“بدّك شي؟ أنا رايح…”

من المقاتل: ف. س. الى المقاتل: ر. ع. “المسيرة” – العدد 1720

حين تضيق الأرض وتصغر، لتتكوّر في طاقة متراس… حين تتسع الشمس وتتمدد لتحرق عمر الأيام… حين يصير تعداد الليل والنهار، معركة فهدنة… حين يصير التاريخ روزنامة استشهاد… حين ينساك العالم لتحضنك رصاصة باردة… حين تخضر اليابسة والبحر والسماء والمدى بلون بزتك… حينها تصير الكلمة قدسنا، كلمتك أنت رفيقي، تصير قدسنا: هي شهادة مقاوم حي، يكتب المقاومة بالحرف الأحمر، بدم الأبجدية، رفيقي: مسيرتنا هي مجلّتك وحروفك هي مسيرتنا…

أتذكرك الآن، كيف وضعت جعبتك على صدرك في ذلك اليوم، وحملت بندقيتك والخوذة، ونظرت إليّ قائلاً:

-«بدّك شي؟ أنا رايح». ورحت… حتى أنك لم تنتظر جوابي على سؤالك.

يومها، حدقت في وجهك المشرق، وفي عينيك الواسعتين، وأنت تجمع متاعك وتستعد للرحيل، لكنني خفت من أن أُطيل النظر، فأبلغ فجأة قعر المسافة… تراجعت.

كنت أود أن أقول لك لا تذهب هذه المرة، دع غيرك يتولّى المهمّة، فأنت لم تكد تصل وأنا لم أتحدث إليك بعد. دومًا مشغول بأخبار المهمّات العسكرية، بآخر أنواع الأسلحة والعتاد.

كنت أود أن أقول لك إن أمك سألتني عنك وهل كنت أراك كل يوم، وإنها توسلت إليّ أن أدعوك ـ نيابة عنها ـ الى الغداء يوم الأحد، فأفراد عائلتك سيجتمعون ليروك.

كنت أود أن أقول لك إن ريتا مشتاقة إليك فأنت لم تذهب لرؤيتها منذ أيام، وإنها أُرغمت على السفر مع أهلها الى حيث أخبرتك.

كنت أود أن أقول لك أشياء كثيرة، لكنني كنت على يقين بأنك لن تسمعني، فأنت مستعجل الى حيث البطولة، مسرع الى حيث المخاطر. هكذا كنت من الصغر وهكذا بقيت.

لحظة وصلت الى الباب، ذلك اليوم، صرخت لك: «توقف»، لكن صوتي تناهى خفيفاً… فلم تسمع. كان صوت خفي يناديك ويشدك الى حيث… ذهبت من دون أن تودعني، كنت متأكدًا من الرجوع الى درجة أنك رميت إليّ مفاتيح سيارتك وطلبت مني تصليحها إذا استطعت، لتكون جاهزة حين تعود.

ذهبت طالبًا مني أن أذكّرك متى تعود، لتخبرني آخر «نكتة» سمعتها، وضحكت لها كثيرًا.

ذهبت مستعجلاً، فسيارة «الجيب» تنتظرك خارجًا، فريقها اكتمل عدده، وسائقها يناديك كي تُسرع.

ضحكت أو كدت، عندما قال لك عماد، وهو يدخل الغرفة: «موفق أبو الرور». فمتى لم تتوفق؟ ليقول لك هذه الكلمات التشجيعية السخيفة، إبتسمت… ومشيت.

كم كنت رائعًا ذلك اليوم، في بزتك العسكرية وأنت ترفع يدك، عند باب الثكنة، لتودع الحرس. كم كنت حيويًا وأنت تمازح السائق الى جانبك.

من كان يفكر في تلك اللحظة أن هذه البزة ستتلوّن يومًا بدمك؟

من كان يفكر في تلك اللحظة أن هذا الجسم الحيوي سيضحى باردًا أصفر؟

من كان يفكر في تلك اللحظة أن روجيه الذي يهوى ركوب الأخطار، ستنال منه رصاصة غدر، فيقع صريعًا مضرّجًا بدمائه، محتضناً بندقية، على خشبتها صورة القديس شربل؟

… والآن يصلني خبر استشهادك، أحاول عدم البكاء، فأنت علّمتني الصبر أيام الشدائد، والإيمان ساعات المحن، لكن مجرد تفكيري بوالدتك وهي تسمع الخبر، ومجرد تفكيري بما أخبرني به الرفاق الذين كانوا قربك، وبما حملوا إليّ منك لحظة نزاعك، يجعلني أفقد السيطرة على نفسي، أطبق جفنيَّ، أجهش… عذرًا يا رفيقي.

لماذا كان إسمي هو آخر ما تمتمت به شفتاك المرتجفة الباردة؟

لماذا أردت تسليمي تلك الأمانة الغالية، التي  أعرف مقدار تعلّقك بها؟

لماذا… لماذا… لماذا رحت؟

كم تمنيت أن أكون الى جانبك في تلك اللحظة لأمسك يدك وأحاول تخفيف آلامك. لأقول لك إنني معجب بشجاعتك وثقتك بنفسك. لأقول لك إنني أحب أن أكون مثلك «إنسان غير شكل» كما كنت تقول.

… لكن الوقت فات، و«ذخيرة عود الصليب» خاصتك وصلتني ملطخة بدمائك… بعدم انتهى كل شيء…

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل