالكرسي الرسولي بادئًا الجّهادَ الحَسن من قلبِ عرينِ الذي ما زال الربُّ يخاطبه حتّى الساعة: «يا بطرس أنتَ الصخرة وعلى هذه الصخرة أبني بيعتي».. ورهبانيّتي !

شهر نوّار مريم 1727 طلب الأب العام صلاة  أخوتِه الرهبان مُستشفِعًا سلطانة المعونة الدائمة ومُتحصِّنًا بسيرة أبطال السماء الذين مرّوا في أزمنة الوادي المقدس ومُتمنطِقًا بقوة شكيمة آبائه وأجداده الإهدنيين فنزلَ من قاديشاه إلى بحر لبنان حيث أبحر إلى الكرسي الرسولي ليطرق باب خليفة بطرس وأبواب أصحاب القرار داخل حاضرة الفاتيكان والمطلوب الواحد الوحيد خلاص رهبانيتِه وبقاءها وحريّتها !

وصل الأب العام اللبناني وصول بطرس وبولس للشهادة وهوَّ يعلم كلّ العّلمِ بأنّه  سيُصلَبُ بالمقلوب صلبًا مجازيًا وسيُقطعُ رأسُه قطعًا رمزيًا لئلاَّ تُصلَبَ رهبانيَّتُه ويُقطَعَ رأسها، فابتدأ الإتّصال بكلِّ مرجعٍ فاتيكانيٍّ يفتحُ له سُبُلَ إستقلال رهبانيته جاهدًا مُجتهدًا بسنِّ القوانين المُلائمةِ للكيان الرهباني اللبناني المارونيّ الجديد !

يوم 9 أيلول 1729 إنعقدَ المجمعُ الرهباني الإنتخابيُّ العام ليُعيد بالإجماع إنتخاب الأب ميخائيل اسكندر رئيسًا عامًا على الرهبانية، فكان الأول والأخير الذي يتم انتخابُه وهو غائبٌ عن المجمع  !

يوم 12 أيلول وبعد الإنتخاب بثلاثة أيام كتب المدبر العام الأب توما اللبودي إلى رئيسه الرسالة التالية: «فيا أبي! وحياتكم! لو تكونوا عندنا في هذه المدة لبكيتم علينا مِن قِبَل ما أصابنا من هؤلاء السادات الكرام! فيا أيها الأب الكلّي الإحترام إياكم أن تُفكِّروا في المجئ إلى الشرق قبل أن يتثبّتَ قانوننا، لأن الجماعة فاتحين أفواههم ليبلعونا كل وقت. والذي مثل حضرتكم يفهم بالتلويح «!

وفي الوقت نفسه كتب النائب العام الجديد الأب جرجس قشّوع الغوسطاوي إلى السمعاني يقول له: «لو حضرتكم تكونوا في الشرق لعجبتم مما أصابنا، وبالأكثر من أهل الإكليروس وأصحاب العلم، ولعجبتم كيف أنّ الرهبنة ما خرِبَت إلى اليوم «!

فهم الإهدنيُّ بالإشارة والوما والإيحاء والوحي ما يجب عليه أن يفعلَه لانتشال رهبانيته من مخالب بعض أحبار التاج والصولجان، آخذًا على نفسه ألا يعود من روما إلاّ بعد حصوله على العصمة البابوية بأيّ ثمن يفرضه عليه ربّ الشهداء المُتمرِّسين ببذل أنفسهم حتّى الصَّلبِ الروحي والنفسيّ والمعنوي، فانصرف إلى غايتِه إنصراف المُبشِّرين على دروب البشارة بلا زادين ورِدائين ولا دعمين ليسا من عند الرب !

بعد خمس سنوات من العناد المقدس والمثابرة القاديشانيّةِ والفروسيّةِ الروحية الهدنانية، نال الأب العام ما أراده قدوس القدوسين من رهبانيته ولها وفي يوم 31/3/1732 وهو يومٌ للتأريخ الروماني واللبناني العظيم صدرت وثيقة وبراءة

العصمة البابوية بالمضمون التالي :»إنّ الرهبانية جمعاء سعت إلى تثبيت قانونها وفرائضها مِن لَدن الكرسي الرسولي، وذلك طلبًا لمزيد إستقرارها، وتنزيهًا لها عن التهم والمطاعن التي كثيرًا ما قيلت فيها وانتشرت ضدها، وحملاً لسائر الطوائف الشرقية التي خرجت عن الدين الكاثوليكي، أو شذّت عن التهذيب الرهباني على الإقتداء بطريقتها والأخذ بمنوالها»!

شهر آب إنتقال العذراء من سنة 1732 عاد الأب العام ميخائيل اسكندر الإهدني إلى لبنان حاملاً عيد إستقلال الرهبانية اللبنانية المارونية، فكانت عودتُه مهرجانًا شعبيًا كيوم عودة المير فخر الدين، فاستقبله شعب الأديار والصوامع والرهبان الأبرار بقرع النواقيس في بواطن أوديتهم وإشعال نار الفرح والإنتصار فوق التلال وقمم الجبال!!!

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل